تلقيت بيد التقدير دعوة " المنهل " لي لكتابة مقال عن ( ذكرياتي عن مدرسة الخياط ) وإن هذه الدعوة قد اربكتني واوقعتني في حيرة عظيمة فلا انا بمستطيع طرحها جانبا لانها اول طلب يقدم من " المنهل " وهو في نفس الوقت طلب له اثره التاريخي القيم ؛ ولا انا بموقن ان في استطاعتى ان
أفي الاجابة حقها ، لاني قد كنت القيت القلم وتقاعست عن الكتابة منذ نيف وثلاثين عاما اي منذ ان شاءت المقادير ان ادخل مهامه الحياة فأتيه في مفاوزها وارتطم بصخورها وعقباتها . ولذلك فانى اعتقد ان قلمي قد شاخ فلا يستطيع ان يمضى قليلا حتى يضطر للتلكؤ والتعارج ش شأن من قعدت به السنون . .
ثم ان الكتابة عن ذكرياتي عن مدرسة الخياط هي موضوع خطير فيه بالمدرسة الأولى التى غذت بلبانها كثيرا من رجالات الجبل الحاضر ، وفيه تخليد لذكراها ؛ وهو مع ذلك موضوع لا تفي به الكلمة العابرة ولا المقالة السائرة ، ولكن ما لا يدرك جله لا يترك كله . ولهذا فأنى نزولا على رغبة المنهل وقياما ببعض واجبات المهد الأول اقدم لكم بعضا مما حضرني عن تلكم الذكريات الخالدة راجيا ان اكون قد وفيتها بعض الواجب :
الشيخ محمد حسين الخياط رحمه الله : هو من العلماء الافذاذ المبرزين وهو بحق كان وحيد زمانه فقد أحاط بأكثر الفنون علما ، وكان فى طليعة علماء جيله كياسة وتبصرة وله مؤلفات جمة فى علم الفلك وغيره وهو أول معلم فى الحجاز حذق التدريس التطبيقى الذى يصل بتلاميذه الى النتيجة المطلوبة فكان لا يسير على طريقة تلاوة المتون والشروح والحواشى ثم التعليق عليها بنفس ما في تلك الشروح والحواشى من تعبير ولكنه كان يعمد الى تلقين تلاميذه ما يدرسونه تلقينا تصويريا معززا بالأمثلة والروايات فلا ينتهى التلميذ من درسه حتى يكون ما سمعه من الاستاذ قد رسخ في ذهنه اذ انه كان يستمع اليه بكل حواسه لما يجد فيه من طلاوة وعذوبة ، وهكذا كان رحمه الله مجددا في طريقة التدريس وهو بحق اول من ادخل هذه الطريقة القيمة الى مدارس الحجاز .
لقد سار رحمه الله فى طريقته هذه وأخذ يدعو لها ثم أسس لترويجها وتعليمها الناس مدرسته الاولى فى دار صغيرة بجوار ( باب الدريبة ) فاكتظت مدرسته بالطلاب وفي زمن قصير يخرج منها طلاب كثيرون هم في عداد العلماء الحاضرين ، ثم لما أينعت ثمار طريقته فى التعليم وعلا شأنه بين العلماء واصبح الشخص المرموق ساعده الشريف الحسين وهو في إبان امارته على الحجاز فى زمن الحكم العثماني فبنى له مدرسة " المسعى " المقابلة لباب السلام وأمده بعونه لتوسيع
مدى التعليم فيها فكاتب النواة الأولى لانتتشار التعليم في البلاد . وكما ذكر فان بناء المدرسة المشار لها قد تم فى عام سنة ١٣٢٧ ه وكنت فى عداد تلاميذها أدرس في القسم الابتدائى ، ثم عاجلته المنية بعد ذلك فتولى إدارة المدرسة بعده رحمه الله ، ابنه المغفور له الشيخ محمد غزالي خياط فحذا حذو أبيه فى الحزم حسن الإدارة ولكنه كانت له اخلاقه ومزاجه الخاص لأنه كان لشدته وتطرف حزمة مرهوب الجانب فلا يكاد يذكر اسمه حتى ترى جميع من في المدرسة من طلاب قد وجموا كأنما على رؤسهم الطير . وكان رحمه الله مخلصا يود بكل ما في وسعة أن يلقن تلاميذه كل ما يعرفه من علوم فى برهة قصيرة . وكان يستعمل عصاه الغليظة لإرهاب كل مقصر ، فكنا ونحن سبعة تلاميذ هم نخبة طلاب المدرسة وتلاميذ السنة النهائية هدف ، إذ كنا في المرحلة الأخيرة وكان بوده أن يخرجنا في تلك السنة ١٣٣٣ ه ضمن عداد العلماء المرخص لهم بالتدريس في المسجد الحرام وغيره فبذل جهده يستذكرنا فى خلال الخمسة الأشهر التى كانت أمامنا كل ما تلقيناه من علوم ومحفوظات خلال أعوام الدراسة السابقة ، وهو جهد من قبله ومن قبلنا استلزم استنفاد كل ما منحنا الله من قوة وطاقة ثم جاء وقت الاختبار فتهيأنا لدخوله بقلوب عامرة بالأيمان مفعمة باليقين الثابت بنجاحنا وان كنا نحمل فى نفوسنا تلك الرهبة القاسية التى تساور عادة كل من يتقدم امام منصة الاختبار ، لأن يومه كما يقال يوم تقشعر منه الابدان ويتلعثم فيه اللسان ويهلع منه قلب الجبان وفيه يكرم المرأ أو يهان ، ثم جاء ذلك اليوم الرهيب فاختير للتقدم فيه أحدنا وهو الأخ " ع " فلما ولج غرفة الامتحان وجد جلة العلماء والمدرسين يشغلون صدر الغرفة وجنباتها فتخاذلت ساقاه ولكنه نظر إلى استاذه الشيخ محمد غزالي وهو يرمقه بطرف ملؤه العطف والحنان فتجلد وتصبر وجمع شتات نفسه وتقدم غير هياب مسلما أمره لله . ثم جلس على كرسي الاختبار مستعيذا بالله من وساوس الشيطان ومستعينا بالله فى أمره وما لبث هنيهة حتى افتتحت الجلسة والقى اليه رئيسها سؤالا فى علم النحو فأجابه بما في كنانة ذهنه من معلومات . ولكنه لم يكد يتم جوابه حتى فوجئ من احد العلماء بقول يرميه بالخطأ فى جوابه فارتج
عليه وصعب عليه تقدير الموقف لأنه كان يعتقد صحة اجابته . ولكن استاذه كان حياله بالمرصاد فتقدم في أدب وأجاب المعترض بأن اجابة الطالب صحيحة وهنا وقعت الواقعة فقد احتدم الجدل فى مجلس العلماء حول تلك الاجابة فمنهم من ناصر الأستاذ ومنهم من صد عنه واخيرا عاد بالأستاذ الينا حانقا وقال : إنه لا حاجة لخروجنا مدرسين فى هذا العام مادام بين المختبرين من له غايات خاصة فى اسقاط تلاميذ المدرسة بطريق التشويش والتهويش فوجمنا سامتين لانلوي على شيء ، ونحن لا نعلم من أمرنا ماجاءنا به الأستاذ شيئا إلا إصراره على عدم دخولنا الاختبار فلم يسعنا ازاء موقفه الا الامتثال وصبرنا على مضض حتى أهل علينا العام الثاني وهو عام ١٣٣٤ ه فأخذنا نجدد دورة الاستذكار بدرجة لا تقل عن سابقتها نشاطا واجتهادا ولكنا لم نكد نتم دورة المذاكرة وتهيأ لدخول الاختبار حتى فوجئنا بالنهضة العربية التى قام بها الشريف الحسين ضد الاتراك فانفرط عقدنا ازاء الحرب القائمة . ثم بعد أن انتهت واستتب الأمر بخروج الحكومة التركية من البلاد انصرف كل منا بدافع الحاجة التى سببتها أزمة الحرب العمومية الأولى إلى العمل للحصول على العيش ، وهكذا دخلنا منذ ذلك الحين معترك الحياة فضيعنا ما كنا حفظناه وحذقناه ولم يبق منه فى رؤوسنا الا بصيص ضئيل هو كل ما بقي لنا من تراث نستضئ بضوئه في كفاحنا المعاشى الحاضر
وختاما فليرحم الله الشيخ محمد حسين الخياط المؤسس الأول لمعاهد التعليم الناجح وليرحم خلفه الشيخ محمد غزالى خياط ، ولنعيش المعلمون الناجحون المخلصون .

