الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

دنيا العلوم والفنون، مشاهدة البحر، من الفضاء الخارجى

Share

عقب المؤتمرين الدوليين الاول والثاني لعلم المحيطات المتعقدين على التوالي في نيويورك عام ١٩٥٩ ، عقد اجتماع مشترك لعلم المحيطات بطوكيو في أواخر عام ١٩٧٠ لبحث احدث التطورات في هذا العلم المتعدد الجوانب والذي يحذب الى البحار علماء البيولوجيا والجيولوجيا والجيوفيزيقاو والفيزياء .

ان ارشميدس هو الذى قال ان بوسعه أن يحرك الارض برافعة لو وجد مكانا يقف عليه . ولو وجد عالم البحار الحديث مكانا يقف عليه لتمكن من قياس المحيط المتحرك .

واذا تحدثنا مجازا ، فهذا بالضبط ما يأمل أن يحققه في السنوات القليلة القادمة الدكتور وملبامز فون أركس من معهد وودز هول لعلم المحيطات بالولايات المتحدة . فهو يعتزم قياس المستوى الحالي لسطح البحر وتغيراته صعودا وهبوطا لاقرب متر ، وذلك من نقطة ثابتة في الفضاء الخارجي ، أى من تابع اصطناعي يحمل مقياسا للارتفاع يعمل على الرادار ويدور على بعد مائتي كيلومتر تقريبا عن الارض .

وقد تحدث فون أركس عن مشروعه في الاجتماع المشترك لعلم المحيطات الذى انعقد اخيرا في طوكيو وحظيت فيه الاساليب الجديدة لدراسة المحيطات بقسط كبير من الاهتمام . وفي الاجتماع روى عالم آخر من علماء  المحيطات هو البرفسور والتر ه . مانك من معهد الجيوفيزيقا وفيزياء الكواكب في لاجولا بكاليفورنيا ، كيف اكتشف هو وزملاؤه في وسط المحيطات تقلبات في المد والجزر لا يزيد تأثيرها على مستوى البحر على بضعة مليمترات . ولا يسجل جهازهم القياسات من القضاء بل من قاع البحر وعلى عمق ٦ كم . ( ويطلق

مالك على ذلك " علم المحيطات من القاع الى السطح " .

ويواجه العالمان المذكوران مشكلة كبقية دراسة شئ متحرك بحجم المحيط . فمن المحتمل جدا أن يفشل عمل كهذا يباشر فوق سفينة تتقاذفها الامواج اذ أن القائم بالملاحظة قد يتحرك أكثر من الشئ موضع المراقبة . وحتى عن اليابسة لا يسهل اكتشاف التغييرات الطويلة الامد في مستوى سطح البحر ، لأن ثمة احتمالا كبيرة بأن تكون الارض هي التي ترتفع أو تنخفض أكثر من البحر .

فالتابع الاصطناعي بالنسبة لعالم مثل فون أركس هو هبة حقيقية من السماء . وقد صنع في مختبره منذ عدة سنوات نماذج تجريبية للمحيطات بحيث يستطيع رؤيتها في لمحة واحدة ، وها هو التابع يؤدى هذه المهمة بالنسبة للمحيطات بحجمها الطبيعي .

والسفينة لا تجوب في اليوم الواحد سوى جزء ضئيل من المحيط ، بينها يستطيع التابع الاصطناعي ان يطل مرتين في اليوم على محيطات العالم بأسرها : ما فيها الاجزاء التي لم يشهدها انسان من قبل ، ثم ينقل صورا الى الارض بطريقة تلقائية .

ويرى فون أركس في هذه التوابع الكاشفة امكانات لا حد لها : فهي تستطيع أن ترقب سير العوامات التي

تطلقها السفن او الطائرات وسط تيار بحرى ، وتستطيع قياس حرارة سطح البحر او درجة اضطرابه ، كما تستطيع أن تكتشف استنادا الى لون البحر مواطن تكاثف الحياة فيه .

وهو يعتزم في عمله استخدام مقياس الارتفاع الذى يعمل على الرادار في الفضاء الخارجي كشريط للقياس . وهو دقيق لاقرب خمسة امتار ويستطيع تقديم معلومات تفصيلية عن شكل الارض لعلماء الجبوديسيا . وهو يعتقد انه يمكن الان اجراء قياسات دقيقة لاقرب متر وتساعد هذه القياسات علماء البحار على دراسة الامواج في البحار المفتوحة ، أو هبوب العواصف ، أو التيارات الكبرى ( مثال ذلك من الجانب الايمن " لتيار الخليج " أعلى مترا من جانبه الايسر بسبب دوران الارض ) .

ويعتقد فون أركس ان بوسعه ، عندما تصبح بيانات التابع دقيقة لاقرب سنتيمتر أن يكتشف التغييرات الطفيفة في مستوى البحر تحت تأثير الضغط الجوى . فكل تغيير قدره ملليار واحد يؤدى الى ارتفاع أو انخفاض قدره ملليمتر واحد فى سطح البحر بحيث يلعب هذا الاخير دور البارومتر المقلوب " على حد قوله .

وقد حدد عام ١٩٧٢ لاجراء اول تجربة اوقيانوغرافية بمقياس الارتفاع الذى يعمل على الرادار ، حيث ستطلق وكالة الملاحة الفضائية الامريكية تابعا جيوديسيا يطلق عليه اسم " جبوسى - جـ . وقد لاحظ فون أركس ان التابع الاصطناعي يستطيع ايضا مسح المحيط لجمع البيانات بالاتصال بالعوامات الثابتة والتقاط نتائج تحرياتها ثم ايصال المعلومات الى مختبرات ارضية . وتستخدم هذه العوامات على نطاق يزداد اتساعا في عدد متزايد من البلاد حسب ما جاء في التقارير التى عرضت على مؤتمر طوكيو .

ومن ابلغ الامثلة على ذلك " تجربة المضلع " التي اجراها الاتحاد السوفيتي في المدة من مارس / اذار الى سبتمبر / ايلول ١٩٧٠ في الاطلسي الاستوائي . وقد دللى عضو الاكاديمية ل . م . بريخورسكبخ كبير العلماء

المشرف على التجربة ببعض البيانات التفصيلية عنها في الاجتماع .

وكانت التجربة تستهدف دراسة التيارات على مسافات تتراوح بين ١٠ سنتيمترات و ٥٠ كيلو مترا وخلال فترات تتراوح بين بضع ثوان وثلاثة أشهر . وقد اقيمت ١٧ محطة عائمة وجهزت كل منها بعشرة مقاييس للتيارات على اعماق تتراوح بين ٥ و ٢٠٠٠ متر وبميزانين للحرارة . وكانت الاجهزة تقوم بالقياسات كل نصف ساعة .

وتولت خدمة الشبكة ست سفن عملت بين  محطة خلال خمسة اشهر كما اجريت تجارب على امتداد الصوت في البحار على مسافة تتراوح بين كيلومتر و ٧٠٠ كم .

وشرح بريخورسكبخ كيف اختار " الموقع البسيط " المتميز بالتيارات الثابتة والرياح الخفيفة كمنطقة مثل لاجراء التجربة . غير انه اتضح ان التيار السطحي كان عكس ها توقعه العلماء ، وتساءل العالم السوفيتى قائلا : " من يدري ان كان ثمة منطقة مثلى في المحيطات ؟ "

وقال مدير معهد علم المحيطات بأكاديمية العلوم السوفيتية : ان اختيار " المضلع " قصد به أن يكون نموذجا لشبكة من العواءات ثابتة تقام مستقبلا ويمكن دمجها في الشبكة العالمية المتكاملة لمحطات المحيطات التي تتولى انشاءها الان اللجنة الدولية الحكومية لعلم المحيطات .

وقد اجرى اخيرا معهد فورمبريسكوند بجامعة كيل تجربة مماثلة في بحر النرويج حيث أقيمت ست عوامات ثابتة في شكل صليبي وابقيت ستة أسابيع . وقال عالم البحار الالماني البرفسور جبرولد سيدلر ان معدل استرداد العوامات قد تحسن كثيرا عن ذى قبل حيث كان ٦٠ % فقط .

وفي شمال الاطلسي حيث يجرى معهد وه : عول لعلم المحيطات دراسات طويلة الامد عن كيفية تغير

التيارات البحرية . وضعت اربعون عوامة لمدة تزيد على ١٨ شهرا ولم تفقد منها سوى واحدة . وقد اتفق علماء البحار من جميع البلاد في اجتماع طوكيو على أن الخطر الاكبر الذى تتعرض له عواماتهم ليس الطقس أو عضات الاسماك بل الانسان نفسه بدافع الفضول او السرقة .

وليس هناك خطر . من ان تسرق الاجهزة التى وضعها والتر مانك وزميله الدكتور فرانك سنوجراس في قاع البحر على عمق ٦ كم لقياس حركات المد والجزر في اعالى المحيطات . فهي تغوص في المياه داخل قمرات خاصة وضع سنودجراس تصميمها وتستجيب لاشارات السفن العائمة على السطح .

وفي هذا الصدد ايضا تلقي المجتمعون في طوكيو انباء سارة فبعد اعمال استمرت ما يقرب من خمس سنوات لتحسين قمرة تعمر شهرا في الاعماق السحيقة بقاع البحار ، بعمل مانك وسنودجراس حاليا على صنع جهاز

يعمل تلقائيا مدة سنة - وقد اوضح مانك ان امكن تسجينه في قاع المحيط بوسطة هذه الاجهزة من بيانات عن المد والجزر يفوق كل جمع من بيانات على اليابسة ( حيث تشوه حركة المد ولجزر بفعل الرف القاوي ) . وهو يريد الان تصميم المقصورة بحيث تسجل تغيرات التيارات والحرارة على مدار السنة .

وتطلع مانك الى المستقبل فتنبأ بأن علماء المحيطات سوف يعيرون أهتماما متزايدا لقياس هذه التغيرات الطويلة الامد على نطاق ضبق . وكلما ازدادت دقة الاجهزة ازداد اهتمام العلماء ببيانات ادق عن تكوين البحار على عمق لا يتضمن سنتيمترا واحدا احيانا ، بينما يمضي غيرهم ممن يعنون بدراسة مناطق شاسعة من الحيطات في قياس مئات الاميال المربعة بوساطة شبكات العوامات او بآلة تصوير مثبتة في تابع اصطناعي بقصد رؤية العالم بأسره في لمحة واحدة .

اشترك في نشرتنا البريدية