فى بعض أيام عيد الفطر الماضى ضم مجلس فى منزل صديق عزيز ، كاتب هذه ( الأوعية والغلال ) ونفرا من الاصدقاء . في ندوة مرتجلة تبودلت فيها شتى وجهات النظر فى مختلف الشؤون والشجون . الى حرارة الجو التى لازمت العشرة الاواخر من أيام رمضان وامتدت الى ايام العيد وما بعد ايام العيد . في مكة المشرفة . وقد جرنا الحديث اذن ، الى الحديث والى البحث عن الاسباب التى ينشأ عنها تلطيف الجو واعتدال الطقس وقلت في معرض الحديث : انني ارى ان اهم ملطفات الجو . بعد
تعميم الكهرباء بمكة ان تغرس شوارع البلد الحرام بالاشجار الباسقة التى تمتص حرارة الجو والجبال . وان تنشأ فى ضواحيها الحدائق الغلب والغابات الكثيفة . لو صنع ذلك العادت مكة معتدلة الجواء بالنسبة لحرها المتقد الآن . الذي لا يحجبه عن الجسوم حاجب . . واضرب لكم مثلا واقعيا مصغرا على مدى تلطيف النبات للطقس الملتهب بما شاهدته شخصيا فانى كثيرا ما اعود الى منزلي فى المصافى باجياد بمكة فاذا حاذيت
بناية وزارة المالية فى أجياد ودنوت اثناء عودتي الى البيت من غير قصد الى حديقتها اجد بردا فواحا ممزوجا باريج الأزهار . ينبعث من هذه الحديقة الصغرى . فاقف أحيانا أمامها . اتلقي هذا الفيض المنعش اللذيذ من النسيم العذب والعرف الزكى المنبثق من براعم الحديقة واذاهيرها ثم امضى فى طريقي قدما حتى اذا صعدت الى ربوة المصافي وهي قريبة جدا من موقع الحديقة . احسست بفيح اللهيب من جديد .
والسر في هذا خلوها من النبات والاشجار . وعند هذا يبرى صديق يكبرنا سنا . وهو اكثرنا تجولا وخبرة بنواحي المملكة . فيقول مؤيدا
لا مراء فيما يقوم به النبات والشجر من تلطيف الجو . . وللنبات والشجر . علاوة على ذلك . فائدة ملموسية فى تكاثر الامطار بقدرة القادر الحكيم . وقد شاهدت بعيني رأسى ان هناك في جنوب المملكة قبائل قوية اعتادت ان تحمي اشجار منطقتها من العدوان والاقتطاع . وقد نتج عن ذلك ان الامطار لا تكاد تغادر هذه المنطقة .
فهي تهطل عليها باستمرار . فتزيد من لطاقة الجو بها وتزيد من تكاثف الاشجار والغابات فيها . وبالفعل ان هذه الغابات قد نمت وتكاثفت جدا حتى أن قطعان الجمال لتضيع فيها . إذا هي دخلتها من احد جوانبها وتقيم بجانب تلك القبائل فى سفوح جبال السراة نفسها ، قبائل ضعيفة
لما كانت تستطيع حماية اراضيها من اقتطاع اشجارها . فقد تعرت الارض اذن من الاشجار ولذلك كان جوها حارا وكانت السحب تتجاوزها دواما لماذا ؟ لتلقي احمالها من المطر الغزير المنهمر على ما يجاورها من مناطق الغابات الملتفة . وهنا يقول الصديق صاحب المنزل :
ان جو مصر ، أو القاهرة بالتحديد لا يبعد كثيرا عن جو مكة من حيث حرارة الطقس فى الصيف . بيد ان ما انشئ بالقاهرة من حدائق واشجار حسن جوها كثيرا . حتى انه لا يقاس بجو بلادنا .
قلت - لا تبعدن كثيرا . ففي كتب تاريخنا القديمة ما يدل على أن جو مكة هذه نفسها كان الطف مما هو الآن ايام وجود الاشجار والحدائق والنبات المتكاثف بها فقد او اورد المؤرخون انه كان بمكة قوم معمرون مثمرون . وقد وصلت مكة فى عهدهم
الى حد رائع من التقدم العمرانى وكانت كثيفة النبات والاشجار غزيرة الامطار وعاش اولئك القوم الى حين في نعيم مقيم ثم طغوا وبغوا وسلط الله عليهم بعض الجوائح فهربوا من مكة الى غير رجعة . وخلت مكة من السكان ردحا طويلا من الدهر فجفت
اشجارها وصوح نبتها وبقيت فيها بقايا من شجر السلم الذى يقاوم الجفاف . وجاءت امة من البادية فرعت انعامها وازدادت بذلك ضآلة النبات والشجر . وازداد بذلك جفاف الجو . وجاء ابراهيم عليه السلام بهاجر واسماعيل الى مكة والجفاف ضارب أطنابه بها . ولم يكن بها انيس . .
وكيف يوجد الانيس في مكان لا ماء به ولا نبات ولا شجر ؟ وامتثالا لامر الله تعالى انزلهما بهذا الوادى الجاف . لحكمة برزت فيما بعد . وقد لاحظ ابراهيم عليه السلام حالة الجفاف بمكة وسجله فدعا ربه قائلا : ( وبنا اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم) .
ويؤمن الصديق الكثير التجارب . على كل هذا ويؤمن عليه الصديق صاحب المنزل . وصديق آخر كان معنا نتجاذب أطراف الحديث فى ندوتنا الادبية الصغرى . وينتهي بنا مطاف الحديث بان نبدى تفاؤلنا خيرا كثيرا لمستقبلنا الزراعي ومستقبل جو
بلادنا بمناسبة انشاء وزارة الزراعة
وبهذه المناسبة الحميدة يحدثنا الصديق ذو التجارب الكثيرة بأن شخصية كبيرة بالمملكة كانت شاهدت فى هولندا ضخامة السدود المقامة على الانهار المندقة الى البحر فأبدت اعجابها بهذا العمل العظيم وتمنت لو تنقل هذه الانهار والسدودالي المملكة . ويسمع هولندى ما يقول فيجيب : ( إذا كنتم تتمنون ان تنتقل الى بلادكم هذه الانهار والسدود . فان اغلى ما نتمناه نحن
الهولنديين ان تنقل الينا بعض صحارى بلادكم الواسعة) . قلت - اننا لنا نأمل من الله تعالى ان تتحول سريعا هذه الصحارى الى فراديس نضرة تموج بانهار وسدود كما كانت من قبل ان شاء الله . .
والى هنا وقف بنا حوار الحديث عن الخوض فى ميادين البحث . وقد رأيت ان انقل هذا الحديث نقلا اهينا دقيقا لما فيه من فوائد جزيلة اولا ولما يدل عليه من تقدم الوعى الاجتماعى والفكرى ثانيا . والله الموفق والهادى الى سواء السبيل . .
