كل ام تحاول أن تربى طفلها خير تربية . . ولذلك فهى تصاب بالدهشة والهلع وهى ترى جهودها في تربية ابنها وتهذيبه تذهب هباء وتحاول معرفة السبب فتعجز عن ذلك فلا تلبث ان تلقى اللوم كله على هذا الابن السئ التربية زاعمة انه خلق هكذا لا تنفع فيه تربية أو تهذيب .
والواقع ان هذا الزعم بعيد كل البعد عن الحقيقة فليس هناك طفل تنفع فيه التربية وطفل لا تنفع . . كل ما فى الامر ان التربية نفسها هى التى تختلف من والدين الى والدين آخرين . . وهناك بعض العيوب المنتشرة في التربية التى يقع فيها الاب او الام دون قصد او معرفة وهذه بعض الامثلة عليها :
المثال الاول : الوالدان اللذان يرسم كل منهما في نفسه الطريقة التى بريد أن يربى عليها ابنه . كان يرى الاب ان الحزم والشدة في معاملة الاولاد هى خير طريقة لتهذيبهم وتأديبهم حالما ترى آلام ان غمر الطفل بالحب والحنان والتدليل والتسامح عن أخطائه هى وسيلة افضل للتربية وهكذا ينشأ الطفل حائرا بين الطريقتين فهو يلقى من احد والديه كل صرامة وحزم حينما لا يلقى من الآخر سوى الحب والحنان والعطف مما يدفعه الى مقاومة وتحدى شدة والده وحزمه مستعينا بعطف والدته وتسامحها معه . وهذا عدا اثارته الشقاق بين الوالدين فانه يسبب للطفل شيئا من الانفصام فى شخصيته فهو تارة ضعيف الشخصية فاقد
الثقة بنفسه وهو تارة عنيد يقاوم كل ما يفرض عليه من أوامر ويتحدى كل نصح أو توجيه . لذلك كان من الواجب ان يتفق الوالدان منذ البداية على كيفية تربية ابنائهما واختيار الطريقة السليمة وهى تلك التى تجمع بين اللبن والحزم في آن واحد .
المثال الثانى : الام التى تحاول تلقين ابنائها الاخلاق والمبادئ الكريمة وتعمل على غرس القيم الخلقية في نفوسهم مثل : الصدق والكرم ومساعدة الغير وانكار الذات وغير ذلك حالما انها هى تتصرف بما يخالف ذلك كان تنهى أولادها عن الحديث عن الناس وذمهم وتعاقبهم اذا فعلوا ذلك في حين انها لا تترك مناسبة الا انتهزتها في اغتياب جاراتها ومعارفها ، أو ان تنهاهم عن الكذب وتذمه لهم وتحذرهم من الاقدام عليه ثم لا تتورع هى عن الكذب عليهم أو على زوجها او معارفها مما يلاحظه الاطفال ويدركون معناه فلا ينفع فيهم بعد ذلك قول أو تحذير . ان القدوة الحسنة هى خير وسيلة للتربية الفاضلة ومن هنا كان على الوالدين التزام قواعد السلوك والآداب واتباع المبادئ ، الكريمة كى ينشأ الابناء على نفس المثال .
المثال الثالث : تدليل الوالدين او احدهما للطفل اثناء سنواته الاولى بحجة انه لا يزال صغيرا على التربية ولا يفهم ، والواقع ان الامر عكس ذلك . فالسنوات الخمس الاولى هى حجر الاساس في تربية الطفل . . فالطفل يكون فيها سريع الفهم والالتقاط والتعلم واذا لم يحاول الوالدان استغلال هذه السن في تعليم لطفل وتهذيبه فانهما يجدان انه من الصعب
عليهما محاولة تعديل الطفل بعد هذه السن وتصحيح اخطائه مثلا الطفل الذى يعوده والداه على تلبية جميع رغباته فى سنواته الاولى ويعودانه على الحصول على كل ما يريد حتى ولو دعاهما الامر الى اخذ الشئ الذى يريده من ايدى غيره من الاطفال خوفا من بكائه وصراخه - مثل هذا الطفل ينشا انانيا محبا لذاته يريد كل شئ لنفسه دون غيره وسيجد الوالدان كل الصعوبة في ازالة هذا الطبع واقتلاعه من نفسه وقد يلجآن الى العقاب في سبيل ذلك ولكن دون جدوى . فالعقاب هو احدى الطرق الخاطئة في التربية ، التى تزيد من اصرار الطفل على التمسك بخطئه .
المثال الرابع والاخير : الوالدان اللذان يعتقدان ان ولدهما في حاجة مستمرة لعنايتهما ومراقبتهما له وقضاء حوائجه ومتطلباته مما يجعل الطفل عاجزا عن الاعتماد على نفسه محروما من الاستقلال الشخصى اللازم لكل فرد .
فالاب يضيق على ابنه الخناق ويراقب جميع حركاته وسكناته ويمنعه من الخروج او الرحلات او الاسفار بمفرده بحجة التربية والخوف عليه من الانحراف والفساد . والام تبذل جهدها فتقوم عنه بجميع أعماله فهى لا تترك له أى عمل ليقوم به بنفسه دون مساعدة منها وهى تحسب ان في هذا قياما بواجبها نحوه وعناية به . وهذا يجعل الطفل دائم الاعتماد عليهما في صغره وعندما يكبر يبدأ في الاعتماد على غيره من الناس ويشعر بالعجز عن القيام بأى عمل فردى دونما مساعدة من الغير .
ان الوالدين يخطئان كل الخطا حينما يحاولان تربيتهما لابنهما بان يقيداه اليهما ويجعلاه لا يستطيع الاستغناء عنهما ذلك ان الحياة تتطلب من كل فرد ان يتمتع باستقلال شخصى وقدرة على الاعتماد على النفس تمكنه من مواجهتها وقليل هم الآباء والامهات الذين يعدون ابناءهم لمواجهة الحياة وتحمل اعبائها .
هذه بعض عيوب التربية الشائعة التى ارجو ان اكون قد وفقت فى عرضها وسأعمل فى المرات القادمة على
ذكر بعض العيوب الاخرى التى ارجو من ذكرها تحقيق الفائدة المطلوبة في تربية النشء والعناية بهم .
( الطائف )

