دعوة . . واقتراح
ان الجهود الصامدة التى يبذلها الاستاذ الكريم عبد القدوس الانصارى في موالاة اصدار ( منهله العذب ) الذي اشرعه منذ اكثر من ٣٦ عاما لرواد العلم والادب المطعم بسلسبيل الثقافة الاسلامية . . أقول : ان جهوده الكبيرة لتستحق الشكر والتقدير المعنوى والمادى على هذا الصمود . . فقد كانت مجلته أما لاكثر من كاتب ، ومدرسة ثقافية لاكثر من طالب . . ولهذا فان من واجب ، بل من بر أولئك الذين ترووا من نبعها أن يساهموا في جهودهم الطيبة على نشرها ودعوة الشباب العربى المسلم الى اقتنائها . . والنهل منها . . فهى من خبرة مجلات اليوم . . التى يعز وجودها في حاضر الصحافة . . حيث اتجهت اكثر المجلات وللاسف الى الصورة - التى طعم دسمها بالسم . . والى القصص والخبر الذي يلامس شعور الشباب العاطفي أكثر من تغذية عقله المفكر بالثقافة الاسلامية . . والادب الذي يغرس فى النفوس محاسن الاخلاق - ولهذا فانى أرشح مجلة المنهل - لهدفها ، وموضوعها ، واخراجها - لتكون مجلة كل شاب تفتح وعيه ، وأخذ يتلقف صحافة اليوم ويلتهم ما فى اعمدتها . . ويقرأ مجلات الحاضر بمختلف انواعها . . وانى لادعو ذلك الشاب لقراءة هذه
المجلة . . فهى وعاء حشى علما طيبا . . وظرف ملئ أدبا وثقافة عربية اسلامية . . كما اقترح بالمناسبة ان تزود بها كل مكتبة مدرسية توجد - حاليا - فى كل مدرسة ما فوق المرحلة الابتدائية ، فان وزارة المعارف الجليلة وعلى رأسها معالي الوزير الشاب الشيخ حسن آل الشيخ لجديرة بتحقيق هذا الرجاء .
وختاما تحية للمنهل العذب في عامه السابع والثلاثين من عمره المديد ان شاءالله . . وتقديرا طيبا لصاحبه ومنشئه الاستاذ عبد القدوس الانصارى - والى الامام على الدوام - والله الموفق سبحانه .
تحتفتان . . وتحفة
في عدد شهر شوال عام ١٣٩٠ هـ من هذه المجلة نشر الاستاذ محمد سعيد دفتردار تحفتين من مبدعات الشاعر المدني المرحوم الشيخ حسن بن مصطفى بسنوى . . وذكر الاستاذ الدفتردار ان هذه الاوفاق . . من الفنون الشعرية الجميلة التى تدل على مقدرة صاحبها وذكائه . . كما انها توحى بالترف الفني . . والتحتفتان هذا مفتاحهما :
التحفة الاولى وتقرأ هكذا :
حرق القلب بترف فاتر
قد سبانى رمقى لما رمق
قمر حين تبدى باسما
برق حسن من ثناياه برق
قرب الطب لمن ذوقه
كأس عشق قد جلاها في حدق
قدح زند الشوق في عشاقه
للقاه كم وكم أبقى حرق
والتحفة الثانية تتمرأ هكذا :
فرص الزمان اليك فاغنم وقتها
بالخير واجعل للفؤاد بها كلف
فلك المني ان ملت عن نهج الخنا
وسلكت بالخيرات مسلك من سلف
فلس لمن يشرى الضلالة بالهدى
وعنان طلعته عن المولى حرف
فرح لعبد قد أطاع الهه
وجميع مدة عمره فيه صرف
وعندما كنت اقرأ هاتين التحفتين المدنيتين . . بكتابتهما التربيعية اطلع عليهما والدى مد الله في عمره وقال : ان هاتين التحفتين المدنيتين لتذكرانى بشبيهتهما . . وقد حفظتها بالكتاب عندما كنت صبيا أتلفي العلوم الاولى من مدرس الكتاب . . وكان المعلم يتحف بها الاولاد النابهين . . ويمتحن بقراءات الاذكياء . . ومن ثم طلب اليهم كتابتها خط جميل عدة مرات . . وهى كالآتى :
ومفتاحها هكذا :
حلفت ليلى يمينا انها في ميادين التجافي تمرح
حرمت دوما علينا وصلها ليتها يوما لعينى تلمح
حملت قلبي تباريح الهوى وغدت عنى ببحر تسبح
حبست قلبي بسجن ضيق ثم قالت لى تسلى تفلح
ابن النعامة . . هو الموتو رجل
وعلى ضفة المنهل قرأت لاستاذنا الشيخ أحمد بن ابراهيم الغزاوى الشذرة ذات الرقم ( ١٢٢٩ ). . . المنشورة بعدد ذى القعدة عام ١٣٩٠ هـ من المجلد الواحد والثلاثين والتى تحدث فيها عن ابن النعامة ( او الموتو
رجل ) كما اسماه . . بقوله : (رويت هذه الابيات لشاعر جاهلى يدعى ) خزز بن لوذان ) . . قيل انه كان قبل امرئ القيس :
ان الرجال لهم اليك وسيلة
ان يأخذوك تكحلى وتخضبى
وأنا امرؤ ان يأخذوني عنوة
أقرن الى سير الركاب واجنب
ويكون مركبك القعود وحدجه
و (ابن النعامة ) يوم ذلك مركبى
قال ابو عمرو الشيباني : ( ابن النعامة مقدم رجله مما يلى الاصابع - يقول : فلا يكون لى مركب الا رجلى . . ) اهـ .
. . وبالمناسبة فقد قرأت هذه الابيات في مطالعة عابرة ضمن ديوان الشاعر الجاهلى عنترة بن شداد منسوبة له فى مقطوعة عاتب فيها امرأة له من بجيلة لامته على ايثاره مهره . . فقال :
لا تذكرى مهرى وما اطعمته
فيكون جلدك مثل جلد الاجرب
ان الغبوق له وانت مسوءة
فتأوهى ما شئت ثم تحوبى
كذب العتيق وماء شن بارد
ان كنت سائلتى غبوقا فاذهبى
ان الرجال لهم اليك وسيلة
ان يأخذوك تكحلى وتخضبى
ويكون مركب القعد ورحل
وابن النعامة يوم ذلك مركبى
اني احاذر ان تقول ظعينتى :
هذا غبار ساطع فتلبب
وانا امرؤ ان ياخذوني عنوة
أقرن إلى شر الركاب واجنب
ومن هذا يتبين خلط الرواة للشعر الجاهلى . . وذلك لاسباب كثيرة . . أهمها عدم توافر اسباب الكتابه فى القدم مع صعوبة المواصلات . . مما يهئ للرواة انتحال الشعر لغير صاحبه . . أو الشاعر نفسه يضمن او يدعى لنفسه ما سمعه لغيره . . فتتناقله الرواة له . . والأمثلة كثيرة فى الشعر الجاهلى . . وبعضها يقتصر على البيت او الشطر الواحد وقد يتعدى الى اكثر من هذا . . كما فى المقطوعة هذه . . وقد يتجاذبها شاعران جاهليان أحدهما . . وهو عنترة احد اصحاب المعلقات السبع او العشر أشهر من الآخر . . وأنا أرجح كونها له . . اى لعنترة لاسباب منها : اكتمال المقطوعة لديه . . ثم انه شاعر مكثر وفارس لا يشق له غبار . . فيكون أحرى بأن يعتنى بمهره ويوجه العتب الى من لامته فى اكرامه .
وبالاخير فانا مع المحقق الاستاذ الغزاوى بأن كلمة ( ابن النعامة ) أظرف من كلمة ( موتو رجل ) المختلطة بالاعجمية فلو أحياها الجبل لأغنته عن التقليد (١). . والله الموقق . .

