دأبت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة للجامعة العربية وهى اليونسكو العربية على تنظيم مؤتمرات تعالج مواضيع مصيرية بالنسبة للعالم العربى مثل مؤتمر الأصالة والتجديد الذى انعقد فى شهر أكتوبر الأخير بالقاهرة .
وفى هذه الأيام الأخيرة انتظم بالقاهرة فى مبنى الجامعة العربية من 6 الى 11 ماى 1972 مؤتمر آخر حول الوحدة والتنوع فى الثقافة العربية المعاصرة . وهو موضوع ، كما يبدو من العنوان ، له ابعاد مصيرية إذ القصد منه هو ضبط مظاهر الوحدة فى الثقافة العربية المعاصرة المنبثقة من حضارة واحدة وهى الحضارة العربية الاسلامية والنظر فى مدى تنوع هذه الثقافة وتعدد روافدها المنصبة فى نهر الثقافة العربية المعاصرة . وبصورة أخرى هو محاولة تقصى الجدلية الموجودة منذ سحيق الدهور بين وحدة الثقافة أو وحدة الثقافات فى البلاد العربية وتنوعها .
هناك اتجاهان فى معالجة الموضوع : - اتجاه يحاول رسم الواقع فى وحدة الثقافة وتنوعها بما فيه من نقط قوة وضعف ، من سلب وإيجاب ، واعتمادا على ذلك تضبط الأهداف والوسائل فى سبيل تحقيق غاية الجميع .
- واتجاه يتمسك بالغاية كقدس من الأقداس ويناضل من أجلها فى استماتة من " باعوا أنفسهم لله " ووقفوا حياتهم احتسابا وجهادا .
فأى الاتجاهين غلب على المؤتمر ؟ الثانى بالخصوص كان المهيمن " قوة " و" صلابة " وإرادة " غلابة " فى " اعتدال " لا محالة وطمأنينة " المؤمن "
بنبل الغاية وقداسة الجهاد ، وراحة " العالم " الى ما وصل اليه من استنتاج بعد عناء وجهد .
وبطبيعة الحال تغلب على أعضاء الوفود هذا الاتجاه وهم فى معظمهم من الباحثين والدارسين المعروفين الذين قدموا للأدب العربى خاصة فى العقود الأخيرة خدمات جليلة من أمثال الدكتور ناصر الدين الأسد والدكتور شكرى فيصل والدكتور عبد العزيز الأهوانى والأستاذ ابراهيم بيومى مدكور والدكتور مهدى علام والأستاذ رشيد خريس والدكتور عبد القادر القط .
وإذا كان المؤتمر حافلا بأمثال هؤلاء الأعلام ، مزدانا بجلال علمهم فان الذى ينقصه - وقد تناول بالدرس أبوابا من الفن والأدب - هو حضور الخلاقين المبدعين المشهورين من شعراء وقصصين وكتاب مسرحية ومخرجين سينمائيين واذاعيين وتلفزيين .
ذلك أن الذى يخشاه كل غيور على نجاعة أعمال أى مؤتمر من هذا القبيل هو ان يصدر عنه ما من شأنه ان يكون متضاربا مع ماهية الفن نفسه مغايرا لواقع الفنان لهذا فان الاستماع الى المعنيين بالأمر لا النقاد والدارسين والباحثين فقط أمر لا بد منه .
على أن ما توخاه الساهرون على المنظمة من تكليف جمع من الكتاب بصفة شخصية : لا ينتمون فى أغلبهم الى الوفود الرسمية ، للقيام بدراسات مضبوطة حول المواضيع المدرجة بجدول الأعمال كان له الأثر الطيب فى سير المؤتمر وتوجيه المناقشات ونذكر على سبيل المثال رجاء النقاش السلامونى و فاروق شوشة .
ورغم هذا فان الدراسات لم تشمل أبواب الثقافة كلها اذ اقتصر المؤتمر على المقول والمكتوب وارجأ النظر الى مناسبات أخرى فيما يخص الفنون التشكيلية والمعمارية .
وإذا كانت الدراسات ( * ) قد شملت جانبا كبيرا من الثقافة العربية المعاصرة - إلا المغربية منها - فان المناقشات كادت أن تقتصر فى بعض
الأحيان على قضية الفصحى والعامية وأثر هذا فى التوصيات فأتت فى أغلبها مدينة للعامية مفخمة لخطرها . والحال أن اللغة العامية أو بالأصح اللغة المنطوقة ظاهرة طبيعية موجودة فى كل بلاد العالم . وإنما الذى ضخم عندنا هذه القضية هو التفاوت الكبير الموجود بين اللغة المكتوبة واللغة المنطوقة . فاذا امحى هذا التفاوت او تقلص شيئا فشيئا فان الخطر يزول بطبيعة الحال . وإن أسلم طريق لفوز الفصحى - وهى فائزة لا محالة - ليس الوقوف ازاءها موقف الدفاع - بل العمل على ترقيتها وتطويرها وتعصيرها وجعلها لغة الحياة حتى يزول ذاك التفاوت وتبقى العامية تقوم بدورها الطبيعى المعروف فى جميع بلاد العالم بحيث ان محاولة القضاء عليها بتوصية من التوصيات لا يخدم الفصحى بل من شأنه أن يعمق الهوة بين ظاهرتين خلقتهما المجتمعات الانسانية ليتفاعلا ويتلاقحا : الفصحى لغة الثقافة والعلم والتقدم والاستنباط والابتكار تأخذ بيد العامية وترفع من شأنها شيئا فشيئا ، والعامية لغة الحياة فى أبسط معانيها تحفظ الفصحى من التحجر والتقوقع على نفسها .
فلا خوف اذن على الفصحى من العامية ولا خوف أيضا من التنوع فى صلب العالم العربى إذ فيه حياة الثقافة العربية المعاصرة وفيه نجاة لغة الضاد .

