الصديق الاستاذ بالمدرسة الاهلية بالرياض - فارس العلي - نقل الى رغبة صادقة لفضيلة القاضي الشيخ محمد بن عودة - عضو رئاسة القضاة بالرياض تتمثل فى التعرف بي - لاعجابه بما اكتبه فى المنهل الام - وبعض صفحنا - فلبيت الرغبة فالتقينا معا فى داره العامرة . . وغمرنى بفيض من عطفه وانى لاعجز عن كلمة الشكر لاني مهما قلتها . فلن اوفيه حقه . . وادركت ان فضيلته من قراء المنهل ، فلم يكن بامكانى اأن أتجاهل هذه الحقيقة . . فأخذت اتجاذب معه معاني شتى - وقبل ان اغادره ابي الا ان يهدينى كمية ضخمة من مؤلفات صدرت حديثا - فشكرا له وكفى وتلك المعانى اسجلها هنا مع التقدير .
١ - ما هو المدى الدينى ، لمعانى الحياة . . وكيف يمكن للانسان ، ان يسير آمنا مطمئنا في دنياه - حتى يلاقى الله عز وجل ؟
جـ : هو أن يلتزم المرء ، بتعاليم الاسلام . ويتمسك بآدابه ، ومثله العليا ، غير تارك للاسباب المأمور بها ، والرضى بالقضاء ، من عناوين السعادة ، يعلم (( ان ما اخطأه لم يكن ليصيبه ، وما أصابه لم يكن ليخطئه )) وان المتفرد بالعطاء والمنع هو الله عز وجل . .
فيعتمد عليه ، ويفوض اموره اليه ، فيمسى ويصبح هادئ البال ، مطمئن القلب ، مرتاح الضمير ، راضيا بقسمة ربه وتقديره . مرتاحا لواقعه ، والحال التى هو فيها ، لا يمدح مخلوقا على اعطاء ، ولا يذمه على منع . .
٢ - ان للصيام . . شهر المكرمات . . فلسفة دينية عميقة ، ولكن البعض يفهمها , على ان الصيام هو ترك الطعام - ولا يعنى لديه اكثر من ذلك - فهل ذلك المفهوم - هو مفهوم الصيام ؟ جـ : ان لشهر رمضان المبارك فضائل وكرامات ، وغايات نبيلة ، ترمى الى تهذيب
النفوس ، وتقويم عاداتها ، وكبح شهوانها ، وفطمها عن مألوفاتها ، وتقوية ادراكها وتذكيرها بالاكباد الجائعة ، الى غير ذلك مما لا يحصر . . وكم فى هذا الشهر الكريم من فوائد دينية ، ودنيوية ، صحية وخلقية ، وغيرها . .
اما ما يفهمه البعض من ان الصيام - هو ترك الطعام والشراب فقط ، فهو خطأ ، فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم : (( من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة فى ان يدع طعامه وشرابه )) وقال بعض السلف : أهون الصيام ، ترك الشراب والطعام . .
وفيما تقدم رد على من يظهر أو يفهم اقتصار الصيام على ترك الطعام والشراب وفيما يتعلق بذات المسلم الخاصة التى بينه وبين ربه .
فيجب عليه ، لا سيما وهو صائم ان يجتنب ما من شأنه جرح صيامه فيحرص على اجتناب اللغو ، ويصون نفسه عن تناول اعراض المسلمين ، وليتباعد عن المحرمات بل المكروهات . . وليغتنم هذا الموسم العظيم ،
فيقدم لنفسه ما يستطيع من اعمال البر والخير ، والاحسان الى الغير ، لان الحسنات تضاعف فى هذا الشهر المبارك . .
٣ - ما رأى فضيلتكم فى مجلة المنهل - كمادة - وكأسلوب - و دعامة من دعائم صحافتنا السعودية ؟
جـ : اننى من الذين يباركون جهود القائمين على تحرير مجلة المنهل ، التى تعتبر من اولى المجلات التى صدرت فى بلادنا ، وعلى رأسهم صاحبها الاستاذ عبد القدوس الانصارى الذى لا يألو جهدا فى اختيار المواد الدسمه النافعة التى يتحف بها قراء المنهل الغراء . خاصة منها الادبية واللغوية , والأثرية .
وارجو لها التقدم والازدهار . للمساهمة فى البحث والنشر لكنوز المعرفة والثقافة الكامنة فى الجزيرة العربية مهد الاسلام ، واللغة العربية الفصحى ، وموطن الامجاد والمروءة والفخار ، والقيم العليا . .
وأما أسلوب المجلة بصفة عامة , فهو سهل فى مواضيع ، وعميق وصعب فى مواضيع اخرى ، واظن ذلك يعود الى تعدد أساليب كتابها ، وهذا نهج كثير من المجلات الادبية ، غير انه من الاحسن ان يحرص القائمون على المجلة على توخى ما يسهل هضمه من قبل القراء .
وان سمحتم لى فى تقديم اقتراح لرئيس تحرير مجلتنا المنهل ، فانى اقترح انشاء (( زاوية او باب خاص بالشؤون الدينية )) ينشر فيه الاسئلة , والمشاكل التى تواجه القراء ، والتي تتعلق بدينهم ، ولهم رغبة فى حلها ، ليقوم علماؤنا بالاجابة على الاسئلة , وتقديم الحلول على ضوء كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام .
٤ - هل لفضيلتكم ملاحظات معينة - على
بعض ما تنشره صحفنا من مواد او رسوم او معان تسمى (( بالفن والغناء ؟ ))
جـ : ان الاستماع الى الاغاني - وتعاطى آلات الطرب والموسيقى , وعموم الملاهى فيه ما فيه لا سيما ، ما يترتب عليه الصد عن ذكر الله او اى عامل من عوامل التحلل للاخلاق , والدعوة الى الرذيلة والفساد ، والتفسخ عن القيم الرفيعة . . كل هذا لا يجوز شرعا ،
اما الصحف التى خصصت أركانا او زوايا لترويج الاغاني بين الشباب - فانى احب لها ناصحا - ان تستبدل ما تنشره فى هذا المجال ، الارشاد والتوجيه السليم ، والدعوة الى الخير والفضيلة ورسم الطرق الواجب سلوكها للنجاح والسعادة - فان الامة الاسلامية ، بحاجة الى انتشالها من الاهواء التى تتنازعها ، والأيدى التى تتقاذفها وتجرها الى مهاوى الانحراف والميل عن الصراط السوى فما احوجها الى دعوة صحيحة تنيرلها طريقها فى هذا الليل المظلم الحالك ، فتجمع كلمتها وترأب صدعها ، وتبنى كيانها ، فتنقذها وتقودها الى الحق والصواب فتتجه الاتجاه الصحيح ، اللازم اتباعه فى سيرها نحو رسالتها العظمى ، رسالة الاسلام بكل ما له من تعاليم ومبادئ واخلاق ، ومثل عليا . .
٦- عرفت ان (( مكتبة قطر )) بالرياض تحت اشرافكم المطلق . . فهل لنا ان نعرف اهداف هذه المكتبة - والكتب التى نشرتها ووزعتها . ولحساب من . . وما يختص بواقعها من كل الاوجه ؟
جـ : لا يخفى على الجميع ما اسداه الشيخ على بن عبد الله آل ثانى ، من مآثر جليلة الى الشريعة الاسلامية ولغتها وآدابها , تتمثل فى قيامه بالانفاق بسخاء على طبع عدد كبير جدا من كتب الحديث ، والتفسير ، والعقائد
والفقه , والتاريخ ، والأدب ، واللغة ، ولا يزال وفقه الله بعمل على البحث عن المخطوطات الثمينة فى مكتبات العالم ، ثم يأمر بطبعها وتوزيعها (( مجانا )) على العلماء وطلبة العلم ، والمثقفين ، كما قام سمو نجله , حاكم قطر الحالي الشيخ احمد بن علي آل ثانى . بطبع عدد من الكتب ، وتوزيعها مجانا ، ولسنا فى مجال شكر سموهما على نشر وسائل العلم والمعرفة ، فهذا متروك للتاريخ وهو كفيل به .
اما عن مكتبة آل ثانى فى المملكة - فانها توجد فى الاحساء ، واسمها (( المكتبة القطرية )) بالاحساء ، ولها امين خاص وموظفون ، أما الرياض فلا توجد بها مكتبة لهم وانما يرد الينا بين آونة واخرى دفعة من الكتب ، التى يجرى طبعها ، ونقوم بتوزيعها فور وصولها على المكتبات العامة ، وطلبة العلم المستحقين لها . وليس التوزيع مقصورا علينا ، وانما يرد الى اصحاب الفضيلة العلماء ، وطلبة العلم ، وكثير من الاخوان بالرياض يطلبون الكتب رأسا من قطر ، ومثل هذا بالنسبة لمكة المكرمة ، وجدة وغيرهما . .
٧ - حبذا لو تفضل فضيلتكم ، بنصيحة دينية وخلقية لشبابنا الحائر فى دنياه من الجنسين ، وماذا يجب عليهم ان يفعلوه لنكون بحق (( خير أمة أخرجت للناس . . )) ؟
جـ : ذكرتم فى سؤالكم ان شبابنا حائر فى دنياه ، واظن هذا السؤال فيه شئ من المبالغة , فالشباب عندنا ليس بحائر بكل معنى هذه الكلمة ، وانما يعترض حاضره مشاكل كالتى تعترض الشباب فى كل امة , فاذا ما وجه هذا النوع من الشباب التوجيه
الصحيح فسوف تزول مشاكله ويتسلم الطريق السوى .
اما نصيحنى لاخوانى الشباب ، فهي ما اوصى به نفسى واخوانى ، بان يعتصموا بدينهم فيتمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ، فان تعاليمهما كفيلة بتربية النفوس ، وتهذيب الاخلاق . وسمو الاهداف ، والنزوع عن مكان السوء ، ورفعة النفوس عن الانانية والاثرة . . فان الاسلام قد حوى اصول الخير والفضيلة ، وأمهات الصالحات فأمر بها ورغب فيها ونهى عن اضدادها وحذر ، ولم يغفل الاسلام الجانب الدنيوى فقد رغب فى العمل المباح , والاستمتاع بما جعله الله من كرامات بنى آدم في هذه الدار (( كلوا من طيبات ما رزقناكم )) (( ولا تنس نصيبك من الدنيا - وأحسن كما أحسن الله إليك ))
وخلاصة الكلام ، ان دين الاسلام فيه الخير كله قال الله تعالى : (( ما فرطنا فى الكتاب من شئ )) فحرى باخوانى من الشباب المسلم الغيور ، ان يحافظ على كيانه الروحى وبالمحافظة عليه ، ضمان لبناء كيانه المادى والادبى ، وبالتالى ، يستعيد جيلنا امجاد آبائنا الاقدمين ، الذين سجل لهم التاريخ الاعماء العظيمة والانتصارات الكبيرة : (( ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوى عزيز )) ، فاذا اخذنا بتطبيق تعاليم ديننا تطبيقا صحيحا . فاننا - خصوصا - الشباب هنا ، رجالا ونساء , سوف ننبذ ما اخذناه من تقاليد غيرنا فى امور تافهة ، لا تعود والخبر على مجتمعنا , بل يترتب عليها مفاسد ومضار قد تجر الى ما هو افتك وانكى .
ولسوف ننصرف عن التطلع الى بريق الحضارة الزائف ، الذي دخل علينا فى عقر دارنا ، وجرفنا بتياره ، ونرى فيه دلائل من شأنها اذابة الاخلاق ، وصهر افكار شبابنا في دائرة مليئة بالشكوك ، بمقومات امتنا الروحية ومليئة بالدعوة السافرة الى اعتناق المبادئ المستوردة والاخلاق الفاسدة . . فليكن لشبابنا من ديننا القويم سد منيع لا يمكن لتلك المبادئ ان تتخطاه اليه . .
المحرر الادبى :
١ - رسالة المنهل منذ انشائه . . رسالة للدين وللادب ، للاجتماع وللتاريخ ، للغة وللحياة ، رسالة مشتركة لا تتجزأ ، وايمان القائمين على تحريره ايمان عميق بأن الدين اساس لكل حركة توعية . . ورغبة فضيلته بتخصيص ركن او زاوية للدين وشؤونه - رغبة نود تحقيقها بتجاوب علمائنا الاجلاء - وارشاد الحياري في الحياة - فها هو الباب (( طريقنا إلى الله )) مفتوح . . ونتجه بهذه الرغبة الى فضيلة الشيخ اسماعيل الانصارى خاصة .
ان الذي دعوت اليه ولا زلت . هو : ان يتولى علماؤنا وفقهاؤنا ووعاظنا -ارشاد الناس فى مساجدهم بعد كل فريضة مكتوبة ، فى بيوتنا ، فى شوارعنا - فى اى مكان نلتقى معا ، الى الخير الى طريقنا إلى الله . . بالموعظة الحسنى : (( وجادلهم بالتى هى أحسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم )) بعبارات شيقة - جاذبة للقلوب لذكر الله (( الا بذكر الله تطمئن القلوب )) الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله العظيم . .
حياة فضيلته فى سطور :
١ - كان مولده في قرية (( المريدسية )) احدى قرى القصيم التى قاعدتها مدينة (( بريدة )) وذلك فى عام ١٣٤٣ ه . وفيها تلقى علومه الاولية - وعندما انتقل والده الشيخ (( عبد الله )) الى بريدة انتقل معه - وكان والده قاضيا - فاخذ عنه نصيبه من العلم . ثم بدأ يدرس على عديد من علماء بريدة العلوم الشرعية - فأخذ منهم قدرا لا بأس به من مختلف العلوم الشرعية الاسلامية ومنهم العلامة الكبير عمر ابن الشيخ محمد بن سليم . والشيخ الورع (( عبد العزيز بن ابراهيم العبادى )) وغيرهما . .
٢ - وعندما اختير والده الشيخ (( عبد الله )) رحمة الله عليه ، لتولى القضاء في عدة مدن من المملكة رافقه في تنقلاته القضائية مدة طويلة ، واخذ عنه كثيرا من الطرق الشرعية وعلومها وعن كثب تمكن كيفية تطبيقها , ومعالجة مشاكل القضاء فى الاماكن التى عمل فيها فضيلة والده المرحوم .
٣ - التحق فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله بن عودة باول عمل (( امام ومرشد فى صبيا ، ثم مشرقا على أعمال الحسبة في جازان وذلك في عام ١٣٦٢ هـ- ثم انتقل للعمل بجانب والده في محكمة جازان ، وفى عام ١٣٧٠ صدر الامر السامى بترفيعه للعمل مساعدا لرئيس محكمة الدمام الشرعية ، وعضوا لمراقبة المطبوعات في المنطقة الشرقية , علاوة على وظيفته ( المساعدية ) حتى تمام ١٣٧٤ ه وفي هذا التاريخ نقل رئيسا لمحكمة الخبر الشرعية .
٤ - في عام ١٣٧٦ ه عندما تكاملت الهيئة الدينية القضائية فى محكمة الخبر ، واصبحت للخبر محكمة كبرى اختير لان يكون مساعدا لرئيسها . . ثم فى عام ١٣٨٠ رقى الى منصب الرئاسة بها ، وفى اثناء ذلك انتدب عضوا فى هيئة التمييز بالرياض ، ثم صدرت الموافقة على نقله من رئاسة المحكمة الكبرى بالرياض - الى عضوية رئاسة القضاة بالرياض - وهو عمله الحالى نرجو له المعونة والتوفيق والمثوبة . .
