ليس هذا العنوان وليد فكرة عابرة . إنه " ابن " دراسة عشرين عاماً أو ازيد . فقد دنت أستشف من خلال مجرى الحوادث ، ومما اقرأ وما اسمع ، مميزات الرجولة في هذا الرجل ، فأستشف من خلال ذلك الشئ الكثير من معاني النشاط والاخلاص في سبيل تقدم الوطن في شتى مرافق الحياة فيه ..
والرجل الذي نعنيه هنا هو ذلكم ) الأديب الاول ( وهو ذلكم ) الاقتصادى الاول ( سعادة الشيخ ) محمد سرور الصبان ( .
وليس المقام مقام استيعاب لتحليل مميزات الرجولة فيه من كل الوجوه فما إلى ذلك الآن سبيل وانما هي محاولة . ومحاولة فقط لجلاء بعض ) النقط ( البارزة في حياته الحافلة .
يعود ) سر ( الرجولة في الشيخ محمد ، الى مواهبه الشخصية ، وللوراثة وللبيئة أثر بارز فى تكوين هذه المواهب ، فقد أنمته تربية قويمة راشدة ، وغذته بيئة ميمونة صالحة مصلحة . فنشأ سامي النفسية ، سامي المبادئ ، سامي الآراء مفطورا على حب الاصلاح ومن دأب من كان كذلك ان يوجد نوعا من التجديد فى دائرة محدودة أو واسعة بحسب الظروف والاستعداد .
الصبر وحسن القصد
نقطتان بارزتان فى حياة الشيخ محمد ، هما الصبر وحسن القصد . واذا تضافر هذان العاملان القويمان فى حياة إمرئ سموابه إلى الذرى
والصبر . هو ) الشعار الاول المفضل ( لدى الشيخ محمد ، فيه يذلل العقبات الجامحة ، وبه يصل الى الاهداف النائية ، والطاقة المذكورة منه عنده وافرة
كثيرة وقد عني به ناشئاً ، وعكف عليه شاباً ، وأشاد به شاعراً وكاتباً ففي كتابه ) ادب الحجاز ( تقدير للصبر وحض عليه ، فهو السلاح الواقي من شرور الناس ومن الداء الدفين ، وهو السفينة التى توصل الى الهدف المنشود مهما يكن بعيداً . قال في الوطن ) ١ ( :
ولسوف اصبر للمصائب والكوارث والبعاد
حتى اراك ممتعاً بالعز ما بين البلاد
وقال من قصيدة :(٢)
يا بني اصبر ولا تيأس اذا مسك الهم وجافاك الخدين
ان في الصبر سلاحاً واقياً من شرور الناس والداء الدفين
وحسن القصد في الأمور... هذه الخصلة الحميدة تمتثلها نفسية الشيخ محمد أجلى امتثال . فهو يجب ان تؤتى الأمور من طرقها والبيوت من أبوابها . وقد بني حياته على دعائم من هذا الخلق الرصين ، ومن قبل فكر وقدر فرآى ان من حسن القصد في انهاض البلاد ان تنتشر في ارجائها تيارات الادب الحديث حتى إذا استيقظت الامة من اغفاءتها قدمت لها المشروعات الاقتصادية والعمرانية على اساس من الاستعداد المواتي وحسن القبول المأمول .
وهكذا وثب بالأدب الحديث وثبته الاولى ، فألف ونشر وطبع ، فلما ادرك بعد ذلك ان " طائر الأدب " قد اطمأن الى انتشار اجنحته في الآفاق ، انطاق الى مجال آخر ليدعمه وينظمه وهذا المجال الجديد هو ) حقل الاقتصاد ( هذا الحقل الذي بصلاحه تسعد البلاد وتتقدم خطوات واسعة الى الأمام .
وقد اعمل فى هذا الحقل المهجور ) رفشه ( فحرك السوا كن ، والف الشركات التضامنية الناجحة باموال المواطنين وافكارهم وسواعدهم وهكذا إحتفلت البلاد بميلاد شركات التوفير والصادرات والطباعة والنشر
هى مقدمة طيبة لتطور اقتصادياتنا من ) الفردية ( المحدودة الى ) التضامن ( الممتد المجيد ويوم يسود التضامن . الاجتماعي ، اقتصادياتنا يومئذ تبحث عبقرية الشيخ محمد عن حقل آخر لتنظمه وترفع من مستواه
تلك سياسة المراحل الرشيدة أملتها سياسة من سياسة ) حسن القصد ( البعيدة الأثر . والفعال .
ومن الحق ان نقول اننا قد اكتشفنا توخيه لسياسة ) حسن القصد من كتابته بنفسه
قال :(١)
( سيروا منا تخرج العقول من مضايق الشخصيات سيروا بنا نتنافس فى جلب المفيد للأمة . وحينذاك ترتقى فى مدارج الرفعة ، متنقلين من الصالح الى الاصلح حتى نصل الى درجات الكمال).
فى هذه الجمل الموسيقية القصيرة البليغة رسم الأستاذ محمد سرور ظلال برنامج النهضة فى البلاد ، على سنن من ( الصبر وحسن القصد ) فلنعن قبل اي شئ باطلاق عقولنا من قيودها ، ثم لنوجه هذه العقول الى ميادين النهوض الاجتماعى والاقتصادى والعلمى والعمرانى ، متنقلين من الصالح إلى الأصلح ومن المهم الى الأهم حتى يرتقى درجات الكمال.
وقد اكتشف مكتشف العبقريات العاهل العظيم باني مجد الجزيرة الحديث جلالة الملك ) عبد العزيز آل سعود ( هذه العبقرية فتطف جلاله بأناملة مهام ) الادارة العامة لوزارة ماليته ( إلى محمد سرور الصبان ، كما أناط به مهام أخرى فكان مثل الرجل الكفء المخلص لمليكة ووطنه وأمته وعمله فحظى بالعطف الكريم من لدن جلالته ، وبالتقدير من المواطنين
صديق الجميع
من هم الحاكم ان يرهب ، ومن هم الزعيم ان به وقد وهب الشيخ محمد
من خصال النبل وسمو العاطفة والشعور وسرعة البديهة ماوطد له الحب فى القلوب . هو اذن صديق الجميع . والجميع اصدقاؤه ، يبادلهم حبا بحب ، ويبادلونه اخلاصاً باخلاص . هم يشعرون أعمق الشعور بان هذا ) المواطن الممتاز ( يشاطرهم - على كثرة مشاغله - افراحهم وتراحهم ، وخصوصياتهم وعمو مياتهم وهو يشاركهم فى ذلك كله مشاركة الصديق لصديقه الحميم . ولن يبخل عليهم فى هذا كله بشئ من نصحه وارشاده ، ولا بشئ من جاهه ، ولا بشئ من ماله وكل منهم يشكر له هذا ويقدره ويثنى عليه تجاهه عاطر الثناء ، ويضمخ المجالس الخاصة والعامة بهذا الثناء العاطر وهو الى ذلك يستقبل هذا السيل المنهمر من الوفود والزوار ببشاشة تسرى عن المكروب كربه ، وببشر يعيد للمكبوت إنشراحه وإبتسامه.
انه صديق الجميع ، فليقبل اليه الجميع فى حفاوة واطمئنان وتلك ظاهرة من مظاهر الرجولة فيه .
الدين والمواساة
التحديد فى الحياة ، والمحافظة على الدين القويم ذلك دثار الشيخ محمد ، والدين الصحيح من اقوى الحوافز الى التجديد فى الحياة . اما المواساة للفقراء والمنكوبين ، فذلك مجال رحيب ضرب فيه الشيخ بسهم وافر . والمواساة من أسمى أخلاق الانسانية فى أروع صفاتها . انها تشعر المواسى والمواسي بالتعاطف والتراحم فتسود لمحبة بين الناس ويسود التضامن والاصلاح والنهوض .
قلب كبير
و " سعة الصدر " . هد الخلق العظيم من مميزات هذه الشخصية فهو يستقبل الأمال بالتبسم، ويستقبل الآلالم بذلك الأبتسامة . وهو حركة دائية على ضعف فى جسمه ، يقوم بالاعمال التى تنوء بها العصبة ، وإنما يقوم بها قلبه الكبير ، وبذلك ينجزها فى يسر وهدوء ومضاء عزيمة ، فى دقة ملاحظة
ونظر بعيد . . ذلك دأبه فى اعماله الرسمية ، وذلك دأبه فى أعماله الوطنية التى لا نقل عنها اهمية.. وهو مع ذلك وقبل أقبل كل شئ . . يأنس الى الديوان الشعرى ، والكتاب التاريخي ، والمؤلف القديم والحديث ، ولابد له من مطالعة تشرح صدره ، ولا بد له بعد ذلك ومع ذلك من قرض شئ من الشعر الذي تلج به الطبيعة الشاعرة الحساسه الصموت ، ولا بد له من معالجة الكتابة الأدبية فى شتى الموضوعات . والوقت ضيق محدود ، ولكن القلب الكبير " يعرف كيف يوسع من شقة هذا الوقت الضيقة النطاق ، فاذا هنالك مطالعة لكل طريف ولكل جديد ، واذا هنالك إنتاج حفي رائع
وبعد فان هذا " القلب الكبير " فيه من كل زعامة طرفة . ففيه من " سعد زغلول " مثلا ، شجاعته وحسن قصده وصبره وأناته ولباقته وفصاحته وحسن إداراته لدولاب الأعمال والنهوض بجلائل الامل . وفيه من دماغ " طلعة حرب " قتصادياً وعبقريته وطموحه وحماسته . وفيه من شاعرية "حافظ إبراهيم " وطنيته وسمو معانيه ، وفيه من اسلوب " مصطفى كامل " روعته وتلهبه واشراقته .
وهكذا يكون الرجل وهكذا تكون الرجولة !

