جولة مجملة فى شعر ابى ماضى وخصائصه
وهذا هو شاعر الحياة المتفائل يضع الصوى أمام الحائرين فى الحياة ، يضع المهيع لمن يريد أن يحيا حياة هنيئة لا يشوبها كدر مهما ادلهمت الخطوب وتكاثفت سحب الآلام المذيبة . أنه يسير على مبدئه : (( اضحك للدنيا تضحك لك )) فاذا ألمت بالانسان ساعة شجن فعليه أن يفر منها وهو يضحك لان الدنيا لا تستحق ساعة تذهب فيها نفسك عليها حسرات ولهذا حسد بعض أهل الرزانة المجانين لأن لذة العيش لهم قال شاعرهم :
هذا جنونى وهذا ما جننت به
ما لذة العيش الا للمجانين
وهذا شاعر الامل المبتسم فى محاور بينه وبين أحد المتجهمين فى : قال وقلت :
قال : السماء كئيبة وتجهما
قلت : ابتسم يكفى التجهم فى السما !
قال : الصبا ولى فقلت له : ابتسم
لن يرجع الاسف الصبا المتصرما !
قال : التى كانت سمائى فى الهوى
صارت لنفسى فى الغراب جهنما
خانت عهودى بعدها ملكتها
قلبى فكيف أطبق ان اتبسما ؟
قلت : ابتسم واطلب فلو قارنتها
لقضيت عمرك كلية متالما !
فهو بمثابة الطبيب النفسانى الذى يثبت لمريضه ان الحزن لا يجدى بل يزيد علته وان الذى يأسف على المنصرم هو ناقص العقل مشئول التفكير ، لان (( النشارة لا تنشر )) وهو يشير من حيث يدرى ولا يدرى الى قول الشاعر العربى الذى سبق صاحب كتاب (( دع القلق وابدا الحياة )) فاذا كان صاحب هذا الكتاب (( الذى انصح كل انسان بقراءته ، يقول : (( أغلق بابا دون الماضى وأوصد الآخر دون المستقبل وعش فى حدود يومك )) فن الشاعر يقول :
ما مضى فات والمؤمل غيب
ولك الساعة التى انت فيها
وهذا ما أراده ايليا فى (( ابتسم )) فصاحبه ولى صباه والصبا أغلى ما يملك الانسان ، لأن فيه كل ما يدعو للابتهاج ومنه افتتان العذارى به وهيامه اليهن ردنوهن منه ولكن صدق المتنبى اذ يقول : (( ومن عهدها ان لا يدوم لها عهد )) فهى الهناء وهى الشقاء وهى الحرباء المتقلبة فبينما هى سماء فى الهوى إذا هى جهنمه . فاذا ملكها ميتمها قلبه خانت عهوده وبحثت عن سواه ، فكيف يطيق هذا المعنى الذى يصدق عليه قول الشاعر :
إذا لاح الجمال وضعت كفى
على قلبى مخافة أن يطيرا
- أن يبتسم بعد غدر الحبيب الذى مزقت سهامه شغاف القلب !؟ ولكن ايليا يثبت أن دوام الحال من المحال فلقد بكى ايليا
وتألم ونقض قاعدته فى الحياة . وهو يثبت لهذا المتيم المحزون أن الخير كل الخير فى الابتسام فى السراء والضراء وما جدوى التألم الذى لا يأتى بشئ الا الاحتراق السريع !؟ وكما أن :
كل يغنى على ليلاه متخذا
ليلى من الأنس أم ليلى من الخشب
فهذا هو التاجر تدمى كلومه ويتفجر قلبه لكساد تجارته فهى فى صراع دائم ، هى كغادة أصابها ذلكم المرض الخبيث (( أجاركم الله جميعا منه )) المسمى بالسل فهى تنفث دما ربما خرجت انفاسها مع قطعه لهذا فصاحبها قد أناخت عليه الاوصاب وسدت أبواب الآمال أمامه ولكن ايليا ينصحه بأن (( يبتسم )) لأنه ليس بالذى جلب الداء لها ولا هو بالذى يملك الشفاء لها ، فاذا ابتسم فربما صحت وربما ماتت وفى كلا الحائين الابتسام أولى :
نعم :
قال التجارة فى صراع دائم
مثل المسافر كساد يقتله الظمأ
او غادة مسلولة محتاجة
لدم وتنفث ، كلما لهثت دما !
ايكون غيرك مبرما وتبيت فى
وجل كأنك انت صرت المجرما ؟!
(( وآية الفضل ان تعادى وتحسد )) ، واذا رأيت لانسان اعداء فاعلم انه قد ادرك شيئا من النجاح . . وهؤلاء هم الاعداء قد اقلقوا محاور ايليا بنقيقهم فتعجب كيف يسير وهم حوله :
قال : العدى حولى علت صبحاتهم
ااسير والاعداء ، حولى فى الحمى !؟
قلت : ابتسم لم يطلبوك بذمهم
لو لم تكن منهم اجل واعظما
قال : المواسم قد بدت اعلامها
وتعرضت لى فى الملابس والدمى
وعلى للاحباب فرض لازم
لكن كفى ليس تملك درهما
قلت : ابتسم يكفيك انك لم تزل
حيا ولست من الاحبة معدما
قال الليالى جرعتنى علقما
قلت : ابتسم ولئن جرعت العلقما
ولماذا !؟
فلعل غيرك ان راك مرنما
ترك الكآبة جانبا وترنما
وما أحسن هذا البيت فهو يوحى للآخرين أن يطرحوا الكآبة عندما يزورك احدهم ويراك ضاحكا جذلا . .
ثم نأتي الى هذا الاستفهام الانكارى الذى لا مغنم من التبرم فيه :
أتراك تغنم بالتبرم درهما
ام انت تخسر بالبشاشة مغنما !؟
فاضحك فان الشهب تضحك والدجى
متلاطم ، ولذا نحب الانجما
قال : البشاشة ليس تسعد كائنا
يأتى الى الدنيا ويذهب مرغما
قلت : ابتسم ما دام بينك والردى
شبر فانك بعد لن تتبسما
فاذا كانت النجوم تضحك والظلام الحندس يكتنفها وتتلألأ فى غبطة وابتهاج فلماذا أيها الانسان لأ تضحك والخطوب مدلهمة وآخذة بخناقك !؟ فاجعل نبراسك :
الابتسام ما دام بينك والردى
شبر فانك بعد لن تتبسما
فالحياة جميلة ، الحياة غادة حسناء تسبى ذوى الرزانة والاناة وتصبى الحليم . . الحياة جمال فى جمال فى جمال ، لمن نظر لها نظرة الحب والانفتاح لمباهجها ، ولمن صفت نفسه وطابت سريرته . . الحياة فيها ما يسر ويسوء ، لا شك فى ذلك . . فيها الخير والشر :
ما زالت الدنيا لنا دار أذى
ممزوجة الصفو بالوان القذى
الخير والشر بها أزواج
لذا نتاج ولذا نتاج
ولكن العاقل هو الذي يعرف ذلك فما أتاه يتقبله بصدر رحب ونفس راضية بلا ضيق ولا تبرم .
ومن يك ذا فم مر مريض
يجد مرا به الماء الزلالا
فلماذا الشكوى أيها الانسان ؟
واذا شكوت الى ابن آدم انما
تشكو الرحيم الى الذى لا يرحم
نعم : لا ننكر ان للشكوى فوائد جمة ، وأهم هذه الفوائد العلاج النفسى : ((التنفيس)) ومنها (( الأنسان اجتماعى بطبعة )) لا بد له من خليل يفضى اليه بخبيئة نفسه :
ولا بد من شكوى الى ذى مروءة
يواسيك او يسليك او يتوجع
والناس للناس من بدو وحاضرة
بعض لبعض وان لم يشعروا خدم
ولكن ما لا يجمل بالرجال ، الشكوى الذليلة التى تنغص الحياة وتقلبها جحيما لا يطاق وهذا ما يحاربه شاعر الامل شاعر الحياة ايليا فى :
أيهذا الشاكي وما بك داء
كيف تغدو اذا غدوت عليلا ؟!
إن شر النفوس فى الارض نفس
تتوقى قبل الرحيل الرحيلا
هو عبء على الحياة ثقيل
من يظن الحياة عبئا ثقيلا
فالانسان الذي يشكو وعو سليم فمين بأن تضيق به الارض بما رحبت عندما تلم به كارثة وشر الجناة وشر النفوس هم الذين يطلبون الموت قبل أوانه ويتم الرحيل قبل الرحيل المؤقت ، فالانسان المتبرم بالحياة ومن يظنها عبثا ثقيلا هو نفسه عبء تقيل ، عو مصيبة الحياة وكارثتها :
ما أتينا الى الحياة لنشقى
فأريحوا أهل العقول العقولا
ولكن متى يريح أهل العقول العقولا : اذا كانت نفوسهم لا تمتلىء بمعطيات الخير والجمال :
والذى نفسه بغير جمال
لا يرى فى الوجود شيئا جميلا
و ها هوذا يدعو دعوة خيرة لانه مصلح اجتماعى كبير ، فعلى الانسان ان يكون هزارا يتغنى بألحان الخلود وأناشيد المنى؟ وان يكون غديرا يسيل بتدفق يروى المزارع والحقول ولا يكون غراب بين وشؤم ينعى الطلولا ، ولا وعاء يقيد الماء فيه حتى يستحيل الماء فيه الى فساد وتغير ووحول :
أجل :
كن هـــــــــــزارا فى عشه يتغنى
لا غرابا فى الليل يبكى الطـــــــــــلولا
كن غديرا يسير فى الارض رقرا
قا ويسقى من جانبيه الحقولا
لا وعاء يقيد الماء حتى
تستحيل الحياة فيه وحولا
هذا هو مهيع أمير الشعر (( ان لم يك العربى كله فالمهجرى فى أضعف الايمان )) وهذه هى فلسفته فى الحياة :
(( كن جميلا ترى الوجود جميلا )) ٠٠
هذا هو الطود الشامخ والقمة التى تتهاوى من دونها القمم هذا هو (( أبو ماضى )) فى شعره البعيد عن التعقيد اللفظى والمعنوى ٠٠ هذا هو الشاعر الفذ الذى يجب أن يحفظ شعره فى طيات الفؤاد وسويداء القلوب ٠٠ هذا هو الذى يقول :
ايها السائل عنى من أنا ؟
انا كالشرق الى الشمس انتسابى
لست أشكو ان شكا غيرى النوى
غربة الاجسام ليست باغتراب
انا كالسوسن لو لم ينتقل
لم يتوج زهره راس كعاب
هذا هو شاعر الحياة والتفاؤل والجمال. ألا فلنسمعه يترنم بايمانه الذى تشربت به نفسه :
اذا انا لم اجد حقلا مريعا
خلقت الحقل من روحى وذهنى
فكادت تملا الازهار كفى
ويعبق بالشذا الفواح ردنى
