خطرات مريض :، الصحة تاج على رؤس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى

Share

تسألني يا صديقى الأستاذ كتابة كلمة لعدد " المنهل " الممتاز هذا " المنهل" الذي كرست فيه جهودك وأوقفت عليه نشاطك وجدك ، ليبدو رقرقا صافيا هادئا فتنعكس عليه صورة الحياة لامعة صحيحة بما فيها من خير وجمال ، وجلال وعظمة وتنطبع عليه آدابنا وأفكارنا فيختار منها الجيد وينتقد الغث وينبذه ، ويقوم المعوج ويجلي الغامض حتى يأخذ نصيبه من الصقل والاعتدال .

فلعمري ان الفكرة منذ البداءة جميلة وقيمة ، وانها لتدل على طموح كبير ارجو له الداد والهدى حتى يبلغ الدرجة القصوى ، والمستوى اللائق به ، فانا من ذلك نتخذ الدليل ونقيم الحجة على حيويتنا ؛ وأنا نتقدم وننهض .

هذه مقدمة موجزة قد لا يكون لها دخل فى الموضوع الذي اهم بكتابته وفى الواقع هو كذلك ولعل هذا ناشئ من التوعك الذي انتابني فان الأطباء يقولون ان الجسيم جهاز واحد يتأثر مجموعه بتأثر بعضه فنبو هذه المقدمة عن الموضوع شاهد ظاهر يصلح ان يضمه الأطباء الي العديد من شواهدهم وأدلاتهم

أبثك يا صديقى فى كلمتي هذه ما لاقيته من حرارة التهبت لها شفتاي وانتفخ أنفي : إنه ولله الحمد عارض بسيط ولكنه يا عزيزي مقلق يخنق ويضايق ، ولولا أن سبقني الأستاذ البشري الى وصف حالة المريض وما يشعر به من ألم يحجب عنه كل أمل ؛ ويحصر له امانيه فيما تراه تافها مبتذلا ، لانقدره ولا نحفل به . فاذا ما فقدناه شعرنا بالمضض ، وعرفنا أن لله نعما لا تعد ولا تحصى . لكتبت لك الشيء الكثير من الخوالج التى أترعت بها النفس والجوانح : ترى الإنسان ثائرا على الحياة

غير راض عنها يتطلب الأمل البعيد ، مفترضا فيه سعادة العيش وهناءه ومسراته هازئا فى دخيلته بكل ما سواه مجشما نفسه المصاعب فى سبيله . ان هذا لمما نخاله واقعا تكنه نفس تحس بالحياة وحرارتها ولا تعرف القناعة والرضى . وان هذا مما لا نريد ان نبحث لك عنه ، وهل هو مما يمتدح به الانسان او يذم . انما نحن نعجب من ثورة الانسان على الحياة ويقينه بانه من التعساء الاشقياء الذين صدف عنهم الحظ وتلاعبت بهم الظروف ، وزاملهم الفشل والنكد . الانسان المعافى الذي منح جسما صحيحا يتلذذ بكل ما فى الحياة من ماء بارد ونسيم عليل الى غير هذين مما يملأ الطبيعة من ملاذ ونعيم ، ومما لا نقدره حق قدره ونحن اصحاء سليمو البنية ، اليس فى تلك الساعات التى نقضيها غطيطا تحلق ارواحنا في الفضاء ، فتنظم لنا من المشاهد احلاما جميلة تزيد الراحة هناء وسروا ؟ اليس في ذلك الطعام الذي نقبل عليه في اشتهاء وجوع ؟ البس في عذو بة ريق الانسان الصحيح؟ اليس فى هذا وغيره سعادة فوق كل سعادة ونعيم ألذ من كل نعيم؟؟! فعلام يتبرم المتبرمون من الحياة ؟ ولم يرى الواحد منا نفسه وهو على احسن ما يرجو من اعتدال المزاج وصحة البدن شقيا منكودا لاحظ له فى الحياة ؟؟ نعم ان الانسان لم يخلق لهذا فحسب ولكن فيم التبرم ولم لا يكون الهدوء والعمل ؟ !

هذه خطرة أوحتها هاته الحرارة التى ثارت وهاجت على شفتى وحمدت فى شدة وعناء وقوة لحملات الدكتور الخاشقجى الذى تصدي لها بكل ما عرف فيه من حذق ونطاسة وقتا غير قصير وأخيرا سلط عليها اشعته وأرهقها بمراهمه ودوائه ومازال بها حتى قهرتها ارادة الله فانقهرت للخاشقجى فحياه الله وبارك لنا فى طبيبنا الحجازي الذي تأصلت فيه الشهامه وتشبع به الاخلاص فلقد شهدته وقد اكتظت غرف دار الاشعة بالمراجعين يداعب هذا ويهدىء روع هذه ممعنا فى أخذ رضا الجميع وشكرهم والاشعة يد من أيادى جلالة الملك فى هذه البلاد المقدسة انقذت الكثيرين من مرض عضال فتاك ، فخففت الاوصاب وآلامها . وانني لأعرف غير واحد من الذين عضو جسمهم داء وبيل وألم مبرح تعالجوا بهذه الاشعة فهم

الآن يستقبلون العافية فرحين مبتهجين يبتهلون الى الله تعالى ان يحفظ جلالة الملك ويبقيه ذخرا

خطوة طيبة تخطوها الصحة عندنا بهذه الاشعة وإنا بهذه المناسبة نلفت نظر مديرية الصحة العامة الى تعميم الاشعة فى الملحقات وفي مقدمتها المدينة المنورة التى هى ثانى الحرمين الشريفين

هكذا يا أخي ان الانسان تتكيف أفكاره وتذهب خواطره وآراؤه فيما يحيط به فى معرض الحياة الكبير الجامع للمتناقضات التى لا نستطيع ان نلم بها جميعا بل أننا نقف امام واحدة من هاتيك المناقضات مذهولين مأخوذين إما بجمالها وحسنها واما بسوادها وهيئتا المفزعة المخيفة ولهذا انتهى التطور البشرى ان ياخذ كل انسان منهجا وسبيلا ، فدا طبيب يبحث عن الجسم الانسانى وعن الامراض ومبعثها وذاك كيمائى يبحث عن تراكيب الاجزاء وماذا يحدث التركيب والخلط والمزج وآخر مهندس يفكر فى الاشكال ومقاسها والشواهق وارتفاعها ورابع فيلسوف الفكر فى الكون منقبا عن الحكمة والحقيقة وكذلك تضيق الدائرة على كل منهم فيحصر التفكير فيما تخصص فيه وتضيق اكثر من هذا فيحتكر تفكير المرء ما هو مشغول به .

أما أنا فلست طبيبا . لا كيمائيا ولا مهندسا ولا فيلسوفا ، فتملك تفكيرى ناحية من نواحي الحياة . وانما انا انسان يشعر بالوجود ويحب الجمال فيه ويبحث عنه فى واسع فضائه فى مستوصف الطبيب وفي معمل الكمائى وفى غرفة المهندس وفى نظرية الفيلسوف وفي فسيح الطبيعة حيث الشمس المشعشعة والجبال والرمال والأودية والنبات والنور الساطع وحيث القمر والنجوم والنسيم وعبق الزهور والظلام الهادىء

وها أنا آراه الآن فى الصحة الجيدة وفى الفم السليم من الحرارة وإننى لأشعر الآن بنعمة الله وبسعادة الصحة التى أنا قادم عليها ضارعا الى الله تعالى أن يتمها علي ويديمها عليك وعلى كل سجير حميم

اشترك في نشرتنا البريدية