رحمك الله يا أبي

Share

صور كثيرة متلاحقة . . بعضها مختلط ،  والبعض الآخر متباعد . . كانت كل واحدة منها تغاير الاخرى . . بين زوايا كل منها تبعثرت الأضواء . . انبعثت الاصوات والصرخات . . تقاتلت الالوان . . هذه بقعة حمراء ، تزاحمها أخرى سوداء . . وثالثة لونها مزيج من كل الألوان . .

نموذج لتلك الصور التى اعتر كت في دماغه المتدثر بخصلات من الشعر الخفيفة المتدلية بهدوء . أما فى وسط هذا الرأس فقد كانت بقعة من الفراغ تبدو كصخرة ملساء . . كانت لامعة ناعمة ، ثم تنحدر قليلا قليلا ، الى الامام ، فنرى الجبهة الناتئة وعليها بعض الخطوط المتعرجة ، ممتدة على مقدمة الرأس تشبه خطوط الهاتف المشدودة حيناوالمرتخية حينا آخر ، لكننا لو حاولنا الدخول الى ما وراء هذه الجبهة لوجدنا تلك الصور وهى في عنفوان فوضاها . . في ضجيجها الصامت . . حقا . . كان ضجيجها أخرس لا تتعدى أصداؤه أعماق المسكين (( توفيق )) الذى كان مستسلما لهذه الغيبوبة الصاحية التى شابهت أحلام اليقظة في شكلها ، وليس في مضمونها ومعناها . .

نعم . . لم تكن بالأحلام التى تنفرج لها أسارير الوجه بالبسمات الهادئة الحلوة  . . بل تماما على العكس ، فقد كانت أعماق المسكين (( توفيق )) تنفجر لها ألما وحسرة ، ألما أحرق له ما تبقى على أديم الحياة ، حياة المستقبل من بقايا الامل التى كانت تشبه الزغب . . فجاء هذا الألم ليحرمها لذة الطفولة . . وجمال الحياة . . نعم ، فما من انسان في مثل سنه لا يتـعر بهذا

الحريق الذى اكتوى به منذ سنوات طوال ، سنوات ست كانت تساوى القرون في حسابه . . في احساسه ، ونفسيته المعقدة . .

كانت هناك أصوات آتية من دار قريبة . . على بعد أمتار من دكان توفيق . . أصوات صغيرة يسعها بين الفينة والفينة . . منذ الصباح وحتى قبيل الظهر حين يخرج الاطفال الصغار من المدرسة المجاورة .

واذا خرجوا . . واذا مر أحدهم من أمامه وفي يده حقيبته التى في مثل سنه وهو يسير بخطوات حلوة بريئة . . عيناه تسبحان في أحلام الطفولة . . ثغره يردد بعض الأحرف الهجائية . . أو سورة من القرآن الكريم صغيرة ، واذا غطى بظله الصغير أقداما من الارض أمام دكان توفيق . . كان هذا يسترجع في رؤينه صورة لماضيه . . يوم كان في منل سنهم : يحمل في كل صباح كتبه ودفاتره تحت ابطه حيث باب المدرسة في انتظاره . . ثم يرى صورته وقد كبر بعد سنوات ست حيث التحق بالمتوسطة . .

وعادت به الذكرى الى زملاء الفصل ، الى ضجيج الطلبة . . الضجيج الحله الى نفسه .

ثم مدس الرياضيات القصير الأصلع . وما كان ينثره من سخرية وطرائف يفتح بها شهية الطلبة لدرسه . . كانت هذه الصور تتتابع في ذهنه ، في أعماقه ، فى كل جزء من نفسه ، وجسده الناحل ، كل هذا وهو لم يزل على المقعد الخشبى تحت شراع أخضر ، على باب دكان صغيرة ملأتها أدوات كثيرة أشهرها المنشار والمطرقة . . كان توفيق نجارا ، ابن نجار . . كان توارث المهنة . قذفه هنا بين ألواح الخشب والأدوات الحادة القاسية . .

  هنا برزت لمخيلته صورة كبيرة من أكثر الصور تأثيرا في نفسيته . . حتى في تفكيره ، كانت تشله ، تمنع عنه الحياة الحلوة . . الحياة التى يستمتع بها الانسان بلذةالتفكير المجدى ، وبهجة التخيل المصاحبة لمولد كل أمنية في النفس . . فما من أمنية أو أمل الا وتصحبه سبحات خيال في أجواء شتى . . فيما يرتبط بالأمنية فيما يرتبط بالخيالات التى كانت تحوم في آفاقه ، ذلك الانسان الذي لا يمكنه الكف عن التمنى والتخيل . .

ففيهما أكسير الحياة . . فيهما لذة العيش خاصة إذا كانت حياته ملأى بالجراح والأنين . . أما توفيق فلم يكن بامكانه . . التمتع بهذه الخيالات ولا بهذه التمنيات . . فقد سلبت منه الأمانى ، وهو بعد ، في ربيع الحياة . . فى سن الحيوية . .

وهنا تذكر بداية القصة . . كان في مرحلة التوجيهية . . وفي أول أيام الدراسة ، حين وصل الى فناء المدرسة حيث افترش سجادته الحمراء ، كان هناك قليل من الطلبة ، فالوقت مبكر . . كان شابا تملأ جسده دماء الشباب الفوارة ، وفي دماغه كانت تتجمع الافكار ، ثم تمتزج مع مشاعره الغضة ، واحساسه المرهف ليمسك باليراع المتواضع بين أنامله ،

ويسجل أشياء يجدها في نفسه . . حصاد دقائق قليلة هبت عليها نسمات لطاف أثر ضباب رق شفيف تخللته خيوط النور الحريرية . . فكانت هذه الوريقات التى تحتفظ بذكرى أول يوم دراسي في ذلك العام . كانت تقول :

الهواء رقيق ناعم ، السماء خالية من السحب . . الضباب خفيف بظهر واضحا على بعد . وتتلاشى رؤيته كلما ازداد اقترابه . . كان نائما على أكتاف الجبال العالية ، الشامخة في سكونها الأزلى . . الأطيار تتغنى . . تقفز من هنا ، من الارض ، الى تلك الشجيرة ، الى ذلك الغصن . فوق الجدار تلتقط ما يجود به الخالق من وريقات خضراء متساقطة . الشمس في أولى ساعات حياتها اليومية المتكررة ، كانت لطيفة ، فالهواء لم يكتسب ، بعد ، حرارتها فهو منعش رقيق . .

أصوات الطلبة ، جماعاتهم ، عند هذا العمود . . هناك بجانب آخر . . هذا طالب في يده أكواب الشاى كان آتيا بها من المقصف .

اللحظات تمر كما هي ، سرعة السيارات المجنونة على أديم الطريق المجاور . . لكنها كانت تنقضى في بطء ، هادئة حلوة ، أما السيارات فكانت تجرى . . تجعل من الطريق أفعى سوداء تتلوى تحت دواليبها . . كانت تهدر ، تزمجر . . ولكنها بعيدة عنى خلف السور . . وأنا هنا داخل الفناء . . فناء المدرسة . . الساعة الواحدة صباحا وأفواج الطلبة لم يكتمل لها عدد . . فهذا لم يستيقظ من نومه . . وذاك لم يتناول افطاره . .

وآخر يغط في نومه ، لأنه في أحضان (( كلة )) : (( ناموسية )) كحلية تحجب عنه ضوء النهار ، في هذا الوقت كانت نهاية الصيف تسير في بطء . . كسلحفاة عجوز . وهذا يعنى بداية الدراسة وموسمها . . حياة العمل بالنسبة لجمهور الطلبة . .

ولم يرد تكملة القراءة كأنه ضاق بها ذرعا ثم يرخى رأسه قليلا فتسقط من فوقه (( الكوفية )) على الأرض وقد سبفتها دمعات ساخنة من عينيه الدافئتين بالحزن ، حقا ، انها لذكرى يشقى لها القلب الحي . . ذكرى الدراسة وأيامها الحلوة وما فيها من عرق وجهد . . ثم يخطو في تأملاته مع أيام الدراسة . . قليلا . . قليلا . . بعد لحظات بحد نفسه في نهاية العام . . أيضا بعدظهور النتائج . . لم يكن حظه سعيدا بالمرة ، كان من أوائل الناححين ، ليس هذا وهما ولا خيالا . . ولا حتى أمنية في لحظة حلم يقظ . ولكن ما كان النجاح مهما لديه اذا ما علمنا ما الذى سيكون . .

حقا . . من الغريب أن يستقبل انسان مثل هذا الخـ وفي أعماقه تتقاتل المشاعر والافكار كذلك الخوف . . ذلك الذى كان براوغ الأمانى ، والثقة والعزيمة . . يتسرب الى نفسية توفيق . . واذا كان من الناجحين . . واذا كان من أوائلهم . . فهل لهذا معان تنبث في نفسية توفيق فتشيع فيها الحياة السعيدة في شتى أرجائها . . ؟ لا أعتقد . .

فما كان توفيق بالذى يهتز فرحا بخبر النجاح ، ولا يخبر البعثة التى ستذهب الى أوروبا . . هناك . . حيث مواصلة التعليم ثم الحصول على الشهادة العليا . . كل هذا وعن غير أن يخسر والده نفقة الدراسة . .

أو حتى قيمة الاركاب . . وما دام من الأوائل فسوف يجد عناية أكبر وتشجيعا أكتر . . ولكن . . لكن ما فائدة هذاالحديث . . انه يشبه التهويمات الخادرة ، والهواجس التى تكتنف الصدور حين تتردد بين حناياها الامانى في تيار قوى تتهاوى عنده صروح التعاسة . . ومن ثم تقوم ذرات الحياة لتقف على قدميها بعد ان تختفى فلول التيار . . وتختنق العبرة في عيني توفيق . . وتتردد

بضع كلمات يريد قولها يتنفس بها عن حرقته . . ثم تخرج بقوة مع تنهيدة موجعة . .

رحمك الله يا أبى . . سامحك الله فأنت السبب . .

ويغطى وجهه بكفيه ليبللهما بدموعه الملذوعة . . وتتساقط على الارض . . وتتساقط معها بضع صور من مخيلته ، كانت مخبأة في شقوق ذهنه . . بعيدة عن ناظريه . . ثم يراها تتكسر على صخور الحياة الصلدة . . وبسرعة ينحنى ليلتقطها . . ثم ينظر ما تضمه بين جوانبها . . ولكنه يكاد يقذف بها . . بعيدا . . هناك حيث لا رجوع ثم يقف يتأملها . . ويصمت لحظة ليقول بينه وبين نفسه . .

- حقا . . لقد كنت أنا المخطئ ، في حق نفسى ، نعم أنا السبب وليس أبى . . أبى رحمه الله لم يدفعنى الى أبواب المدرسة . . أبى لم يقذف بى بين مقاعد الدراسة . . أنا الذى فعلت . . ثم أنا الذى أضعت ايامى وساعات راحتى ونومى لنيل الشهادة الثانوية . . وأنا الذى تخيلت نفسى من بين أفراد البعثة . . أما أبى فقد كان من حقه أن يأمرنى بالعمل معه منذ الطفولة في الدكان .

مسكين ، لقد ضيع أيامه لينفق علي ، أنفق راحته في سبيل سعادتى . . ولما انتهيت من الثانوية كان لزاما أن ابقى معه وهو في سن الشيخوخة . . كان واجبا علي أن اعمل معه . . أن أرضخ لطلبه بعدم السفر . . بالأصح اصراره . . لتعنته في ذلك . . لو كان ذلك لما شعرت اليوم بالأسى . . لما . .

ويصمت قليلا . . ثم يتنهد  ـيقول بينه وبين نفسه :

مهما يكن فقد ذهبت الفرصة . . ورحم الله أبى . .

اشترك في نشرتنا البريدية