خطب الجمع ..

Share

يسألنى الكثيرون ممن لا اتهمه فى اخلاصه من خيرة الاخوان عن مصير خطب الجمعة عن السبب فى الاحجام عن نشرها واخراجها فى كتاب مستقل كسجل لانتاجى ، ولتعميم النفع ، فان الكثيرين لا يتيسر لهم سماعها وخاصة من يسكن فى بلد غير مكة ، ويبالغ البعض معى ويحذرنى من مغبة الضن بالخطب ويجعل هذا التصرف من باب كتمان العلم ويذكرنى بما ورد فى الوعيد بشأن كاتم العلم ، ويريد البعض الآخر من الاخوان ان يجعلنى امام الامر الواقع فيتبرع بكتابة المقدمة ، وفى طليعة هذا البعض صاحب مجلة المنهل ، فلقد رسم فعلا فى ليلة شرفنى فيها بزيارته رسم الخطة التى يسير عليها فى كتابة المقدمة .

وجوابى لهؤلاء الاخوان الافاضل , والاصدقاء الذين محضونى النصح ، وبالغوا فى تشجيعى لابراز خطب الجمعة الى حيز الوجود

جوابى اليهم مع تقديرى لعواطفهم واحترامى لشعورهم نحوى ونحو انتاجى الضئيل، ان خطب الجمع ما هى الا وسيلة من وسائل التقويم العديدة

أدت مهمتها وقامت بواجبها فى الظرف الذى هيأه لها الشرع فلم تعد بعد ان قامت بالواجب صالحة للاعادة والتكرار وهى ليست بقرآن يؤجر عليه التالى وكلما ردده تضاعف اجره وعظم ثوابه بل هى نصائح عابرة ومواعظ يوجد الكثير منها فى بطون الكتب والمؤلفات الاسلامية ودراسة الكتب التى تحوى الكثير من المواعظ والذكرى للعلماء الفطاحل خير بكثير من العكوف على نسخة مصغرة تحوى جزءا يسيرا مما حوته كتب العلم الزاخر

ثم ان الهدف من خطب الجمعة هدف الشرع ، والغرض الذى وضعت من اجله معالجة مشاكل الاسبوع فهى اذن تكون بالمناسبات التى تتجدد او تطرأ احداثها خلال الاسبوع وكذلك كانت خطب النبى صلى الله عليه وسلم .. وللخطبة قيمتها واثرها فى النفوس إذا كانت من وحى المناسبة فاذا انطوى الزمن وذهبت المناسبة اضحى من العبث وعديم الجدوى ان يستمع الناس أو يقرءوا شيئا قد ذهبت مناسبته وانقضت مدته ، اضرب لذلك مثلا : هذا الشهر الحرام الذى اظلتنا ايامه وتصرمت ومضت كأمس الدابر كان

من مناسبة الخطب فيه ان يعرض الخطيب لحرمة الشهر الحرام ويذكر ميزته على سائر الشهور ويحث الناس فيه على الطاعة ويحذرهم من المعصية والجرى وراء الشهوات وتحقيق الرغبات الجامحة ويستحثهم على ايجاد فارق بين ايام هذا الشهر الحرام وبين الشهور السابقة من حيث التزام المسلك الرواشد وترك النزوات والهفوات ويستنهض الهمم للتوبة ، والرجوع الى الله الى غير ذلك مما يوجد فى النفوس شعورا بحرمة الشهر الحرام ورعاية حقه

ثم تأتى بعد ذلك مناسبة اخرى فى هذا الشهر ايضا وهى تعود الناس او البعض منهم القيام بانشاء رحلة الى المدينة لزيارة قبر الرسول الاعظم صلى الله عليه وسلم فى هذا الشهر ، وهذه الزيارة تدعى بالزيارة الرجبية فمن واجب الخطيب فى هذه المناسبة ان يحض الناس على اتباع السنة ويستعرض لهم ما ورد من الاحاديث فى نهى الرسول صلى الله عليه وسلم من جعل قبره عيدا بمعنى انه يعتاد زيارته فى وقت معين كما تزار المشاعر فى وقت معين لاداء النسك ويوضح للناس ان شد الرحل لا يجوز الا للمسجد لغرض مضاعفة اجر الصلاة فيه اذ قد ورد ان الصلاة فى المسجد النبوى تعدل الف صلاة من غيره من المساجد فاذا دخل المرء المسجد الشريف سلم على النبى صلى الله عليه وسلم ، ويذكر لهم ايضا ان الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم لا تقصر على مكان معين بل تكون فى كل مكان

بعيدا او قريبا ويذكر لهم قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجعلوا قبرى عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا على فان صلاتكم تبلغنى حيث كنتم) الى غير ذلك مما يوضح الزيارة الشرعية المسنونة

ثم تأتى مناسبة ثالثة فى شهر رجب أيضا ، وهى مناسبة الاسراء والمعراج التى يعتقد ويجزم البعض من الناس انه حدث ليلة سبع وعشرين من هذا الشهر ويوضح للناس اختلاف العلماء رحمهم الله فى تحديد الشهر فضلا عن تحديد الليلة ويذكر لهم ما حدث من شرعية الصلاة ليلة الاسراء لان الشئ بالشئ يذكر ويحضهم عليها ويذكر لهم ايضا ما رآه صلى الله عليه وسلم من صور المعذبين ارباب المعاصى فى هذه الليلة لينزجر بذلك من كان على شاكلتهم الى غير ذلك مما يذكر الناس بهذه المعجزة الخالدة ويبعد عن اذهانهم اعتقاد الجزم بها ليلة سبع وعشرين ..

هذه مناسبات جرت فى شهر واحد وكم فى الدنيا من مناسبات ومشاكل تختلف باختلاف الزمن والوضع والظروف ، من واجب الخطيب ان يضمنها خطبة الجمعة وان يتحدث عنها بصورة موجزة واسلوب رشيق يفهمه معاصروه الذين يعيشون فى زمنه وبذلك تكون خطب الجمع قد ادت واجبها فى الدلالة على الخير وتوجيه الناس الى اقوم السبل ووعظهم وتذكيرهم بالله . ولقائل ان يقول ان الخطيب على مرور الزمن قد يعجز عن خلق مناسبة يخطب فيها او قد

يحصر ويتبلد فكره فلا يستطيع ان يبتكر شيئا جديدا ولهذا القول نصيب من الواقع غير ان الخطيب المتحرر لن يعدم موضوعا فى آية من كتاب الله يشرحها ويوجه الانظار الى ما تهدف اليه من عبر ومصالح دينية او ترغيب فى خلق كريم وحث على رشاد . والقرآن خير كتاب للهدى والنور يجد فيه المتلمس اقوم نهج وأوضح سبيل

واعود مرة ثانية واقول ان من خطل الرأى أن أعيد على الاسماع امثال هذه الخطب التى كانت فى مناسبة مخصوصة فى شهر من شهور العام

كشعبان مثلا أو شوال على طريقة اعادة الخطب المنبرية او يعيدها غيرى من الخطباء ، لو طبعت الخطب وغدت فى يد خطيب كل همه ان يؤدى الواجب ويدفع عنه عناء تحضير خطب جديدة ولا يعنيه بعد ذلك صادفت الخطبة محزا وانتفع الناس بها أم غمرهم النعاس وغلبهم التثآوب

هذا هو جوابى لاخوانى فى احجامى عن نشر خطب الجمع ولكل وجهة .. واسأل الله التوفيق والسداد .

اشترك في نشرتنا البريدية