دروس الحياة

Share

إذا فكر الانسان فى هذا الكون يجده كخيمة عظيمة نصبت ، ولكنها ليست كالخيام ، انها بغير عمد وهي متحركة مع عظمتها ، وسعتها فوق ما يتصور الانسان ، وهى مرصعة بفصوص النجوم وقد أضيئت بسراج الشمس ونور القمر , فى نهارها وليلها ، ووضعت فى فضائها قطعة عليها بحار متموجة وأنهار جارية وأودية محضرة وأشجار مورقة وأقوات معدة .

واذا تأمل الانسان فى ساكن هذه الخيمة العظيمة يجده (( الحياة )) فهى مستقرة فيها وكأنها مديرة (( جامعة )) قد اجتمعت فى صحتها صفوف من أهلها أقربها واعلاها الانسان الممتاز بالعقل والعواطف وجاء وقت الدرس الاول فقام (( نوح )) عليه السلام واستنفذت حصة درسه تسعة قرون ونصف قرن ، ففهم الحاضرون في النتيجة ان (( مالك هذه الخيمة قادر على أن يحدث بحرا على اليبس ، ويجري فى هذا البحر الفلك ، ويغرق من كان مطمئنا ؛ ثم جاءت حصة (( هود )) عليه السلام ، فجاء (( مالك )) هذه الخيمة بريح عاصف ؛ لا تقي منها الكمامات ؛ فلم تبق ولم تذر . ثم قام (( صالح )) عليه السلام فالقى درسه وانتهى باحداث (( مالك )) هذه الخيمة صيحة أهلكت ألوف البشر وهم فى بيوت منحوتة في صم الجبال ، فاعتبر الناس بعظمة القدرة الالهية . ثم قام ( موسى ) عليه السلام وألقى حصته من دروس الحياة ؛ وأخيرا أشار إلى

بحر طام فانفلق عن شوارع وطرقات واسعة منظمة يحول بينها سلسلة جبال من أطواد الماء الواقف بقدرة الله ، فسلكها قوم فسلموا وسلكها آخرون فاغرقوا , ففهم الناس من هذا الدرس العظيم ان (( مالك )) هذه الخيمة بيده ان يزحزح مياه البحار . ثم جاء (( عيسى )) عليه السلام بدرس حير الناظرين فقد داوى الزمنى وبصر العمي وأحيى الموتى ، وكل ذلك بارادة (( مالك )) هذه الخيمة العظيم . ثم جاءت حادثة الفيل مقدمة لما بعدها : طائرات لا تنذر الآلة الحساسة بدنو هجومها ولا تخطيء قنابلها الفتاكة ما ترميه من الاهداف . وجاء (( خاتم الرسل )) .

صل الله عليه وسلم بدرس جوامع الكلم فجمع به ملايين القلوب كجمعها للمعانى ، وأعلن أكيدا بان (( المالك )) سبحانه وتعالى سيبدل هذه الحياة الزائلة الناقصة بحياة أخري . خالدة كاملة ، فاتجه بعض الدارسين الى الاستعداد لتلك الحياة الابدية التي فيها السعادة بمعناها ورضى آخرون واقتنعوا بهذه الحياة التى تتلخص فى اللعب واللهو والزينة ( ١ ) والتفاخر بين الناس والتكاثر فى الاموال والاولاد ، فتادوا فيها وازداد التكاثر فى الاموال والنفوس حتى وقعت (( الحرب العظمى )) الاخيرة فاخذت كل أمة منها درسها ، وعادت الامم الى التمادى فى التكاثر إزديادا بالغا ، وأقدم بعض الامم على السعي وراء الوصول الى الغاية فى هذا التمادى وكانما نسوا (( دروس الحياة )) فانهم مهما بلغوا من القوة والاستعداد لن يستطيعوا ان يحيلوا جو اعدائهم الى ماء منهمر فيغرقوهم ؛ ولن يسيطروا على الريح لتهلك خصومهم ولن يوجدوا صيحة تبيدهم ، ولن يفرقوا مياه البحار لتغرق أساطيلهم ، ولن يحيوا قتلاهم فيأمنوا النقص فى الانفس ؛ ولن يسمعوا نداءهم للعالم فتميل قلوبهم اليهم ، فليعترف الانسان بالعجز وليعلم ان مدى نفوذه محدود فى هذه الحياة ، كما قررته له (( دروس الحياة ))                                    المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية