الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

ذكرى، و، تاريخ

Share

استعراض سيرة عطرة لرجل من رجالاتنا العصاميين الراحلين     " المنهل "

الذكريات صدى السنين الحاكى كما قال شوقى رحمه الله . والتاريخ سجل الحقائق الصادقة بالنسبة للامم والرجال ومن واجب حملة الاقلام ان يدونوا وينشروا ما يعرفونه من المعلومات التى تمت بصلة لتاريخ بلادهم ورجالها .

وهذه سيرة رجل من نجد أصلا ، قضى معظم حياته فى مكة المكرمة . عرفته وعرفه كثيرون من الناس . وكان موضع تقدير كل من عرفه ، لما كان يتصف به من المروءة وعزة النفس وحب الخير واسداء المعروف بدون تظاهر أو جلبة . انه المرحوم الشيخ محمد بن حمد العييدى المولود فى مدينة الزبير فى عام ١٣١٢ هـ لاسرة نجدية هاجرت من مدينة عنيزة بالقصيم بعد أن قتل عميدها محمد جد الرجل الذى نتكلم

عنه وذلك فى المعركة الحربية المعروفة لدى أهل نجد بوقعة المطر فى سنة ١٢٧٩ هـ فانتقل أبناء تلك الاسرة من موطنهم الاصلى ( عنيزة ) الى أنحاء أخرى من جزيرة العرب . وقد ذكر المرحوم السيد محمود شكرى الالوسى فى كتابه ( تاريخ نجد ) فى الصفحة ٨٩ .

ان فخذ ( العيادى ) الذين منهم تلك الاسرة يرجع الى قبيلة قحطان . وقد توزعوا في ربوع نجد ما عدا ابنا واحدا هو المعروف باسم ( حمد ) فقد رحل الى الحجاز ومنها الى مدينة البصرة بالعراق ثم سكن مدينة الزبير وعمل بالتجارة ونمت احواله ثم عاد فيما بعد الى مسقط رأسه مدينة عنيزة وتزوج من اسرة معروفة تمت بصلة القرابة لأسرته في الرحم وتعرف تلك الاسرة

بآل حمود وتنتسب الى فخذ من قبيلة هذيل الحجازية وما زال ذلك الفخذ باقيا فى موطنه جنوب عرفات اسفل جبل كرى . ثم عاد حمد ومعه زوجته واخوه الاصغر حسين الى مدينة الزبير وعاش فيها الى أن توفاه الله تاركا ابنا واحدا هو الذى أسماه ( محمدا ) تيمنا باسم ابيه المقتول الذى ألمحنا اليه . وبقى محمد بن حمد العييدى فى رعاية عمه حسين - والد اللواء المتقاعد فهد الحسين العييدى - حتى عاد مع والدته

واحد أخواله الى مدينة عنيزة وكان فتى يافعا وقد تلقى تعليمه الاولى اثناء اقامته في الزبير . ولم تطل اقامته فى عنيزة فقد حضر الى عنيزة أحد أعمامه المسمى عمر فصحبه معه الى بلدة الخرمة ولم يطب له المقام فيها اذ كانت الخرمة عرضة للغارات والغزوات من القبائل والعشائر المجاورة فتركها الى بلدة تربة وعمل كاتبا لدى التاجر النجدى المشهور المرحوم حمد الطعيمى الذى قتل فيما بعد اثناء غزوة الشريف عبدالله بن

الحسين في بلدة تربة عام ١٣٣٧ هـ فترك محمدا تربة وسافر الى مكة المكرمة وهو مكتمل الرجولة والتحق بالعمل كاتبا لدى المرحوم الشيخ عبد العزيز المحمد النفيسى النجدى من كبار تجار مكة والذى كان على اتصال بموحد الجزيرة العربية ولام - بتشديد الميم - شعثها المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود وكان يرسل اليه من مكة المصاحف والطيب وشموع الاضاءة وغير ذلك حسب طلب جلالته أى

قبل ان يجرى الخلاف بينه وبين الشريف حسين بن على حاكم مكة المكرمة الذى قطع فيما بعد المسابلة فيما بين نجد والحجاز . ثم انتقل محمد من خدمة عبد العزيز النفيسى

وفتح مكتبا تجاريا بمفرده بعد ان تزوج بمكة من اسرة آل صنيع المعروفة فى نجد وقد نزح افراد منها الى الحجاز وسكنوا مكة وجدة . وآل صنيع فخذ من قبيلة يام ومنهم كل من المرحوم الشيخ ابراهيم الحمد الصنيع التاجر المعروف فى جدة والمرحوم الشيخ سليمان العبدالرحمن الصنيع عضو مجلس الشورى وامين مكتبة الحرم المكى سابقا وصاحب المكتبة الخاصة الشهيرة بمكة المكرمة رحمه الله .

ولنعد الى مجرى الاحداث بعد ان شطح بنا القلم - والشئ بالشئ يذكر - فما ان حلت سنة ١٣٣٨ هـ الا والخلاف على أشده بين الحسين وابو سعود فى نجد فمنع الحسين الحجاج النجديين بعد ان قطع السابلة وأخذ يتحرى عمن له اتصال أو قرابة من النجديين المقيمين بمكة وغيرها وكان له جاسوس وشى بالكثيرين من الناس منهم عبد العزيز النفيسى وعبدالله الجفالى وسليمان الطجل ومحمد العييدى وغيرهم كثيرون فادخلوا السجن . وتجدر الاشارة الى أن أبناء أعمام الشيخ محمد العييدى

قاتلوا في العديد من المعارك التى كان يوجهها الملك عبد العزيز آل سعود لتوحيد الجزيرة العربية . ومنهم محمد العمر العييدى وعلى الصالح العييدى اللذان اشتركا في أغلب المعارك مثل معركة تربة والطائف وحصار جدة والادارسة وحرب السبلة وابن رفادة واليمن . كذلك عمر الصالح العييدى الذى قتل فى المعارك التى وقعت بين الدولة السعودية والمتوكلية اليمنية وسالم العييدى الذى عين عاملا على بعض قرى منطقة جازان .

ولما كان أبناء أعمام محمد العييدى يقاتلون مع الشريف خالد بن لؤي الذى سبق له التمرد على الحسين فقد لاقى محمد من جراء ذلك الأمرين أثناء سجنه في عهد الحسين ، ورغم أن الحسين أطلق فيما بعد بعض المسجونين الا أن محمد العييدى بقي رهن السجن ، كما أن أمواله سحبت كغيره من التجار بالضرائب الفادحة التى فرضت عليهم ، وعومل محمد معاملة قاسية أثناء سجنه الى حد أنه أجبر على العمل في كنس الشوارع وتكسير الاحجار من جبل ريع الحجون ، والحديد في عنقه مع مسجونين آخرين وعندما تظلم من ذلك لدى الحسين قال له بالحرف الواحد كما كان الشيخ محمد نفسه يروى ذلك : " الخيرة تروح لأهلك أنت قاعد هنا تأكل خير البلد وأبناء عمك يقاتلون ضدنا مع ابن سعود أحسن لك روح " . وقد شعر محمد بأن هناك محاولة لقتله اذا هو وافق على السفر من مكة وقبل أن يتخطى حدودها فامتنع وبقي في السجن ولم يطلق سراحه الا بعد أن تنازل الحسين عن الحكم لابنه علي في سنة ١٣٤٣ هـ فخرج لا يملك شروى نقير . وفي تلك السنة

دخلت قوات الملك عبد العزيز الى مكة بقيادة الشريف خالد بن لؤي الذى قرب محمدا اليه نظرا لمعرفته بأهله وذويه من قبل ، ولاقامته الطويلة بمكة ومعرفته بكثيرين من أهل مكة الذين لم يسئ اليهم ابن لؤى . ورغب خالد ابن لؤي وعبدالله السليمان الحمدان بموافقة الملك عبد العزيز في أن يعمل محمد موظفا بالدولة الفتية واعتذر عن ذلك رغم ولائه واخلاصه للدولة البارة الحانية ورغب فى العودة الى مزاولة العمل التجارى . وكان محله بشارع الجودرية المعروف بمكة المكرمة يعتبر منتدى لمعظم سكان ذلك الحى وغيرهم من نجديين وحضر وبادية حيث تدار القهوة العربية والشاى من أول النهار الى الثلث الاول من الليل . وفي موسم الحج كانت مخازن المحل تمتلئ بالامتعة والاغراض العائدة للحجاج النجديين بالاضافة الى البضائع المكدسة من تمور وسمن وعسل وحبوب .

فيأتى الحجاج الذين يضعون أماناتهم النقدية الموضوعة في صرر من القماش حمراء أو سوداء أو بيضاء ، قبل صدور العملة الورقية ، فكان أحدهم يطلب صرته الحمراء وما أكثرها من صرر متعددة الالوان والاحجام ، فيقوم الشيخ محمد باحضارها وعندما ينظر اليها صاحب الامانة يقول : لا يا عم صرتى أصغر أو أكبر وهلم جرا حتى يجدها . وكان يجتمع لديه ليليا العديد من أصدقائه ومعارفه من الحضر والبدو حيث تدور الاحاديث في شتى الموضوعات الدينية والتاريخية وقصص الحرب والبطولة في نجد سابقا والاشعار العربية وكان يهتم بالاطلاع على الصحف المحلية والعربية . ونذكر من أصدقائه وجلسائه : الامير عبد العزيز بن ابراهيم الطاسان رئيس أركان حرب الجيش والشيخ ابراهيم بن معمر الذى كان سفيرا

في بغداد ثم قائمقام جدة ، والشيخ عبد الله النويصر - والد الشيخ محمد النويصر رئيس المكتب الخاص بالديوان الملكى حاليا - والشيخ علي بن سرحان - والد الشاعر والكاتب المعروف حسين سرحان ، والشيخ ابراهيم الطاسان رئيس أركان حرب الجيش والمشرف العام على شؤون الطيران سابقا ،

والشيخ علي العمارى ، والشيخ محمد السليمان التركى ، والمؤرخ النجدى الشيخ محمد بن عبد الله بن بليهد ، والشيخ محمد البيز قاضى الطائف حاليا ، ومن أهالى الطائف الشيخ حامد بن حريب وعبد الاله بن حريب ، ومن أهالى مكة الشيخ عبد الوهاب مؤمنة والشيخ عبد الله الشيبى ، من سدنة بيت الله الحرام ، والشيخ عبد الوهاب الدهلوى الذى كان يعنى بالتاريخ . ومن الاشراف الشريف سعد بن لؤي ، والشريف فيحان بن صامل ، والشريف منصور بن غالب ، وبعض مشايخ قبائل عتيبة وسبيع والبقوم ومطير وغيرهم .

كما كان الشيخ سالم بن محفوظ مدير البنك الاهلى التجارى حينما كان يعمل سابقا مع الشيخ عبد العزيز كعكى في أعمال الصرافة يحضر الى متجر الشيخ محمد العييدى لشراء الجنيه الذهب " أبو قبة " وجنيه الملكة فكتوريا وغيرها من أنواع العملة الذهبية والفضية مثل الريال الفرسى وخلافه .

وممن عملوا لدى الشيخ كتابا : التاجران المعروفان في جدة حاليا : أحمد بن عبد الله باقادر وعبدالله بن عمر باعبدالله . ومن الطرائف التى حدثت في مكتب الشيخ محمد قبل بداية الحرب العالمية الثانية أن صديقه التاجر النجدى عمر العبدالله الشريهى

بعث ببرقية الى الهند بطلب شحنة مائة مورة هيل ، وعند سحب البرقية أضيف سهوا صفر الى رقم المائة فصار ألفا وعند وصول الالف مورة هيل الى جدة كان قد دق ناقوس الحرب وارتفع سعر الهيل بنسبة عالية جدا فربح المستورد ربحا لم يكن بالحسبان . . واعتبر ذلك بالنسبة لصاحب الربح فأل خير من مجلس الشيخ محمد الذى أعدت فيه البرقية والذى ورد اليه اشعار وصول البضاعة .

وكان الشيخ محمد ذا غيرة اسلامية جياشة وقد شوهد في عام ١٣٦٨ هـ وهو يبكى جزعا وعندما سئل عن السبب قال : لقد ضاعت فلسطين . وذلك عندما أعلنت الهدنة الاولى بين العرب واليهود في حين كان ابن عمه الرئيس عبدالكريم العييدى يقاتل في صفوف الجيش العربى السعودى فى فلسطين .

ولن أطيل عليك أيها القارئ العزيز وقد حاولت أن ألمح لك عن حياة ذلك الرجل الذى عرفته عن كثب وعرفه كثير من الناس وما أسرع ما ينسى الناس ولكن التاريخ لا ينسى فهو يعطى كل ذى حق حقه ، وللحقيقة والتاريخ كتبت هذه السطور عن ذلك الرجل الذى انتقل الى رحمة الله في مدينة جدة سنة ١٣٧٥ هـ في دار ابنه حمد محمد العييدى المهندس الزراعى والكاتب والمحقق المعروف .

رحمك الله يا أبا حمد ، وأجزل لك الاجر والثواب وان ذكراك العاطرة ما زالت ولن تزال ماثلة بين ذويك ومحبيك أبد الدهر والله المستعان .

اشترك في نشرتنا البريدية