الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

- سؤال :، كيف ترون دور العالم في المجتمع اليوم، اوبنهيمر

Share

ظن أنه من الواجب الاحتراز من الصورة الجامدة القارة التى نرسمها فى بعض الاحيان للعالم . ذلك أننا لو نظرنا الى حملة ألوان النشاط الخاصة بالتحصيل على العلم او استغلاله وجدنا انها شغل قسم كبير من البشر . ثم ان عدد الذين يقومون بمثل هذا النشاط لم يزل يتضاعف كل عشر سنوات منذ ما يقرب من قرنين . وينتج عن هذا ان ما يمكن تسميته بالاسرة العلمية هو شديد الاختلاف فى اهدافه ومصالحه ومناهجه وانه من المستحيل رسم صورة " للعالم المثال " .

غير أن هناك شيئا يشترك فيه جميع أعضاء الاسرة العلمية سواء كانوا مخترعين أو فنيين ، علماء حياة أو أثريين ، فلكيين أو فيزيائيين وهو متانة العلاقات التى تربط بينهم وبين زملائهم الاشد اتصالا بهم ، وانعدام الالتباس في الألفاظ التى يستعملونها وموضوعية التبادل الذى ينشا بينهم

وهناك بلا شك مثل من انجع الامثلة التى يتحفنا بها العلم وهو مثل أشخاص تعلموا بحكم العادة والتربية التعبير بصفة لا يبقى معها شك عما يريدون أن يقولوه اذ ان كل واحد منهم يمكن له التحرى من صحة وموضوعية

ما يقوله له غيره

وبصفة أعم فأنه من اليقينى أن التطور العظيم للمعرفة الذى طبع العشرات من السنين الماضية أحدث انقلابا عميقا فى كل مشاكلنا . وكل يعرف ما غيره هذا التطور فى ميادين السياسية والاقتصاد والتكنيك والحرائد لاتنفك تكرره كل يوم . الا ان ما نعرفه أقل من غيره هو أنه غير ايضا بنية المعرفة

ولم يبق الامر محصورا فى مجموعة موحدة من معارف في متناول الجميع مع بعض ميادين خاصة بالتخصص بل تعداه الى شتات عظيم من معارف بلغت من التخصص مبلغا عظيما واصبحت لا تنتسب الى بعضها بعض الا قليلا

وثقافتنا لم تبق لها أية قرابة بثقافات القرون الوسطى والثقافات الكلاسيكية وأصبح من المستحيل ان نؤلف منها وحدة منسجمة ولذلك يجب على كل فرد ان يعمل فى حقله وهو غير معرض عن اعمال الآخرين ومتهيئ لتفهمها .

وتشتت المعرفة هذا صير مشكلة  التبادل بين البشر أشد صعوبة اذ انه جعل منها بالضبط المشكلة الهامة بالنسبة لعصرنا فبامانة العلاقات التى تربط بين مختلف فروع النشاط وبحيويتها يتعلق فعلا التحام مجتمعنا

ثم انه لايتيسر تلقين الاطفال كل ما قد يمكن ان يحتاجوا الى معرفته ولهذا السبب يكون من اللازم اقرار التبادل بين مختلف مناطق النشاط .

وفى مجتمع كبير متنوع مثل مجتمع الولايات المتحدة يجب علينا بذل مجهودات عظيمة للاحتفاظ بالالتحام الداخلي . ونحن لم نصل الى ذلك وقد رأيت ان الكثيرين فى باريس شغلهم نفس الامر ثم اننا الى حد الآن قاصرون عن خلق التئاخى الذى تحتمه مشاكل عصرنا وهو امر خطير جدا فى رايي

سؤال : ما هى الموانع التى تقف فى طريق هذا التئاخي

او بنهيمر

فى النطاق الداخلى نجد الكسل والفشل والكثرة . ثم هناك نظام المناصب الذي يدفع الافراد الى الذود عما كسبوه من خطط . وفي الولايات المتحد عدد الاساتذة اكثر مما عندكم وذلك يجعلنا لا نتعلق اهتماما كبيرا بالخطة والالقاب .

ولهذه اللامبالاة ما يشينها ولكن فيها ميزة كبيرة وهو ان أحدا لا يفكر أبدا فى الاحتفاظ " ببقعته " غير أن نظام الرتب هذا يعد حقيقة عقبة فى سبيل احلال التبادل

وفى النطاق الدولى نجد ان العقبات الباعثة على الالم هى الناتجة عن نظام " التسخير الكلى " Totalitarisme او ردود الفعل عنه اذا ان كل امة تسعى قبل كل شئ فى حماية نفسها من التهديد الخارجى

برين : أود أن أعلق على ما قلته منذ لحظة فى شأن " انفجار " المعرفة العلمية . ولا يشك أحد اليوم فى أنه ليس فى مقدور أى انسان أن يلم حتى ولو بزبدة المعارف كلها لاتساعها وتنوع مادتها

الا انه من وجهة الافكار الاساسية أظن انه من السهل اليوم مما كان عليه منذ قرن الفوز بمعرفة لمختلف العلوم . ففي عصرنا نلمس تداخلا اكبر من ذي قبل بين العلوم المسماة " بالصحيحة "

فمنذ قرن كان علم الحياة يقتصر على وصف الاجناس . واليوم فهو يرتكز على سلسلة من الاختراعات ذات قيمة كبيرة رغم انها لاتكون قدرا ضخما وعجيبا من المعارف . فالفيزيائى يمكن له مثلا ان يلم بالمعاني الاساسية من علم الحياة بدون أن يدرس هذا العلم سنين طويلة

وأظن أن زبدة مختلف العلوم اصبحت اليوم تكون اكثر فاكثر مجموعة واضحة وأن هذه المجموعة ليست أعظم مما كانت عليه المعارف منذ قرن .

أو بنهيمر : هذا صحيح اذا عنينا انه ليس هناك " حاجز " لايمكن اجتيازه بين مختلف المواد العلمية بل بالعكس نجد وحدة كامنة للمعارف باجمعها . لكن عمليا لانفهم مادة من المواد الا من قبل المختصين فيها فالمشاكل الحياتية لها أسلوبها ونظامها وصعوباتها مما لايجانس ما يوجد في علم الفيزياء . وليس هذا يعنى أن بينها تناقضا وانما المسالة مسالة تجارب مختلفة

برين : من دون شك . ولنأخذ مثلا لذلك . فأعمق فهمنا اليوم لاهمية الظواهر الكيمائية الفيزيائية فى علم الحياة لايتطرق بنا الى تبنى النظرية التى كثيرا ما راجت في هذا القرن والقائلة بأن علم الحياة ينحصر في فهم عوامل الكيمياء والفيزياء بل انى اعتقد اننا نقترب من الوقت الذى يزداد فيه فهمنا لما يختص به علم الحياة بالنسبة للعلوم الفيزيائية

سؤال : هل تظنون ان نمو العلم واتساعه المطردين يخولان للعالم اكثر فأكثر الانسجام مع المجتمع أم انهما يزيدان اتساعا الشقة التى تفصل بينة وبين باقى المجموعة البشرية ؟

أو بنهيمر : ان الامرين ممكنان . ولنا فى هذا الباب مسؤولية عظمى وهى مسؤولية تكوين الشباب . فيجب علينا ان نبذل كل مجهوداتنا لتلقينه التفكير العلمى ولتعليمه الموضوعية والدقة والوضوح . ففي مجتمعنا بقي العالم شخصا غريب الاطوار مثل الشاعر غير انه يجب عليه ان لايياس من الظفر بأذن صاغية .

برين : من المهم جدا . أن نكيف تربية أطفالنا بحيث نعلمهم ان لم يكن العلم فعلى الاقل ماهية العلم . ولهذا يجب تلقينهم بعض المعارف التى تكون نموذجا بليغا من ناحيتى المنهج والمعنى . ونلاحظ من جهة أخرى ان الاطفال الذين تكونوا فى جو اصبحت فيه هذه الافكار أمرا عاديا يهضمون بسهولة مثلا نظرية " كوانتا " quanta أو نظرية النسبية أكثر مما قدر عليا جيلنا . لنذكر الصعوبة التى وجدت قديما فى الاصداع بأن الارض مكورة وأن الناس الذين يسكنون القطبين يمشون ورؤوسهم الى تحت . والآن يجد

الاطفال ان هذه الفكرة امر بسيط جدا . وانى موقن اننا بتحويرنا للتعليم يمكن ان تجعل بعض الافكار الاساسية للعلم الحديث في متناول فهم جميع الناس .

سؤال : هل ترون ان تقدما ما حصل فى تكوين الشباب والجمهور عامة ؟ برين : اما فى فرنسا فانى اخشى ان نكون فى تأخر مطرد منذ سنين عديدة فى هذا الباب . وعلينا ان نقوم بعمل كبير لنضفي على التكوين العلمي صبغته الحقيقية ومعنى ذلك لنعلم الشباب كيف يتأثرون في موقفهم ازاء العالم الخارجى بما يستمدونه من العلم العصرى

أو بنهيمر : ان المشكل خطير كذلك فى بلادى رغم انه غير موضوع بنفس الطريقة . فليس لنا التعليم المجدب نوعا ما الذى استقر في فرنسا بمواده وبرامجه المضبوطة التى جمدتها العادة . بل ان ما يجرى عندنا هو شر من ذلك بكثير . فنحن نعلم أقل مواد فأقل

سؤال : ان اثراء العلم المطرد يحتم اكثر فاكثر على رجال الحكومة ربط علاقات متينة مع العلماء الذين تمكنوا من السيطرة على بعض المعارف فكيف يكون حسب رايك دور العالم في السياسة

أو بنهيمر : ان للمشكل ثلاثة وجوه . هل رجال الحكومة في حاجة الى راى الخبراء فى الامور التطبيقية والفنية ؟ الجواب نعم .

وهل هم فى حاجة الى ثقافة علمية تمكنهم من تطبيق هذا الرأى ؟ الجواب لا . وهل هم فى حاجة الى تقدير اصح للطبيعة ولصورة الحقائق العلمية اعتقد ذلك .

اضرب لذلك مثلا نحن نسمع دائما رجال السياسة يقولون أن هناك اضطرابا كبيرا فيما يخص تاثير الاشعاعات الذرية . ففي الحقيقة يوجد بعض الاضطراب . لكن عندما نقارنه بالاضطراب السائد على الامور التى يهتم بها السياسيون عادة نجده اليقين المطلق . وبما انهم يعيشون فى عالم من الظلمات فهم لا يمكن لهم فهم مانعنيه عندما نؤكد " اننا لسنا متيقنين تمام اليقين "

برين : نجد هنا تغايرا فى التعبير . فرجال السياسة لايفهمون ان الشك العلمى هو يقين ابلغ من يقينهم من اكثر المشاكل التى يتعرضون الى حلها

او بنهيمر : ان العلم يتقدم ورائده توضيح مواضع الشك والسياسة تتقدم بطمس معالمه بل انها لا تتقدم بل تحيا .

وهناك ناحية اخرى من المشكل وهو أن الحكومات لها مسؤولية فى السياسية العلمية والتعليم عامة . وواضح أن على القادة السياسيين ان يكون لهم تفهم عميق ازاء القيم العلمية

برين : اظن انه من الواجب التفكير فى استخدام رجال العلم

اشترك في نشرتنا البريدية