لقد صرح مولانا صاحب الجلالة الملك المعظم فى عدة مناسبات وطمأن شعبه الكريم بأن بابه مفتوح لسماع شكوى كل مظلوم ، وأن القوي عنده ضعيف حتى يأخذ الحق منه والضعيف عنده قوي حتى يأخذ له حقه تماشيا مع العدل والإصلاح حتى يزداد أمن أفراد شعبه على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ولقد اولى جلالته حفظه الله عنايته الفائقة ورعايته السامية منذ توليته مقاليد الأمور التمسك والاعتصام بكتاب الله والاهتداء بهدى الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه والسير على ما كان عليه الخلفاء الراشدون والسلف الصالح فى جميع أقواله وأعماله ، ولقد رأى حفظه الله ان من قواعد الملك تأسيس ديوان خاص اسماه ( ديوان المظالم ) كما جاء فى الخطاب الملكى التاريخي الكريم الذى ألقى فى حفلة افتتاح الدورة الأولى لمجلس الوزراء والذي رسم فيه جلالته سياسته الداخلية والخارجية للبلاد وسيحيل جلالته الى هذا الديوان كل شكوى او ظلامة ترفع لجلالته للتحقيق فيها وإنصاف المظلوم.
واذا عدنا وتصفحنا التاريخ نجد ان النبى صلى الله عليه وسلم قد نظر فى المظالم فى الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوام ورجل من الأنصار وحضره صلى الله عليه وسلم بنفسه .
وتفصيل ذلك ان رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند الرسول صلى الله عليه وسلم فى شراج الحرة التى يسقون فيها النخل فقال الأنصاري : سرح الماء يمر بى : فأبى عليه الزبير ولما سمع النبى صلى الله عليه وسلم كلام كل منهما قال للزبير : " اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك ؟ فغضب الأنصاري وقال : أن كان ابن عمتك يا رسول الله ؟ فتلون
وجه النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال " اسق يا زبير تم احبس الماء حتى يرجع الى الجدر " فقال الزبير : " و الله انى لأحسب هذه الآية نزلت فى ذلك ( فلا وربك لا يؤمنون . حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ).
وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عروة بن عبد الله بن الزبير. ولم ينتدب الخلفاء الأربعة احدا للمظالم فى ومنهم لأنهم كانوا فى الصدر الأول من الإسلام وظهور الدين بين عليهم يقود الناس الى التناصف من بعضهم والى عدم الطمع فى هضم الحقوق . . اماما كان يحدث بينهم من المنازعات والتشاجر فقد اقتصر فى الفصل فيها على حكم القضاء الشرعى . ثم انتشر الأمر بعد ذلك حتى تجاهر الناس بالظلم وكان عبد الملك بن مروان أول من أفرد للظلامات يوما معلوما وكان عمر بن عبد العزيز اول من ندب نفسه للمظالم وانه قد رد مظالم بني أمية على أهلها وشدد عليهم فيها وأغلظ حتى قيل له : ( إنا نخاف عليك العواقب من ردها فقال : كل يوم اتقيته وأخافه دون يوم القيامة لا وقيته ) .
وكان اول من جلس من خلفاء بني العباس للمظالم المهدى ثم الهادي ثم الرشيد ثم المأمون وآخر من جلس لها منهم المهتدي.
وكانت قريش فى الجاهلية حين كثر فيهم الزعماء وانتشرت فيهم الرياسة وشاهدوا من التغالب والتجاذب ما لم يصدهم عنه سلطان قادر على رد المظالم وهو حلف الفضول المشهور الذى حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى العشرين من عمره وهو الذي قال عنه صلوات الله وسلامه عليه : " لقد شهدت حلف الفضول فى دار عبد الله بن جدعان وما احب ان لي به حمر النعم وإني كنت نقضته ولو دعيت اليه فى الإسلام لأجبت ".
ولقد تتبع صاحب الجلالة الملك سعود المعظم خطى والده الملك عبد العزيز رحمه الله فى السياسة العادلة على اساس تحكيم الشريعة فى كل صغيرة وكبيرة.
ولم يقصد من تأسيس ديوان المظالم الا زيادة فى اقامة العدل بين افراد شعبه بما يكفل لهم تحقيق مصالحهم التي ضمنها لهم الإسلام ورفع الضرر عنهم وهذا الديوان يعتبر بحق من أهم الدعائم الثابتة والقواعد الكلية التى يبنى عليها تنظيم الشؤون العامة .
ولقد قرر المولى سبحانه وتعالى العدل فى قوله جل شأنه ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) والشورى فى قوله تعالى : ( وشاورهم فى الأمر ) والمساواة فى قوله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة ).
أما ما عدا هذه القواعد الثلاث فقد تركت ليتسع لأولى الأمر ان يضعوا نظمهم ويشكلوا حكومتهم ويكونوا مجالسهم بما يلائم مصالحهم على أن لا يكون فى ذلك ما يخرجهم عن حدود العدل والمساواة ، ولم يحدد القرآن الكريم عقوبات الإجرام . إلا لخمس فئات من المجرمين هم :
١ - الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا ٢ - والذين يقتلون النفس بغير حق ٣ - والذين يرمون المحصنات الغافلات ٤ - والزانية والزاني ٥ - والسارق والسارقة
أما بقية الجرائم من جنايات وجنح ومخالفات فقد ترك لأولى الأمر ان يقدروا عقوباتها بما يرونه كفيلا بصيانة وإقرار الطمأنينة وردع المجرم ليعتبر غيره وقد ارشد الله سبحانه وتعالى عباده الى اصل عام لا تختلف فيه الأمم الإسلامية وهو ان تكون العقوبة على قدر الجريمة فقال عز من قائل : ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) وقال : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) وفى . هذا تمهيد لولاة الأمور من المسلمين ان يقرأوا العقوبات بما يلائم حال كل أمة ويوصل الى الغرض من العقوبة وقد يختلف تقدير العقوبة باختلاف الأمم والبيئات والأزمان.
" وديوان المظالم الذي نحن بصدده ، من حقه ان ينظر فى كل قضية وفى كل شكوى تحال اليه سواء كانت هذه الشكوى ضد دائرة من الإدارات الحكومية او موظف من موظفى الدولة او فرد من افراد الشعب بما يتطلبه التحقيق والبحث عن الحقيقة وسيتخذ الإجراءات الفعالة لجمع الأدلة التى تثبت الحقيقة فى أى حادث او أي أمر من الأمور حتى يتمحص الحق من الباطل ، والرشد من الغي . ويأخذ كل ذى حق حقه بوجه العدالة والمساواة.
حقق الله الآمال وهدانا الى طريق الحق وأرشدنا الى سبيل الرشاد.

