دجال !!

Share

تنبيه : القصة كلها خيالية ولكنها تصور جانبا عظيما من حياتنا

دخل فريد المدرسة ولم يستقر بعد حتى ضاق بالمدرسة والفصل وأوشك ان يخرج من الفصل ليلحق بابيه الذي أودعه المدرسة الآن ، إذ انه وجد المدرسة خلافا لما كان يظن أو على الاقل لما كان يخبره به والده عند ما كان يحفظ القرآن فالنظام بين التلامذة مفقود ، والنظافة شئ قلما يعتنى بها تلميذ ، والاخلاق تقرب ان تكون فوضى ولقد ازدادت دهشته حينما رأى رجلا ضخم البنية مقطب الجبين يتخطى باب الفصل وفي يده عصا ظن فريد انه يتخذها زينة له ولكنه لم يلبث ان رآها تهوي على أجسام بعض التلامذة فتلهبها ضربا ، فحاول ان يدرك معنى لما يشاهد امامه من منظر ولكن عقله الصغير ارتد خائبا عن تفهم معنى للضرب الخاص بالانعام يجري وبدون حساب في المحال التى أسست من أجل التربية والتعليم ، وعجب كيف يضرب تلميذ يراد به ان يكون المثال الحسن والقدوة الصالحة لبقية أترابه وزملائه ، ويكون ذا حس مرهف ونفس ابية لا ترضى الذل والهوان ولا تستكين اليه ! .

وما عاد فريد مساءً إلى الدار حتى علم عصمت افندي الأب البار بكل شئ فشرع يلقي على ابنه دروسًا زادت بها غبطة فريد من أخلاقه الحسنة ، وجعل الأب يتعهد هذا الغرس اليانع أفضل تعهد ، إذ كان ابنه الوحيد الذي من أجله ومن أجل مستقبله غادر بلاده فارًا مما بها من الحاد وتمدن أوربي خداع .

ولم تمض الايام حتى كان فريد قد تعود على مشاهدة مناظر الضرب وسماع الفاظ الشتم والسب ولكنه ما كان يترك ما عزم عليه من تقليل أمثال هذه الحوادث فشرع يحث زملاءه على الاجتهاد ويغريهم به ، ويبث فى زملائه روح الاخلاص والود فما افترق اثنان إلا جمع بينهما ، ولا تشاجر طالبان إلا اصلح بينهما ، حتى اصبح فصله أنموذجا حسنًا بين عموم الفصول .

بينما كان فريد يستعد للدخول فى امتحان النقل تجهم القدر لهذه الاسرة السعيدة فقلب لها ظهر المجن وانتشل منها رئيسها وعميدها بعد أن امهله مقدار اسبوع تقلب خلالها على فراش الموت ، وهكذا انتقل عصمت أفندي إلى دار البقاء تاركا ابنه وزوجه فى دار الغربة لا عائل لهما ولا معين اللهم الا رجلا كان يتوسم فيه الخير فأقامه وصيًا عليهم .

شيع فريد جنازة والده بعين باكية وقلب حزين تجلى اثرهما واضحًا فى فصله ومدرسته إذ كان الجميع يشارك فريدًا فى مصابه الاليم ولكن كل ذلك لم يثن فريدًا من الدخول فى الامتحان ونيل أعلى الدرجات فيه .

افتتح العام الدراسي الجديد فقصد فريد مدرسته وكله حيوية ونشاط إذ ان والدته كانت امرأة حكيمة ومربية قديرة تولت السهر على تربية ابنها ووحيدها فريد حرصًا على مستقبله العلمي ان لايضيع ، الا ان هذا الرجل احسان أفندي الذي أقامه والد فريد وصيا عليه كان يطمع في ماله وكان همه ان يستولى على كل ما يملكه ليعيش سعيدًا ويطرد فريدًا وأمه فشرع يعامل فريدًا بالشدة ويسمعه من كلمات السب والشتم ما يجرح عاطفته الحساسة وشعوره المرهف .

ها هو القدر يسخر من فريد ويسمعه من الفاظ السب القبيحة ما لم يكن يرضاها لزملائه وطالما كان يتمنى ان يحظى بساعات سعيدة يسمع فيها الفاظ التقدير والتشجيع بدل هذه الالفاظ النابية ، ولكن فريدًا الآن مكسور الجناح مهيض النفس فيتحمل كل ذلك عن طيب نفس منه حتى يتم دراسته ويثبت رشده فيتسلم عموم الاموال من هذا الفاتك الشرس .

لم تستطع الأم البارة " سعاده " ان تتحمل كل مايجري أمامها على مسرح الحياة لاسيما وانها قريبة عهد بجرح لم يندمل بعد فمرضت مرضًا شديدًا دام ثلاثة اشهر واستنزف كل ما عندها من قوى وجعلها شبحًا على عتبة الموت ، وفي ساعة من ساعات المرض الشديدة اشارت إلى ابنها الذي لم يكن يفارق فراشها بان يقترب منها ليسمع وصيتها ونصيحتها الاخيرة .

اي بني ! حضنتك ونشأتك فلم أحوجك يوما إلى احد ، ولم أكل تربيتك إلى امرأة سواي ، وكنت اتمنى ان أراك شابا مكتمل الرجولة أما وان . . . الموت . . . سوف . . . يحول . . . بيني . . . وبينك . . .

شهق فريد من شدة المصاب واجهش بالبكاء واغمى على والدته فذهب ينضح عليها الماء علها تفيق من اغماءتها ولكنها لم تسترد شعورها الا ريثما اشارت بطلب قليل من الماء وقبل ان تشرب الا قليلا منه قضت نحبها ولحقت بربها وخالقها

" لها بقية "

اشترك في نشرتنا البريدية