حياة ( المقانيص ) ٧-٨-١٢٥٦
ما زلنا في منطقة رماح - نصبح ونمسي في الخيام ، شمس حارة نهارا وجو بارد ليلا وبين حين وآخر نفاجأ بالعواصف الرملية وتبدو وهي مقبلة على المخيم من الشرق او الشمال في شكل جبال شامخة متحركة بالوان مختلفة على الخيام والسرادقات والاشرعة فتتركها شذر مذر ويقبع اهلها تحت قبابها واروقتها المتبعثرة هنا وهناك قابضين على حبالها خشية ان تذهب بها امواج العاصفة الى مسافة بعيدة . . .
وبعض اهلها يلتجئون الى السيارات حتى تنتهى العاصفة بزمجرتها وعجاجها ورمالها المتطايرة ويعود الهدوء وتسكن الريح فيعودون ويقيمون الخيام مرة أخرى ويجمعون من ثيابهم وفرشهم المتطايرة والمبعثرة .
وجاءنا رسول الملك عبد العزيز ( رحمه الله ) اليوم بعد هدوء العاصفة واجتمع بفضيلة الاستاذ عبد الله خياط وقال له على لسان جلالته . .
الشيوخ يقولون - من باب المداعبة - اننا في سفر واننا قصرنا الصلاة فالدراسة كذلك من المستحسن ان تكون قاصرة على اربعة دروس بدلا من الستة . . وبناء عليه عتمدنا من الغد اربعة دروس بدلا من الستة .
الحيات والعقارب . .
كثر الكلام وكثرت القصص عنها وعن حوادثها وعن قتلها وبناء عليه طلبنا من أحد الاحواز بالرياض ان يبحث لنا عن سرر
للنوم ويرسلها الينا مع قادم بصورة مستعجلة . . وقد قتلنا اليوم اكثر من خمس عقارب احداهن وسط حق حقيبة احدنا الخاصة بالملابس .
نظام الطعام . .
في الصباح المبكر يوزع اللبن ( الحليب ) على فئة خاصة من اهل المخيم .
والغداء موعده الساعة الرابعة والعشاء بعد العصر اي الساعة الحادية عشرة وللمخيم مطبخ واحد وهو مطبخ ( ابن نصار ) وطعام الغداء يتكون من الرز واللحم المكركم - وفي العشاء يزاد (( المرق )) وهو بمثابة ( السلاطة ) يذبح يوميا للمطبخ ( ٢١ ) خروفا كبيرا في الغداء ومثلها في العشاء ويطبخ معها ثلاثة اكياس رز ( هورة ) .
وعند دنو موعد الطعام ينادي خدم المطبخ باعلى صوتهم ، (( مرزوق )) ( مرزوق ) ولا يسمع الناس هذا النداء الا ويرسلون خدمهم بالاطباق الكبيرة ( التباسي ) الى المطبخ فيملؤونها رزا ولحما ويعودون بها الى خيامهم .
يوم الجمعة ١٧-٨-١٣٥٦ ه
استيقظت على صوت المؤذن وهو يؤذن للفجر وما احلى هذا النداء في هدوء الصحراء وسكون البر ، ادينا صلاة الفجر جماعة وكان البرد شديدا والرياح شبيهة
بالعاصفة . . وكل يوم نسعد بعد تناول الفطور للانتقال الى خيمة المدرسة اما اليوم فقد عاد كل منا للراحة والنوم . . ولهبوب الرياح المزعجة تجمعت كميات من الذباب في الخيمة - بصورة مزعجة .
العودة : ٢٠-٧-١٣٥٦
امر جلالة الملك عبد العزيز ( رحمه الله ) بالعودة الى الرياض ففرح الناس لهذا النبأ . . وتحرك الركب الملكى من رماح قبيل المغرب . . في اكثر من مائتي سيارة وكلها متجهة الى ناحية واحدة . . وتذكرنا ونحن نشاهد سيارات الركب ونسير معها ليلة المزدلفة وازدحام السيارات .
واخيرا وصلنا الرياض سالمين
احتفال بختم القرآن . .
كتب فضيلة الشيخ عبد الله خياط لجلالة الملك عبد العزيز عن ختم الامير مشاري نجل جلالته للقرآن وان المدرسة اقامت لذلك احتفالا متواضعا ولم نكن ندري ان لهذه المناسبة شأنا عظيما عند الاسرة المالكة وعلى رأسها الملك عبد العزيز . . فلم نشعر الا وقد اعلن باقامة حفلات العرضة لهذه المناسبة يوم ١٨-٨-١٣٥٦ .
وقيام العرضة معناه عطلة عامة للمصالح الحكومية وتعطيل الاسواق ليشترك الاهالي والموظفون في حفلة العرضة .
وصباح يوم العرضة نظم القصر مأدبة افطار دعي اليها اطفال الكتاتيب ومعلموها - كما دعينا كذلك معهم - وبعد المأدبة خرج الامير الخاتم ومن خلفه اخوانه وزملاؤهم على خيولهم - الى الاسواق ووراءهم
اطفال الكتاتيب وهم يرددون كلمتي (( صومعي لومعي )) اللتين لم افهم معناهما او اشتقاقهما . . وقال احد اصحاب الكتاتيب لعلها محرفة من كلمة (( سامعين لامعين )) اي سامعين لكلام الله لامعين سيوفنا - ومن المتبع في حفلة (( الصومعي لومعي )) ان يحمل الاطفال سيوفا مشهرة في ايديهم ,
بعد خروج الامراء من القصر ابتدأت العرضة من قبل الاهالي في أول الامر ثم اشترك فيها الامراء واخيرا تحمس الملك عبد العزيز وانضم الى العرضة والسيف في يده فسرت في اهل العرضة موجة الفرح والسرور مع ازدياد درجة النشاط والحماس والفتوة في نفوسهم . .
وممن حضر لمشاهدة هذه الاحتفالات ضيف الحكومة الكولونيل ديكسن الوكيل السياسي باحدى امارات الخليج .
واستمرت العرضة الى الساعة الخامسة والنصف ثم توقفت لحرارة الشمس . . على ان تستأنف بعد العصر خارج الرياض بعلو (( المعذر )) حيث تقام لهذه المناسبة خيام ومأدبة للعشاء . .
وخرج الامراء الصغار الى هذا المكان من قبل الظهر . . وخرجنا بدعوة من رئيس الخاصة قبل العصر . . كما وصل ركب الملك ( المرحوم ) قبيل العصر . . . وعندما اذن للعصر - تقدم جلالته وصلى بالناس . . ثم جلس واجتمع حوله الامراء ورجال الحاشية الكبار واردنا ان نذهب الى احدى الخيام القريبة من المكان - فادرك - رحمه الله - اننا نريد
الخروج لعدم وجود مكان فدعانا عنده واجلسنا على يمينه واخذ يتحدث مع الحاضرين في القرآن واهميته عند المسلمين واهمية التمسك به .
وفي هذه الاثناء جاء الامير فيصل ( الملك الحالى ) واستأذن اباه فى بدء العرضة فسمح له . . فقام الامراء ورجال الحاشية ووقفوا صفوفا في شكل دائرة وبدأوا في العرضة والحركات التوقيعية على صوت الطبل واستمرت العرضة بحماسها ونشاطها الى الساعة الحادية عشرة . .
ثم ارسل الملك - رحمه الله - الى الامراء من يخبرهم بانهائها . . كما امر بتقديم العشاء .
وفي اثناء الاستعداد للعشاء ساد المجلس الصمت التام فالتفت جلالته الى الشيخ عبد الله خياط وامره ان يقرأ عليه شيئا من القرآن ليكون ختام هذا الاجتماع فقرأ الشيخ وكان لقراءته وقع جميل في نفوس الحاضرين الذين اصغوا اليه اصغاء تاما .
وعندما مدت الموائد - اردنا ان نقوم عن محلنا الى مائدة من الموائد فلم يسمح لنا جلالته بالقيام بل اجلسنا على مائدته . . واخذ - رحمه الله - يحثنا على عدم الخجل في الطعام واخذ الكفاية منه ولم يكتف بهذا بل غمرنا بلطفه وفضله وسماحة نفسه فاخذ يقدم لنا ما بعد عنا فى المائدة .
كنت مأخوذا بما اشاهده من جلالته من التواضع واللطف والفضل وافكاري كلها منصرفة الى شخصية هذا الرجل العظيم - طيب الله ثراه - والى مكارم اخلاقه وسماحة نفسه .
وبعد العشاء اذن جلالته للناس بالانصراف والعودة الى الرياض .
٣٠-٨-١٢٥٦ ه
استقبال رمضان : استعدادا لشهر رمضان اخرج مدفع من الطراز القديم من القصر محمولا على عجلتين واشترك في سحبه خدم القصر وحمالو المالية والاولاد بالاغاني والاهازيج وترديد كلمات غير مفهومة الى خارج البلدة ناحية البطحاء - ولا تستخدم طلقاته الا ليلة الصيام لاعلان ثبوت الرؤية ثم مرة اخرى لاثبات رؤية شوال .
ويوم ثبوت رؤية رمضان كانت الرياض من بعد المغرب الى الساعة الواحدة كأنها في مناورة حربية من كثرة اصوات البنادق وطلقاتها المنبثقة من اسطحة البيوت . .
الى الدرعية . .
يوم ١٢-٩-١٣٥٦ ه كان الجو غائما والرذاذ البديع مستمرا وسمح جلالة الملك لانجاله طلبة المدرسة بالخروج الى البر .
واستأذننا جلالته في زيارة الدرعية وعاد الرسول بالموافقة وبالسيارة التي تنقلنا اليها .
وصلنا الدرعية وكل منا مثقل بالثياب الثقيلة لبرودة الجو - وقد فاتنا ان نستصحب معنا احدا من اهل الدرعية او ممن لهم خبرة تامة بها . . وكان سائق السيارة - رغم كونه رياضيا اي من اهل الرياض - الا ان معرفته بالدرعية لم تكن اكثر منا . . فقال لنا بعد وصولنا اليها : هذه هي الدرعية . . الدرعية الجديدة العامرة بالنخيل والبساتين . . فقلنا
له نريد الدرعيه القديمة . حيث الآثار والبيوت المتهدمة . . فأخذنا اليها . .
وصعدنا تلا لنشاهد ما تركته الايدي الاثمة من الخراب والدمار في هذه البلدة الوادعة الساكنة الواقعة في قلب الجزيرة العربية منذ اكثر من قرن .
وعند نزولنا من التل وعودتنا وجدنا ممرا يؤدي الى منطقة الخرائب فنزلنا من السيارة وسلكنا الممر حيث رأينا رجلا من حاشية احد الامراء له المام تام بالدرعية وقصورها المهدمة - ورافقنا في التجوال بين الاطلال يقف عند كل قصر متهدم ويذكر لنا صاحبه ثم اخذنا الى الجامع الكبير جامع الطريف الذي استشهد
فيه عبد العزيز بن سعود سنة ١٢١٨ ه ( ١٨٠٣ م ) .
وقد بقيت اجزاء من جداره ومحرابه وبين كتل من الطين الجاف اعمدة المسجد وهي ملقاة على الارض وكان لسان حالها ينطق ويشير الى ما فعله الطغاة . . وقفنا عندها وقفة مؤلمة محزنة . . لم يبق فينا اي نشاط لتجوال آخر بين تلك الاطلال . .
فرجعنا الى الرياض ونحن نحسبل ونحوقل ونسترجع . .
وكانت رحلة غريبة في نوعها اذ لم تكلفنا بشيء مطلقا من ناحية الطعام والشراب فالكل صائمون .

