دراستنا ودراسة النشء الحاضر

Share

قال صاحبى : انى اعتقد ان البلاد ستزخر بعد زمن قصير بعدد ليس بالقليل من الشبان المثقفين واعنى بهم حملة الشهادات العالية المتخرجين من الكليات فى الخارج . وانى والله اغبطهم لدرجة قد تبلغ حد الحسد لأنهم وجدوا فى ظروف سهلت لهم سبيل التعلم فى الخارج . اما نحن فقد وجدنا فى زمان كان تعلم اللغة الاجنبية فيه يعد خروجا على الدين ، وسفر الابناء الى الخارج للتعلم أو التحدث به جريمة لا يغتفرها آباؤهم لمن تحدثه نفسه بان ينصحهم بها

اما الآن فان البعثات جار ايفادها فى كل عام الى مختلف الاقطار ، والمعاهد العلمية فى البلاد قد أخذت تسير على مناهج لا تقل عن مناهج امثالها فى الاقطار الاخرى التى بلغت شأوا قصيا فى مضمار الثقافة ! زد على ذلك ان طريقة التعليم فى الجيل الحاضر غيرها فى الجيل الذى كنا نشأنا فيه فقد كان تلاميذ المدارس منا يكلفون بالحفظ اكثر من أى شئ اخر فالفية ابن مالك وايساغوجى والجوهر المكنون وامثالها هى متون لابد من استظهارها ، ولو كان الامر مقصورا على الثلاثة المتون السالف ذكرها لهان الامر وسهل ، ولكن برنامج المدرسة يحتوى على عدة دروس أخرى فى الفقه والتوحيد والتفسير والحساب والهندسة والجغرافية والفلك والنحو والصرف والبلاغة والانشاء وغيرها من العلوم وكل هذه الفنون لابد من حفظ متونها عن ظهر غلب . والويل لمن لم تساعده ذاكرته على حفظ كل دروسه فان عصى الاستاذ فى انتظاره لا تمهمله حتى يتناول منها عددا لا يقل عن العشرين ان كان قصوره فى درس واحد ولا ينقص عن الخمسين ان كان قصوره فى عدة دروس . وهذا علاوة على الزامه بعدم الخروج من المدرسة طيلة ذلك اليوم حتى يستظهر مقصر فيه وهو واقف على قدميه دون أن يسمح له بالجلوس .

والذى يزيد الطين بلة هو ان الاستاذ مطمئن الى مشروعية عمله هذا لأن آباءنا كانوا لا يسمعون منا أى شكوى ضد المدرسة فقد كان التذمر من شدة الاستاذ بعد فى نظر آبائنا خروجا على الآداب يستوجب تقمتهم التى لا تقل فى شدتها عن شدة الاستاذ . قال صاحبي ولكن هذه الطريقة لا تجدى فى التعليم وهى غير مضمونة النتيجة . قلت كلا ! فان الواحد منا كان لا يفكر الا فى استظهار دروسه تحدوه الى ذلك الرغبة فى الحفظ والرهبة من عصى الاستاذ . ومع ان طريقة التعليم هذه تختلف مع المألوف الآن فان مدرسة ذلك الجيل قد خرجت كثيرا من التلاميد كان منهم العلماء والرؤساء والموظفون والمعلمون .. قال صاحبى : ولكنك فى أول حديثك قد اعجبت بالمدرسة الحاضرة وطريقة التعليم فيها والنشاط الثقافى فى البلاد بصفة عامة ؟ ! قلت : بلى ولازلت أقول ان هذه الطريقة هى خير من سابقتها . ولكن الذى لم أهضمه ولم افقه له معنى . هو تعيين المتخرجين من المعاهد والكليات الخارجية فى غير الاختصاص الذين قضوا سنى حياتهم الدراسية فى تعلمه والتخصص فيه ؟ ! ... قال لعل لذلك حمة يفهمها ذوو الاختصاص قلت : ربما ! ولكن هناك أيضا شيئا آخر لم أستطع ازدراده ؟ . قال :

وما هو ؟ قلت : انى الاحظ ان بعض المتخرجين من البعثات الخارجية الذين عادوا حاملين ما يسمونه البكالوريا أو الليسانس قد نسوا حجازيتهم وعروبتهم وبيئتهم ووسطهم حتى لغتهم فلم يتورعوا أن ينظروا الى زملائهم السابقين شزرا وان يتناسوا صحبتهم القديمة . فهم يقابلونهم ببرود المدل الشامخ كانهم قد بلغوا الجوزاء أو نالوا ما لا تصل اليه يد غيرهم ، واذا تكرموا بمخاطبتك فانك لا تكاد ( وانت ابن جلدتهم ) ان تفهم مما يقصدونه الا ما تترجم عنه الاشارة الطبيعية أما الاصوات التى تخرج من حناجرهم وتجرى على السنتهم فانها خليط من كلمات افرنسية وانكليزية ومصرية فهل تظن ان البلاد ستنال ما ترجوه من الخير على يد امثال هؤلاء المغرورين ؟ قال : قد يكون ذلك وقد لا يكون ولكن الذى اعتقده ان فورة ذلك التفريج فى المظهر والتذبذب فى الاخلاق والعادات لا تلبث حتى تتلاشى بفضل تأثير البيئة والمجتمع . قلت : انى ارجو لهؤلاء وامثالهم الخير وارجو ان يعلم أبناؤنا وهم رجال الغد ان لوطنهم وقوميتهم ومجتمعهم حقا عليهم ؛ فليعملوا على ما فيه خير البلاد واسعادها .                                                                         ٤٦٧

اشترك في نشرتنا البريدية