خاصة بالمنهل, من السماء، ديوان جديد للدكتور ابي شادى

Share

الدكتور احمد زكي ابو شادى علم من اعلام الادب المصرى، فهو شاعر كبير وناقد. وكاتب حلو العبارة. جزل الاسلوب. علاوة على أنه بحاثة عميق الفكر؛ له فى العموم الكلجية والطبية والنحالة آراء ونظريات صائبة تشهد له بالباع الطويل والذهنية المتوقدة. عرفه القراء الكرام من دواوينه الكثر التى اتحف بها المكتبة العربية منذ بدأ فى قرض الشعر، كما انه ساعد على خلق طائفة ممتازة من شعراء الشباب ايام كان يصدر مجلته التى كرسها للشعر الحى واخص بالذكر منهم المرجومين الشابى والهمشرى وكذلك من الاحياء الصيرفى وابراهيم نجا وغيرهم. فكان ابو شادى بحق صاحب مدرسة تجديدية فى الشعر العربى المعاصر وضع نواتها شاعر القطرين خليل مطران . مدرسة تمردت على القيود اللفظية والمحسنات البديعية فثارت عليها ومزقت عنها اكفان التقليد والمجاراة وحطمت ما صيغ لها من اغلال، وعرفه القراء الغربيون بما كتب عنه وترجم له من شعره ونثره بعض المستشرقين وفي طليعتهم المستشرق الانكليزى "جب" والمستشرق الالمانى "بروكمان" فهو اذن من اولئك الذين لا يحتاجون الى تعريف لان لهم من ذيوع الشهرة وبعد الصيت ما يغنيهم عن التطبيل والتزمير، فلهذا السبب فاننا لا نكتب هذه الكلمة لتكون ترجمة لحياته ، انما سقناهم توطئة للحديث عن الديوان الجديد الموسوم ب "من السماء" الذي اصدره فى نيويورك اواخر سنة " ١٩٤٩ م" أى بعد مرور ثلاث سنوات على نزوله فى مهجره الجديد. يوم آثر الحرية على الظلم، والانطلاق على الانزواء، والتغريد على السكوت حيث غادر مصر سنة ١٩٤٦ الى بلد الحرية وفى قلبه لوعة لا تنطفي وحرقة لن يخمدها أواره

يقع الديوان فى " ١٦٠" صفحة من القطع المتوسط وقد طبع على ورق سميك صقيل طبعا متقنا ممتازا وكانت صاحبة الفضل فى ذلك مطبعة "الهدى" التى تعد جريدتها من امهات الصحف العربية فى المهجر الامريكى .

يضم الديوان بين دفتيه " ٦٦" قصيدة قالها خلال الفترة بين سنة ١٩٤٢-١٩٤٩ مع مقدمة نفيسة عن "التجربة الشعرية" بقلم الشاعر نفسه وقد اهدى لى الزميل العزيز ديوانه هذا منذ اشهر وكنت كلما أهتم بالكتابة عنه تمنعني شواغل الحياة وتصرفني عوادى المرض الذى تنتابني من حين الى آخر، واليوم وقد سنحت لى هذه الفرصة السارة فيسعدنى التحدث الى عشاق الشعر الحديث فى كافة البلاد الناطقة بالضاد عن هذا الاثر النفيس والديوان الفخم، وليعذرنى الذين تعودوا منى التحليل والتفصيل فى الدراسات الادبية اذا ما جاء حديثي هذا غاية فى الايجاز .

قال الدكتور الشاعر فى الكلام عن التجربة الشعرية ما يلى: "والتجربة الشعرية قد تكون عظيمة، كما قد تكون تافهة فى ظاهرها، ولكن الشاعر الكبير قادر بتأثره وتفاعله على ابداع الجليل من التافه، وكلما كان الشاعر حساسا منفعلا جاءت تجربته الشعرية قوية، وكانت منعته كشعر مؤثر مادام الشاعر مكتمل الادوات البلاغية من سلاسة التعبير وقوة البيان وحسن الموسيقى المناسبة والقدرة التخيلية والطاقة التصورية والتفنن فى الاداء والتناول، فى ذوق يتفق والمناسبة الشعرية سواء فى اختيار الالفاظ ومدلولات المعانى او الجرس الموسيقى والبحر الشعرى المتجانس مع العاطفة بعيدا عن التصنع والتعمل .. واجتماع كل هذه فى مجرى واحد تصب فيه حتى تتألق وحدة غنائية ساحرة لابد من شاعرية اصيلة وراءها ثقافة مكتملة وذهنية ناضجة وخبرة حيوية فسيحة "

ويختم الدكتور قوله بـ : "ان الشعر على أى حال طبع وموهبة، لابهرج وصناعة، بل عقيدة فنية .." وعلى اساس هذا القول سنطبق شعر أبى شادى على آرائه النثرية فهل ترانا بالغون

نريد: إذا نسمع عليه وهو يناجى " فتاة المندرة برمل الإسكندرية . . "

ذكرتك محزونا، جريحا، ملوعا      كأني الاقي الطعن فى معرك وحدى

وقد كفكف الحانى "الربيع" مدامعي  وان زادت النسمات -ماشئن- من وقدي

فأحسست بالسلوى تسلسل فى دمي       تسلسل ماء النبع في الظامئ الورد

وقد ناله نفح الهجير بقوة      فعاد يفض العطر فى نفح معتد

فهل لك ان تصغي الي فربما    اذبت فؤادى فى النشيد بلا عمد؟!

كما ذاب عطر الورد فى بسماته    وداعا لمن يهوى. ومات بلا حمد

ويا جارتى ما أبعد القرب بيننا     وذلك خوفى صير القرب كالبعد

أناجيك فى دقات قليى والها        كأن فؤدى طائر رف فى القيد

يحن الى من قاته وأفاءه        ولو أنه فى أسره ضائع الجهد

وكم تمتمت نفسي بشعر محبب      اغرده فى خدرك الساحر الوعد

فلما تلاقينا نسيت ضراعتى          ولم تبق لى إلا حشاشة منهد

وقد حالت الانفاس شعري وحدها    وكم تحمل الانفاس من قبل عندى

اذا لم تترجم فى لغى الحب فالهوى      سيغفر ما أودى بشاعرك الفرد

فهذه النجوى الباكية وهذا الالم المكبوت المصحوب بعاطفة جياشة هي عاطفة المحب تجاه حبيبه الذى لا يدرى بلوعته، تنقل السامع الى عالم من الصوفية والروحانية ولا عجب فان أبا شادى محب متصوف، يصور شعوره ونواعجه ببساطة متناهية وعبارات حلوة تنسجم انسجاما كليا مع الجرس الموسيقى الأخاذ لأن الشاعر هنا يؤدى " التجربة الشعرية " اداء كاملا

ثم إذا نحن انتقلنا من هذه القطعة الى قطعة أخرى من الشعر الذي يزخر به الديوان لانكاد نرى فارقا بينهما من حيث الديباحة والشاعرية الأصيلة والملكة الفنية المطبوعة. والنغمة الراقصة، فها هو ينشدنا من قصيدته " معركة الحب " هذه الأنغام التى ان دلت على شيء فانما تدل على حبه الجارف للطبيعة وامتزاج روحه بها

كليا، لايكاد ينفصل عنها البتة. وها هو يقول :

ويوم أفاء عليه الشتاء        جمال "الطبيعة" فاستألها

كأن جميع الفصول استجابت             نداء له، ونداء لها

تلألأت الشمس فى زهوها     ولاطفت الشمس أطفالها

وطافت نسائمه الساحرات          عذارى تهدهد أمثالها

فتوقظ من زهرات نيام        حسانا تخيرن سربالها

وترقص أعشابها نشوة        فتغتفر الارض إمحالها

وتنعش حتى الجماد النؤوم      فيزهى ويعرض إجمالها

أجبت الطبيعة لما دعت           وكانت فتاتى أقيالها

حججنا إليها فلما مثلنا      نسينا الحروب وأحوالها

ولو أن نفسى تعانى الحروب     وكم قطع الهم أوصالها

فينقذها الفن بالمعجزات      وقد أصبح الفن مثالها

يعالجها بالهوى العبقرى      ويرفع بالسحر أحمالها

ويخلقها من جديد مرارا          ويبني ويهدم اطلالها

وما الحسن إلا لأهل الفنون     وما الحب إلا رسولا لها

وهل بغير الحب والحنان والرحمة ينتشر السلام على الارض؟ لقد جرب هذه النظرية من قبل كثير من الفلاسفة والعلماء وما كانت دعوة الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسه وإضرابه الى الرجوع الى الطبيعة إلا من قبيل دعوة شاعرنا الفيلسوف أبى شادى، تلك الدعوة السامية للقصد النبيلة الغالية! فلنهتف كلنا بهذه الدعوة فأبو شادى اذن قد أدى هذه الدعوة اداء حلوا يبعث فى النفس الرضى والحبور وينشر على الانسانية ظلالا سمحة من العطف والمحبة والرضى!. وياليت الشعراء ينزلون من أبراجهم العاجية ويدعون الى مثل ما دعا اليه صاحب ديوان "من السماء" . اذن لأسدوا بذلك الى الناس خيرا عميقا. ولعم بينهم الصفاء على كر الآباد .

واذا تركنا الشاعر فى "معركة الحب" وانتقلنا الى قصائده الأخر من الأناشيد الرقيقة الحبيبة الى النفوس تجده لايكاد يختلف فى كل بيت من أبياتها عما قاله من ناحية التعبير والسلاسة البيانية، بل يكاد فى جميع ما قاله يكون واضحا بينا، وهذا الوضوح وتلك البساطة المتأنية من طيبة قلبه وصفاء نفسه هما سر ابداعه، ويسرنا أن تقرأ معه فاتحة ديوانه فهى تعد بحق قصيدة فاخرة تعبر عن نفسه أصدق تعبير قال :

قالت الارض أى عطر لديك      سكبته السماء فى راحتيك

أى شعر لها فتنت به الآ    ن ، ولم اعطه سخيا اليك؟ !

هل علمت الارباب فيها اسارى      ما تغنوا إلا يعطفي عليك

ما جمال السماء إلا جمالى          انا أودعته قديما لديك

قلت يا أم لم ابدل هيامى       أنت  أمي ومؤلى وغرامى

ما عشقت السماء إلا هروبا          من حياة تعج بالآثام

أنت من أنت؟ رحمة بالبرايا   وهمو من همو بهذا الخصام

الدماء التى اباحوا دمائى   والسلام الذى اراقوا اسلامي

وتناهيت فى السماء بروحى      وتراجعت مثخنا بالجروح

وشهدت الصراع فيها رهيبا    والضحايا مع الزمان الذبيح

فتغنيت عائدا بالمآسي       وكأني اعود عود المسيح

ولثمت الارض التى باركتني    وانطوينا على فؤادى الجريح

فهو هنا فيلسوف ينعى على الناس الحرب ومبشر بالسلام او صاحب "مدينة فاضلة" يدعو الى حب الارض التى باركته تلك الاء الحنون التى تهب وتعطى ولا تأخذ إلا القليل مما نجود به. ثم هو ساخر ملء قلبه من اولئك الطغاة الذين يستترون وراء قشور الدين باسم الدعوة الى الاخوة والمحبة بينما هم فى الحقيقة ابواق دعاية لمساعدة اصحاب الثروات الضحمة والرأسمالية القاتلة التى تخلق الحروب حيث يتفنن العلم في خلق مسببات الدمار حتى فى السماء .

وبعد وأخيرا وليس آخرا ان ديوان ابى شادى الاخير طاقة عبقة من شعر الروح والوجدان يعبر تعبيرا صادقا عن الشاعرية الاصيلة المطبوعة الى يمتاز بها الشاعر، وعن النزعة التحررية الحديثة التى تدعو إليها المدرسة الحديثة تحت سماء الحرية، ولا عجب فأبو شادى منذ ان اصدر "ابولو" حتى الآن هو احد الدعاة الاحرار الذين يضحون فى سبيل العقيدة بكل شيء كما دعا الى ذلك شوقي :

قف دون رأيك فى الحياة مجاهدا     ان الحياة عقيدة وجهاد

بغداد

اشترك في نشرتنا البريدية