تطور الامم ورقيها لا يمكن أن يأتي عفوا ولاطفرة واحدة . وانما لكل تطور مقدمات وأسباب تمهد له وتمكن من تحقيقه . وتأتى على الأمة بعد
ذلك أدوار تواجه الأمة فيها ظروف قد تكون فى صالح البلد فتدفع بها قدما الى الأمام فيسرع بذلك تطورها ، وقد تكون ظروفا بين بين فيسير التطور هينا ، كما قد تكون ظروفا عصيبة تحد من هذا التطور فى ناحية من نواحيه أو فى أكثر من ناحية .
والسبب الأول الذي يمهد لتطور الأمة ورقيها هو زعيم مصلح تاتمر البلاد بأمره فيسير بها فى الركاب الدولى فلا تتخلف عن جاراتها فى مضمار الحياة . ولابد لذلك ، وهو السبب التالي
من اسباب تطور الامة ، من حكومة رشيدة تستطيع بكفاءة رجالها ان تمكن للبلاد أمنا مستتبا وجهازا للادارة سليما يدفع بالتطور الى الامام ، فاذا لم تكن هناك زعامة ، ولم يكن هناك جهاز حكومي صالح ، فلا تطور ولا فلاح .
على ان الزعامة والجهاز الحكومى الرشيد اتماهما الخطوة الاولى ، فلابد ان تكون هناك ظروف مواتية لكى يأخذ التطور سيرته إلى الامام . ففترة الامان التى تسعد بها البلاد ، كلما طالت هذه الفترة سار تطورها حثيثا نحو غايته المنشودة ، وكلما قصرت فترة الامان التى تسعدبها البلاد فوجئ تطورها بصدمة قد تكون شديدة عليه فترجع بالبلاد القهقرى ان لم توقفها حيث هى ، لالها ولا
عليها ، فتجنيب البلاد ويلات الحرب ، هدف اساسي من الاهداف التى يرمى الى تحقيقها الحكم الرشيد . ومع ذلك فالدولة التى تستطيع ان تتحاشى اعلانها الحرب على الغير قد لا يكون فى طاقتها ان تمنع الغير من اعلان الحرب عليها . ومن جهة اخرى ، فاتساع رقعة البلاد ، وسوء طرق المواصلات فيها وتباين اسباب معيشة سكانها بين جهة واخرى تبعد لتباين موارد الثروة فى ربوعها المختلفة ، وعدم تساوى الفرص امام الجهود والكفايات المتساوية ، كل ذلك مما لا يساعد على سلامة واستمرار سير السفينة الى الأمام ، وهو ما يتطلب بذل الجهد المستمر والعمل المتواصل ، لا لأنقاذ ما يمكن انقاذه فحسب ، بل لوضع اسس انشائية لسياسة طويلة الاجل تعمدالي اختيارها بين الفينة والفينة ، فتتخلى عن سياسة بالية لتأخذ بأخرى أحدث وأفضل فتجارى الزمن وتسير فى الركاب الدولي ولا تتخلف عنه .
ونسبة التعليم في البلاد . فهذه هي المقياس الدقيق للسرعة التى سيسير عليها التطور ، وكلما ارتفعت نسبة المتعلمين فى البلد سهل ذلك لعوامل التطور أن تأخذ مجراها في يسر ، فلكى ننتظر محصولا جيدا لابد أن تكون هناك تربة خصبة وأيد عاملة وإشراف حسن !
وعلى ذلك فلكى ننتظر تطورا إلى الأمام فى بلد ما ، لابد ان يكون هناك : (١ ) زعيم مصلح (٢) جهاز حكومى رشيد ( ٣ ) فترة أمان ( ٤ ) نسبة تعليم عالية
وهذا الترتيب قد يجيء مقلوبا فتكون نسبة التعليم أولا ثم فترة الأمان ويجىء ترتيب الزعيم في الاخر . والفرق بين الترتيبين من حيث سرعة التطور هو الفرق بين سرعة التطور فى حالة الزعيم الذي يخلق شعبا ، وسرعته فى حالة الشعب الذي يخلق زعيما . وممالاشك فيه ان سرعة التطور فى الحالة الثانية تكون اقوى واسرع ، حالما يكون نصيب الوعيم ، فى الحالة الاولى ، فى الكفاح أدق ، وهو ما يتطلب منه جهدا اكبر وصبرا أطول .
والآن فعلى ضوء هذه الاسس يمكننا أن نلتمس لأنفسنا شيئا من العذر - وان كانت الحياة لا تعذرنا - ان كنا فى تطورنا خلال ربع القرن الاخير لم نكن جادين !
فلم تكن نسبة التعليم في البلد - قبل ربع قرن - شيئا مذكورا نتيجة لسياسات مرسومة خاطئة لم تكن ترى أن من صالحها أن يتعلم العرب .
وفترة الامان ، هى الأخرى كانت معدومة . فما كان هناك استقرار داخلي يمهد لسنة التطور أن تأخذ مجراها . ولن تستطيع حكومة أن تتفرغ لاعمال الأصلاح فى الداخل مادامت هى نفسها مهددة فى حياتها . ومع ذلك فالمتتبع لوضعنا الداخلى فى تلك الايام تأخذه الدهشة ان نستطيع استخدام الراديو واللاسلكى والسيارات بهذه السرعة وان تؤسس جمعية للطيران ! ولا تنس الجهاز الحكومى نفسه فقد عدل هو الاخير نتيجة لتكوين المملكة العربية السعودية وتوحيد الادارة في مختلف الولايات ولكن الظروف المالية التى كانت البلاد تجتازها فى ذلك الحين عملت هى الأخرى على اعاقة سير التطور بل ربما أوقفته فى أكثر من ناحية .
فاذا ما أفاقت البلاد من كابوس الفتن الداخلية ، وأخذت تجاهد فى اصلاح نظامها الداخلى اذا بالحرب العالمية الثانية تصدمها فيقف تطورها نهائيا الى ان تنتهى الحرب .
ولقد مضي الآن على انتهاء الحرب فعلا أربع سنوات ولكن العالم لم يعد بعد الى ظروفه الطبعية العادية قبل الحرب ... إلا ان مركزنا المالي تحسن بشكل بين . فدخلنا تضاعف كثيرا وأصبح ثابتا وسيتضاعف أكثر ويصبح امتن مما هو عليه اليوم .
ونحن وان كنا لم نضع حتى الآن برنامجا انشائيا موحدا ثابتا نسير عليه إلا أنه من الواضح ان حاجتنا الى مثل هذا العمل ملحة وضرورية جدا ، ولا بد أن نبادر الى وضع الاسس اللازمة له . على ان الاندفاع الحالى وهو ما نشاهد آثاره فى كل مرفق من مرافق حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ان هو الا الخطوة الاولى فى هذا المضمار . وهذا الاندفاع قد لا يعنى شيئا بالنسبة للامم الاخرى لكنه بالنسبة لامة تاريخها فى الحياة لما يتعد الربع قرن بعد ، يعد خطوة مباركة
فلنتوجه اذا الى صاحب العرش جلالة الملك " عبد العزيز " داعين له بالتوفيق من الله فى مهمته التى بدأها منذ خمسين عاما فى خدمة العرب والمسلمين والتى أخذت تؤتى أكلها باذن ربها .
وقبل أن اختم مقالي هذا انوه بفضل الادب والصحافة فى بعث روح الشعب وتوجيهه نحو افضل الغايات . . وأدباؤنا لا شك انهم يعملون شيئا ولكنهم يحسنون صنعا كلما أقدموا على العمل متساندين فى سبيل الصالح العام وصحافتنا تعمل ولا شك شيئا ، ولكنها تحسن صنعا لو ان القائمين عليها ضحوا فى سبيل تحسينها ورفع مستواها كما تكون فعالة فيما تهدف اليه والله ولى التوفيق .

