ذكريات

Share

لأتراجع قليلا إلى الماضى ، وأطل على سنة ١٣٣٤ ه سنة اندلاع الثورة العربية فى الحجاز .. حيث لم يكن بالبلاد من يحفل بالجرائد أو الاطلاع على ما يكتب عيها غير نفر قليل ممن يعرفون بالعلم أو يتقنون اللغة التركية ..

وكانت جريدة الاهرام والمقطم ثم اللطائف المصورة ترد اعداد منها عن طريق البحر مرة او مرتين فى الشهر الى أناس معروفين ، وكان الذين يقرءونها يعتبرون شيوخا فى فهم ( الدنيا ) واقول الدنيا لان كلمة ( العالم ) لم تكن درجت على السنة الطبقة المعروفة بفهم الدنيا وما فيها

وكنت - بالرغم من صغرى - الازم مجتمعات الكبار الذين هم حولى .. واستمع لاحاديثهم ولو لم افهمها .. فكانوا يجتمعون فى صحن الدار ، ومن بينهم رجل يعرف القراءة دون الكتابة ورجل يفهم ما يقرأ .. ولكنه لا يستطيع ان يقرأ قراءة صحيحة بصوت جهورى ..

لقد كان اجتماع هؤلاء الكبار المنزلى يبتدئ من بعد العصر ويستمر

الى الساعة الرابعة او الخامسة ، ليلا .. لامرين :

للائتناس مع بعض فى التحدث عن أخبار البلاد وحوادثها المحلية والاخبار الخارجية .. وثانية للابتعاد عن اخطار الرصاص أو القنابل التى قد يتعرض لها من يكون فى الاجزاء العليا من الدار وخير مكان يبتعدون اليه هو فناء الدار ..

وفى يوم الاثنين والجمعة كانوا يستعينون على اطالة الجلسة والسمر بشراء جريدة ( القبلة ) التى كان يحررها الاستاذ محب الدين الخطيب صاحب المكتبة والمطبعة السلفية بالقاهرة الآن ..

يتبرع أحدهم بربع قرش ويشترى به عددا من القبلة الجريدة المحلية .. ويتولى الرجل الذى يقرأ ولا يكتب قراءتها بتأن ..

ويظل الباقون مصغين اليه فى سكوت تام واهتمام بالغ ..

واذا مر القارئ بكلمة لغوية أو اصطلاح سياسى أو حربى أو صحفى - وكثيرا ما كانت ترد هذه الكلمات - غمغم وغمض ومر بها مرور الكرام دون التعرض لها بشرح أو بيان ، أو

توضيح للفظ .. ولم ادرك هذه الحقيقة الا بعد زمن طويل ..

كانوا يستمعون اليه والى شرحه وتعليقاته بكل هدوء واصغاء .. وتجاوب معه بذكر استطرادات اخرى من هنا وهناك ..

وعند قيامهم وانصرافهم الى محلاتهم وانفضاض جلساتهم يرددون يوميا متثائبين بلسان واحد ( الكلمة التاريخية ) التى تعبر عن رأيهم فى الجرائد ، ولم تكن كلمة الصحف والصحافة عرف بعد فى البلاد ( كلها كدب فى كدب ) ..

ويستدل بعضهم على كلمته هذه اذا وجد فى الوقت فسحة بسرد الحكاية المنقولة والمعروفة عن محرر فى جريدة من الجرائد فى استامبول ( وكانت مثلا عاليا لديهم فى الحضارة والمدنية والرقى والتقدم ) انه جاء الى مدير الجريدة وأخبره بأن صفحة كاملة من الجريدة لا تزال شاغرة ولم يجد لها من الانباء ما يملأ بها ..

فقال له مدير الجريده بكل هدوء واتزان ونفخ ونفج :

(( اختلق خبرا عن حريق اشهر عمارة فى البلاد واطل فى الوصف واظهار الاسى والاسف والبكاء والحزن على الخسائر الناجمة عن ذلك . . ))

وفى العدد القادم يكذب الخبر مع ابداء الاسف الشديد على تسرع مندوب الجريدة ..

كانت تعليقاتهم على الادباء ولا سيما الانباء التى توافق امزجتهم وما فى

قلوبهم . فى غاية من الغرابة ، وكانوا يبدون عطفا كبيرا على الناحية الالمانية ولا يقرون لدولة من الدول الاوربية بالقوة والاختراع والسبق فى ميدان الصناعة والابتكار غير المانيا ..

فاذا وجدوا فى البرقيات التى يقرءونها - أو تقرأ عليهم - فى جريدة ( القبلة ) ما يشتم منه رائحة تقدم الالمان فى معركة من المعارك تهللت وجوههم بشرا وسرورا وبدءوا بعدها فى التعليق عليه بما يعقل وما لا يعقل ( الآن ، اما فى تلك الايام فكل ما يتحدثون به كان معقولا ومفهوما )

واتذكر جيدا اننى سمعت فى ندوتهم قصة او نبأ ذكروه كحقيقة ثابتة لا تحتمل الجدل أو المناقشة أو الشك هو :

(( أن الجندى الالمانى لا يحمل معه غير حقيبة صغيرة فيها كل ما يلزمه من أكل وشرب وسلاح وآلة دفاع .. وشئ صغير كالمنديل لا يخرجه الا اذا تورط فى بحر او بحيرة او كان على شاطى نهر ويريد العبور الى الناحية الاخرى .. عندئذ يخرج هذا المنديل وينفخ فيه نفخة طويلة فاذا المنديل ينقلب الى قارب مطاطى صغير يركب فيه ويعبر النهر أو البحر ويصل الى الناحية التى يريدها ..

ويحمل كذلك فى الحقيبة اقراصا صغيرة كاقراص الاسبرين لا يلجأ اليها الا اذا لم لم يجد شيئا يسد به رمقه فيأخذ حبة واحدة من تلك ويضع عليها نقطا من الماء من اداوته .. فاذا الحبة تكبر وتنمو نموا سريعا وتتحول .

الى خبز كبير يأكله هنئيا وقد يزيد عن حاجته .. ))

وذكر احدهم حادثة بصدد تفوق الالمان فى عالم الصناعة فقال :

(( لقد اسر الانجليز عسكريا المانيا فى ميدان من الميادين الحربية ، واخذوه الى خنادقهم كتحفة وليثبتوا لجنودهم مبلغ قوتهم . فاجتمع الجيش الانجليزى المكون من اجناس شتى حول الاسير الالمانى وعندما تكامل جمعهم طلب الاسير منهم ان يبتعدوا عنه ويوسعوا مساحة الدائرة التى حوله ليريهم امرا .. فنفذ الجيش طلبه .. واخرج الاسير من حقيبته شيئا صغيرا ونفخ فيه فاذا هو تحول إلى شكل قارب ثم ضغط على زر فارتفع عن الارض ودخل الاسير فيه .. واندهش الجنود الانجليز ... لذلك أرادوا الاقتراب منه للقبض عليه ولكن القارب كان قد ارتفع فى الجو وابتعد عن الارض كثيرا وطار الى الجبهة الالمانية ، وندم الانجليز على تفريطهم .. ))

واستمع الجميع لهذه الانباء والقصص كأنها حقائق ثابتة لا تحتاج الى اثبات او دليل ولست اقصد بسرد هذه الاقوال والذكريات أن أصحابها والذين كنت أحضر مجالسهم أو غيرهم كانوا يختلقون هذه القصص من تلقاء أنفسهم أو كانوا يعرفون عنها أنها كذب ثم يتناقلونها ..

كلا .. لقد كان صلاحهم وتقواهم يمنعهم من اقتراف اثم الكذب والعمل على نشره بين الناس بل الذى اقصد واهدف اليه هو المقارنة بين الماضى

والحاضر وان الناس فى تلك الايام لم يكن لديهم راديو ولا صحف يومية - كما هى الحالة الآن - بل كان كل اعتمادهم فى نقل الانباء والروايات على أفواه الرجال والتعبير عنها بكلمة ( يقولوا . . ) أو ( يقولون )

هذا ورغم اعتقادهم ان كل ما يذكر فى الجرائد كذب ، كانوا يحرصون على شراء جريدة القبلة وقراءتها مجتمعين ..

ولعلهم كانوا يجدون فى قراءتها وتعليقاتهم على الحوادث والانباء المحلية متعة نفسية وترفيها ينسيهم هموم النهار وأتعابه ..

وذكر أحدهم - فى يوم من الايام - أنه زار جماعة وكانوا مجتمعين على جريدة الاهرام المصرية فأطال عندهم الجلوس وسمع من أخبار الدنيا الشئ الكثير غير الذى يسمعه فى القبلة .. فاشتاق الجميع الى هذه الجريدة والى هذا المصدر الثر للاخبار .. اخبار الدنيا .. ولكن انى لهم ذلك ؟ .. فالذين ترد باسمهم هذه الجرائد المصرية أناس معروفون وجهات معينة ويستعير بعض الاشخاص والاعيان من هؤلاء أو من هذه الجهات اعدادا من هذه الجرائد المصرية لتزجية أوقات الفراغ اثناء الشهر من غير ان يتظاهروا بها لان التظاهر بقراءة الجرائد معناه الاشتغال (بما لا يعنى) فللجرائد اناس وللكتب اناس وللجمع بينهما اناس وكل ذلك بالعرف والشهرة ، فالجريدة فى يد رجل عرف بحمل الكتب العلمية أمر مستغرب أو ممقوت .. وأما

الجرائد والاختصاص بها فلم يكن عرف بعد ..

وظل الرجل الذى أتى الى الجماعة بخبر الذين يجتمعون على قراءة الاهرام وغيرها من الجرائد المصرية كالمقطم والاهرام واللطائف المصورة .. ظل متصلا بهم يستمع الى ماتذكره الجرائد المصرية من الانباء الهامة وينقل ما يتبقى فى ذكراته الى زملائه باضافة زيادات وتعليقات من عنده عملا بقول الشاعر : وما آفة الاخبار الا رواتها

لقد كانت تسمية الجريدة باسم ( القبلة ) وكتابة الآية الكريمة (وما جعلنا القبلة التى كنت عليها . الآية ) فوقها محل نقد من العامة وبعض الخاصة ، لانهم لم يكونوا يفهمون من كلمة القبلة غير الكعبة وجهتها التى يصلون اليها ..

وفى تسمية الجريدة بهذا الاسم رأوا حطا من كرامة الكعبة والقبلة .. ولكن الانتقادات والاعتراضات كلها لا تتجاوز حدود الاجتماعات المنزلية بين الاصدقاء ..

لقد كان مكتوبا فى الصفحة الاولى من ( القبلة ) بجانب اسمها العبارات التالية :

( الرسائل ترسل خالصة الاجرة باسم مدير الجريدة المسئول )

( قيمة الاشتراك ريال مجيدى ونصف فى الحجاز وعشرة فرنكات فى سائر الاقطار وثمن النسخة ربع قرش )

( الاعلانات يتفق عليها مع ادارة

الجريدة ، العنوان التلغرافى ( القبلة )

وكتب تحت اسم الجريدة ( جريدة دينية سياسية اجتماعية )

وكل هذه العبارات لدى كثير من القراء من العبارات الغامضة التى تحتاج الى شرح وايضاح أو انتقاد

فقال احدهم : ما هى الرسائل التى ترسل إلى مدير الجريدة ؟

فهل تحولت ( البوسطة ) الى مدير الجريدة ؟ ..

وسمعت انتقادا مرا من انسان على استعمال كلمة ( عشرة فرنكات ) فى سائر الاقطار ..

ألم يجدوا عملة غير الفرنكات يستعملونها فى اشتراك جريدة دينية

فقال زميله : ( تعريضا للحلفاء ) من الآن لا تجد غير عملة أصحابنا ( فرنكات ) و ( جنيهات انجليزية ) ورحمة الله على المجيدات والعثمانيات

أما عبارة الاعلانات يتفق عليها مع ادارة الجريدة .. فكانت اصعب عبارة لدى كثير ممن لم يفتحوا اعينهم الا على جريدة القبلة أى لم يسبق لهم قراءة صحيفة أو جريدة غيرها .. ولم يكونوا يعلمون شيئا عن الاعلان التجارى فى الجرائد .. كما ان الذين تهمهم هذه العبارة هم التجار .. وكانوا يرون انه لا يعلن الا عن بضاعة بائرة لا سوق لها ، والاعلان فى نظرهم ( صنو ) الدلال أى ان البضاعة التى لا تروج تعطى للدلالين لعرضها على الراغبين .. وما دامت رائجة فلماذا الاعلان ؟

وأول اعلان نشر فى القبلة جاءها من القاهرة وهو عن ( مجلة اللطائف المصورة ) المصرية ..

اما من اهل البلاد فكان اول اعلان تجارى نشر فى القبلة من يوسف شيناوى عن اللآلى والجواهر وتنظيفها وثقب اللآلئ فى ٤ رجب سنة ١٣٣٦

وسأل رجل رفيقه عن معنى : ( العنوان التلغرافى ) فقال له : الامر يستلزم سؤال الجريدة او ادارة البرق والبريد ..

وجلس اثنان يتباحثان فى العبارة المكتوبة تحت اسم الجريدة ( جريدة دينية سياسية اجتماعية ) ..

- جريدة سياسية ، لا بأس .. ولكن من أين لها ان تكون ( دينية ) ؟

وليس بها شئ من الدين ؟

- للتمويه يا سيدى . . - واجتماعية ؟ . . - يعنى يجتمع فيها ما هب ودب

هذه بعض ذكريات انقلها للجيل الحاضر ليرى الفرق البعيد بين عهده وعهد هؤلاء .. وليحمدوا الله على ما وهبهم من النعم الثقافية والمادية والعلمية ويشكروه عليها ويتجنبوا الغرور والتعاظم على من دونهم ..

والفرق الذى نراه بين ماضينا وحاضرنا سيراه المستقبل مثله أو أقل منه بيننا وبينه (( وما أوتيتم من العلم الا قليلا )) .. مكة المكرمة

اشترك في نشرتنا البريدية