بيب كان اثر عقد زواج شكسبير فى نفسه اثر الرصاصة تنطلق من فوهة البندقية فتصيب الهدف
لم يكن احد يعيره اى اهتمام فى حياته وحتى بعد مضي مدة سنة على وفاته لم يكن قد عرفه العالم تماما ، ومع ذلك فقد كتبت عنه مئات المقالات واثارت تلك المقالات عددا من التعليقات لم تثر مثلها عن حياة اى كاتب من كتاب ذلك العصر افني حياته بين القرطاس والقلم حتى لقد اصبح آلاف من الناس يقصدون انكلترا ليزوروا البلد الذي ولد فيه هذا الاديب وانا نفسي زرت مرة البلد الذي ولد ونشأ فيه شكسبير عام ١٩٥١ وكان يحلو لي ان اجوب تلك الضواحي مبتدئا من ستارت فورد ومنتهيا بسلاتري واطئا باقدامى المواطن والحقول التى كان يجوبها شكسبير بتلهف عند ما كان شابا ريفيا غرا وكان يقوده غرامه وتحثه رجلاه الى موعد الغرام الذي كان يعز عليه فوات فرصة مع حبيبة القلب . انا هاتواي . .
ولم يكن يدور بخلد وليم شكسبير في ذلك الوقت ان اسمه سوف يدوي في هذا العالم وان ادبه سوف يبني مجد الفكر الادبي وبخلد في صفحات الأداب العالمية بالفخر والاعتزاز .
ومن حسن الحظ ايضا انه لم يكن ليتخيل ان غرامه الاول الملتهب سينتهى الى الحزن والالم ثم الى سنين متواصلة من الحسرة والندم . . فليس من شك ان خيبة امل شكسبير فى زواجه كان الحدث الذي هزه بعنف وحول مجرى حياته الى مجهود ادبي جبار . نعم انه احب انا هاتواى حبا جنونيا ولكن هذا الحب لم يلبث بعد ان اخذ فورته ان خبا واحس شكسبير بانجذابه نحو فتاة اخرى . .
وعند ما علمت أنا هاتواى بعزمه على تركها والزواج بفتاة اخرى جن جنونها وفي
يأس قاتل راحت تقتحم بيوت جيرانها فى البلدة لتقص عليهم قصتها وهي تبكى وتشرح فى استحياء الاسباب التى توجب على شكسبير ان يتزوجها .
واثارت قصتها شهامة جيرانها واستيقظت فى نفوس هؤلاء الناس العزة والكرامة واغضبتهم تلك الحيدة الخلقية من الفتى فاندفعوا فى حماس واصرار نحو المدينة والزموا شكسبير ان يصلح غلطه ويتزوج بفتاته آناهاتواي
كانت عروس شكسبير تكبره بثماني سنوات وكان هذا الزواج من بدايته زواجا بائسا وقصة مضحكة وكان شكسبير فى مواقفه على المسرح ينصح دائما بعدم الزواج من فتاة اكبر سنا .
ومن المؤكد انه لم يعيش مع زوجته سوى فترة قصيرة وامضى سنى حياته فى لندن بعيدا عنها وكان لا يزور عائلته سوى مرة واحدة فى العام . .
ان سترافور - مدينة شكسبير - في عصرنا هذا مدينة من اجمل مدن انكلترا اكواخ جميلة مسقفة بالقش وحدائق انيقة وشوارع متعرجة فى شكل هندسي بديع
اما في العصر الذي كان يعيش فيها شكسبير فكانت بلدة قذرة يخيم عليها الفقر وتغزوها الامراض ، لم تكن بها مجار وكانت الخنازير تسير فى شوارعها تلتهم الفضلات وتلوث الشوارع - ووالد شكسبير - وكان من الرجال الرسميين - جوزى مرة بغرامة لانه كان يحتفظ امام داره بفضلات الاسطبل
اننا هنا في امريكا نظن ان اسلافنا قد
عاشوا اياما شديدة قاسية ولكن الحقيقة ان نصف سكان ستراد فور فى عصر شكسبير كانوا يعيشون على الاحسان وكانوا اميين ، ولم يكن فى عائلة شكسبير من يقرأ او يكتب لا ابواه ولا امه ولا جده ولا جدته وحتى ولا احفادهم
ان الرجل الذى اختاره القدر ليبني مجد انكلترا الادبي اضطر الى ترك المدرسة ليعمل وهو فى الثالثة عشرة من عمره كان والده فلاحا وصانع قفازات وكان على شكسبير ان يقص شعر الاغنام ويحلب الابقار ويخض الزبد ويساعد فى دبغ الجلود وتنعيمها
لكنه عند ما توفي كان يعتبر من اثرياء عصره فقد جمع بعد سنين قليلة من وصوله الى لندن مبلغا كبيرا من عمله كممثل واشترى اسهما فى اكثر من مسرح واقتني العقار واقرض المال بالفوائد الكبيرة وكان يقدر دخله بثلاثمائة جنيه فى العام وكانت الثلاثمائة جنيه فى ذلك الوقت تساوى اضعاف قيمتها الآن وعند ما بلغ شكسبير الخامسة والأربعين من عمره كان يقدر دخله بعشرين الف دولار فى العام
وانه لتأخذك الدهشة عند ما تعلم المقدار الذى وصى به شكسبير لزوجته من ثروته الكبيرة هذه - انه لم يوص لها حتى ولو بسنت واحد وكل الذي وصى لها به سرير نومه المستعمل ولم تكن هذه التوصية الا حاشية كتبت بين سطور الوصية بعد تمام انجاز كتابتها .
ان كتب شكسبير لم توزع في صورة كتب الا بعد وفاته بسبع سنوات ويمكنك الآن إذا كنت من عشاق ادب شكسبير ان تتحصل على نسخة من الطبعة الاولى من كتب شكسبير فى نيويورك بحوالى ربع مليون دولار
ومن المؤكد ان شكسبير لم يتحصل فى حياته على جزء من مثل هذا المبلغ عند عرضه لافضل رواياته مثل هملت او احلام ليالي الصيف .
وقد سالت الدكتور نانتى بام الشخص الذي عني بمخلفات شكسبير الادبية وكتب عنه عدة بحوث - سألته عما إذا كان قد ثبت من التحقيقات التاريخية وجود شخصية شكسبير فاجاب : ان شخصية شكسبير شخصية ثابتة فى تاريخ انكلترا ثبوت شخصية الرئيس لنكن في تاريخ امريكا .
ومع ذلك فان هناك كثيرا من الناس يعتقدون ان شخصية شكسبير شخصية خرافية وان كثيرا من الكتب التى طبعت باسمه كتبها كتاب آخرون نسبوها اليه .
وعند ما زرت بلدة شكسبير كثيرا ما كنت اقف على قبر شكسبير اتأمل الابيات الشعرية المنحوتة على شاهد القبر :
ايها الرفيق الطيب بربك ترفق
فلا تنبش تراب هذا القبر
غفر الله لك ، لا تحرك هذه الاحجار
واللعنة على كل من يحاول تحريك
عظامي من موضعها . .
ان قبر شكسبير يقع في بقعة امام المنبر في كنيسة القرية الصغيرة . .
هل كان اختيار هذه البقعة المميزة لقبر هذا الاديب الانكليزى الكبير تكريما واجلالا لمكانته الادبية المرموقة وتقديرا لادبه الحي الذي لا زال بجدته رغم مر القرون ؟ ! . . كلا ! فان الاديب الذي اختاره القدر ليكون نجماساطعا في سماء الأدب الانكليزي لم يمنح هذا المقام ليدفن فيه لمكانته الادبية الخالدة بل لانه كان ساعد فى اقراض المال لمشروعات بلده ، ولولا تلك اللمحة فى حياته لكان قبر هذا الاديب الكبير ضائعا اليوم بين القبور الكثيرة المجهولة ؟ !
