سفينة غــــــــــــــــــــــير نوح . . .، وموضوعات اخرى، أذيع هذا الحديث ليلة ١٣٧٣/٥/١٠ ه

Share

يتناول برنامح الأوعية والغلال في هذه الليلة هذه الموضوعات :

أولا - سفينة غير نوح . ثانيا - الصلة الثقافية بين الحجاز والسودان ثالثا - الصيانة والانشاء . وهذا أوان الشروع في المقصود . . فأقول :

سفينة غير نوح

بينما كنت ذات يوم في طريقي الى جدة استرعي انتباهى سيارة " لورى " كانت واقفة بجانب باب مكة تحمل رجالا ونساء واطفالا في المهد وآخرين يتوائبون كما تحمل غلالا فى غرائر . وبقرة بلهاء تطل بعيونها وقرونها على الشارع . . وحمارا حكيما يترصد الناس بنظره الساهم المشدوه .

فقد انقلب الوضع وأصبح اليوم راكبا بعد أن عاش هو وأجداده مركوبا . . وعنزة تثغو فى حيرة ملتهبة وتحتها جدى رضيع . والسيارة تهم بالرحلة الى جدة . . فقلت في نفسي : سبحان الله . . حقيقة ان هذا الحادث البسيط لهو مظهر ضخم جافل يدل على ما نحن فيه من تطور حثيث . .

ومن عجب ان يكون كل ركاب سيارة الاجرة اللورى من ابناء البادية وكأنهم قد نزحوا من مقرهم وازمعوا الهجرة

الى جدة حيث الماء النمير والرزق الوفير والعمل المنتج الكثير . . فما وجدوا خيرا لهم فى لم الشعث وضم المتفرق وسرعة الوصول في راحة وهناء غير هذا المركب الحديث الوثير السريع الحثيث والاجرة رخيصة وللزمن عندهم الآن قيمته . . وهكذا

اجتمعوا بانعامهم وارزاقهم وامتعتهم فى سفينة غير نوح قاصدين البلد الذي يتحدث المؤرخون انه كان مقر أمنا حواء والذي اصبح شيئا مذكورا على ساحل بحر القلزم الذي سمى حديثا تعريبا عن اللغة الانكليزية باسم البحر الاحمر ولله فى خلقه شؤون

الصلة بين الحجاز والسودان

لقد بدأ السودان العربي يشق طريقه الى الحرية والاستقلال فألفت وزارة به من بنيه ، وانشئ به برلمان أعضاؤه من أهلية ، وبدأ كيانه يظهر في الأفق الدولي كأمة لها مستقبلها فى عالم العروبة والاسلام .

ومن المناسب بهذه المناسبة الحميدة ان ننوه ببعض ما رواه لنا التاريخ من صلة السودان في الناحية الثقافية بالحجاز . . وهو كما يبدو لى موضوع يكاد يكون مجهول الكل والتفصيل لكثير من القارئين وقد

يكون في اثارته فائدة اجتماعية وثقافية لنا وللسودان ، واعراب عن مدى تقدم هذه البلاد وقيامها بنشر الثقافة والانوار فى بلد اسلامي عربى مجاور في عصور الظلمات قاصدا بذلك محض الهداية والتنوير مما لا شك له أثره الحميد العميق العريق فى حسن المصير .

وقد اشاد مؤلف حديث باللغة العربية تحت اسم " تاريخ الثقافة العربية فى السودان منذ نشأتها الى العصر الحديث " اشاد هذا المؤلف أثناء استعراضه لشؤون الثقافة وتطورها بالسودان بتأثير الثقافة الحجازية في السودان ارشادا وتوجيها وانارة وتبصرة . . ومؤلف هذا السفر القيم هو الاستاذ عبد المجيد عابدين المدرس بكلية الخرطوم الجامعية . وهذا نص ما يقوله فى هذا السبيل :

" كان لرواد الدعوة الذين وفدوا من الحجاز والمغرب ومصر والعراق الى جانب الدعاة الوطنيين فضل كبير فى انتشار الاسلام بين قبائل السودان " .

ثم يمضي ليفصل لنا اثر الثقافة الحجازية في السودان فيقول : " اما الحجاز فقد كان منبعا ترا في هذه الفترة للحركة العلمية التبشيرية الاسلامية . ويظهر ان الحج والتجارة بين الحجاز والسودان كانا من اكبر ما هيأ للسودان نشر الدعوة . . .

وكان حجاج السودان يشجعون علماء الحجاز على الرحلة الى بلاد الفونج كما ان كثيرا من السودانيين كانوا يتلقون العلم في مكة والمدينة " . . فلقد

اصغينا اذن الى المؤلف يتحدث عن علاقات تجارية وثقافية وطيدة بين الحجاز والسودان ادت بالسودان الى التقدم فى عصور التأخر.

ويمضى المؤلف ليحدثنا عن تأثير الحجاز في السودان من ناحية التوجيه الديني الصحيح وكان هذا فى العصر الذى نهض الاصلاح الديني فيه على قدم وساق بهذه البلاد . . قال المؤلف :

" ومن أمثلة تأثير الحجاز ما يروى عن احد الدعاة السودانيين وهو عثمان بن فوديا فقد عاش هذا الداعى فى أواخر القرن الثامن عشر حين تهيأ الحجاز لنهضة دينية سياسية على يد محمد بن عبد الوهاب المتوفى عام ١٧٩٧ م وأتباعه من بعده وقد حدث ان ذهب عثمان بن فوديا الى الحجاز لاداء فريضة الحج فى الوقت الذي كانت دعوة ابن عبد الوهاب آخذة فى النمو وعرف عنها شيئا من مبادئ هذه الثورة .

وعاد الى قومه فى غرب السودان متحمسا يدعوهم الى الامتناع عن الصلاة على روح الميت وعن تعظيم من مات من الاولياء والمبالغة فى تمجيد الانبياء وهاجم في الوقت نفسه رذيلتين كانتا منتشرتين في السودان الغربي في ذلك الحين وهما الخمر وفساد الاخلاق كما استطاع ان يوحد صفوف جماعاته المتناثرة فى شتى أقاليم الحوصة وجعل منهم جماعات قوية " .

ثم يمضي المؤلف ليعطينا صورة كاملة عن مدى الاثر الثقافي والاصلاحى الذى

تركه الحجاز فى السودان في تلك الحقبة من الدهر . . فهذا السيد محمد عثمان الاميرغني يعبر البحر الاحمر من مكة المشرفة ليواصل مساعيه الدينية والثقافية في السودان وبذلك يدخل كثيرا من السكان فى حظيرة الاسلام . وبعد فقد كانت هذه الصلات الوثيقة في الجانب الثقافي بين الحجاز والسودان وثيقة العرى حتى أواخر القرن الماضى حيث مضى الحجاز في سبات عميق من التأخر . والان ها هو يفيق . وها هو السودان يستفيق والتاريخ يعيد نفسه باشكال وألوان .

الصيانة والانشاء

كان طريق جدة - مكة - المعبد بالاسفلت فيما قبل عامين تشرف على صيانته ادارة خاصة تدعي " مصلحة الطرق " وكثيرا ماكنا نلمح ونحن نسير عليه بعض فرق عمالها مخيمة بجوانب الطريق والعمال منهمكون

اما فى الترميم او التنظيف . . والترميم للطرق ضرورة حيوية كضرورة الطعام والشراب للانسان والحيوان ، خاصة فى طريق تصافحه السيول يمنة ويسرة . . وخاصة إذا تذكرنا الملايين من الريالات التى صرفت على تعبيده وتوسعته وتمديده

حتى اصبح احد طرق الاسفلت اللامعة فى الشرق العربي وكان له فضل كبير فى تيسير الحج وكان للحكومة فضل كبير فى وضعه ومده . . والآن وقد تم تماماه وانتظم نظامه واتسعت جوانبه هو بحاجة رتيبة الى التعاهد والصيانة وليس أولى بذلك من اعادة مصلحة الطرق الى

سابق عهدها . لتقوم فى نشاطها المرتقب الحميد بصيانته وحفظه من التبديد وليدوم له رونقة وفائدته طول الامد ، فالصيانة والانشاء صنوان متلازمان ، لانتظام الافادة واستدامة الكيان . .

اشترك في نشرتنا البريدية