سلسلة بحوث ، عن الادب الاندلسي

Share

ويقول ابن شهيد وهو يتنقل  فى رياض  الشعر وينتقل بنا فيها من دوحة  لاخرى فى صور من الخيال الخصيب والفن الرفيع  وهو يسكب على هذه الصور من اعماق نفسه فهما راجحا وادراكا واسعا يغوص فى آفاق المعاني ويتعمق فى دقائقها فيصدر  لنا انتاجا قويا نلمسه بين سطور افكاره  الهادفة وهو يعلق فيها على اقوال الشعراء  الذاهبين الاولين ويطارحهم النشيد كما لو  كانوا احياء يطارحونه النشيد وينازلونه  بأجمل الروائع فى اسمى ذروتها حتى اذا ما انسوا منه قوة وقد برهن عليها بشعره الرصين اجازوه وهتفوا له بالاجلال والتقدير  كل هذا التوفيق يتم له فى غير اعتزار  بنفسه ومغالاة بادبه وانما يصدر منه ما يصدر عن علم وذكاء وسعه اطلاع وفهم  وترجيح لمواطن الصواب وملكة شعرية فائقه تبرزه فى مصاف الشعراء المطبوعين . يقول لنا فى هذه الجولات التى يعيش فيها مع بطل خياله من رسالته الشهيره المعروفه  بالنوابع والزوابع وان صدرت عنه مصدر  فكاهة . فتشتمل على بدائع وروائع يحق لنا الاعجاب بها ودراستها وتذوق جمال معانيها وعذوبة الفاطها ، يقول ابن شهيد كعادته  في الحديث عن هذه الجولات "  وركضنا  حتى انتهينا الى شجره غناء . يتفجر من اصلها عين كمفلة حوراء فصاح زهير : يا  عتاب بن حباء . حل بك زهير وصاحبه فبعمرو والقمر الطالع . وبالرفعة المفكوكة

الطابع ، الا ما اريتنا وجهك ؟ فانفلق ماء .  العين عن وجه فتى كفلقة القمر ، ثم اشتق الهواء صاعدا الينا من قعرها حتى اسوى معنا . فقال : حياك الله يا زهير ، وحيا صاحبك ؛

فقمت : وما الذى اسكنك قعر هذه  العين يا عتاب أ قال : حيائى من التحسن  باسم الشعر وانا لا احسنه . فصحت : ويلي  منه ، كلام محدث ورب الكعبة : واستنشدني  فلم انشده اجلالا له ، ثم انشدته :

" ابكيت ، اذ طعن الفريق ، فراقها ،

حتى انتهيت فيها الى قولى :

اني امرؤ لعب الزمان بهمتى

وسقيت من كاس الخطوب دهاقها

وكبوت طرفا فى العلا فاستضحكت

حمر الانام فما تريم نهاقها

واذا ارتمت نحوى المنى لانالها

وقف الزمان لها هناك فعاقها

واذا ابو يحيى تاخر نفسه                                                            فمتى اؤمل في الزمان لحاقها

فلما انتهيت قال : انشدني من رثائك  فانشدته

اعينا امرا نزحت عينه  ولا تعجبا من جفون جماد

إذا القلب احرقه بثه       فان المدامع تلو الفؤاد

يود الفتي منهلا خاليا   وسعد المنية في كل واد

ويصرف للكون ما في يديه     وما الكون الا نذير الفساد

جميلة هذه النغمات الحزينة وهذه  التأوهات الباكية فى مجال الرثاء والافكار المنسابه بالتاملات العميقة والتعبيرات المؤثرة عن الآلام الحياة ومتاعبها والنفس وما   تقاسيه من صروف الزمان فلم يصغ الرثاء للبكاء على الفقيد فحسب وانما صاغه  للاعراب عن خوالج النفس والآمها بجانب  الدمعات الحزينة على فقيد عزيز . ثم هو  فى الابيات التالية يصور لنا سطوة الموت  وكيف هي قد سطت على الاجيال ومزقت  شملها وقوضت بنيانها وزال ما اقامته عن سطوة وجبروت فيقول فى تأمل  عميق .

لقد عثر الدهر بالسابقين   ولم يعجز الموت ركض الجواد

لعمرك مارد ريب الردى   اريب ولا جاهد باجتهاد

سهام المنايا نصيب الفتي   ولو ضربوا دونه بالسداد

اصبن على بطشهم جرهما    واصمين في دارهم قوم عاد

واقعض كلبا على عزة  فما اعتز بالصافنات الجياد

تم يقول ابن شهيد فى جولته الخيالية الى ان انتهيت فيها الى قولى

ولكننى خانني معسرى

وردت يفاعا وبين المراد

وهل ضرب السيف من غير كف

وهل نبت الرأس فى غيرها

فقال : زدني من رثائك وتحريقك    فأنشدته

افى كل عام مصرع تعظيم

اصاب المنايا حادثى وقديمى

هوى قمرا قيس بن عبلان : انما

واوحش من كلب مكان زعيم

بكيف لقائي الحادثات إذا سطت

وقد فل سيفى منهم وعزيمي

وكيف اهتدائي في الخطوب إذا دجت

وقد فقدت عيناى ضوء نجوم

مضي السلف الوضاح الا بقية

كغرة مسود القميص بهيم

واعجب بما في البيت الاخير من رثاء  من لم يبق منهم الا بقية وهو معنى عظيم  وقول بليغ يحق لنا ان نردده فى جيلنا اليوم ونرثي به ماضينا العظيم وسلفنا الكريم ومنها :

رميت بها الآفاق عني غريبه   نتيجة حفاق الضلوع كظيم

لابدى الى اهل الحجا من مواطني وادلى بعذر فى ظواهر لوم

ويمضى بعد هذه الشكوى والالم من وقع  الحادثات والخطوب اذا دجت والترحم على  السلف وقوة شكيمته امام هذه الويلات  يمضى بعد هذا كله وهو فى مجال الرثاء ينقلنا من لون جذاب الى : آخر فى براعة فنية رائعة  إذا به يفخر فى مجال الفخر ضمن الرثاء  فيقول فى اعتداد :

انا السيف لم تتعب به كف ضارب

صروم إذا صادفت كف صروم

سعيت بأحرار الرجال فخانني

رجال ولم انجد بجد عظيم

وما اضيع الرجال إذا خانوا وقعدوا عن  واجبهم ، تلك هي شكوى ابن شهيد تفيص  بالالم وتضج بالسخط على من يخون حق  الحيه ويقعد عن واجبه :

وضيعني الاملاك بدء . او عود ،

فضعت بدار منهم وحريم

وهنا يعود ابن شهيد إلى منظر من مسرحية يختم بها جولته الخيالية فيقول عن بطله فى هذه الجولة . وفعال ولا بد قائلا : فاذا دعتك نفسك الى القول  فلا تكد قريحتك  . فاذا اكمنت فحمام بلائه لا اقل . ونقح بعد ذلك . وتذكر قوله

وجشمني خوف ابن عفان ردها

فثقفتها حولا كريتا ومربعا

وقد كان في نفسي عليها زيادة

فلم ار الا ان اطيع واسمعا

وما انت الا محسن على اساءة زمانك  فقبلت على رأسه ، وغاص فى العين ( . وهكذا يضمن ابن شهيد فى اقوال بطله  فكرته عما يجب ان يكون عليه الشاعر من  جودة التفكير وحسن التنقيح حين يريد ان يعبر عن فكرته شعرا فلا يكد قريحته ولا

يتعجل في ابرازها قبل تنقيحها ونضجها وصقلها في جوهرها الجميل بل ويكون هذا  للكاتب كما يكون للشاعر ، والشاعر  والكاتب اذ استهوتهما الشهرة وحب الظهور  بالتعبير عن فكرتهما غير ناضجة فيعتورها  التشويه وتخرج عن جمال المعنى وسحر البيان في ثوب مزر قبيح يستهدفان به للنقد  الجارح واللوم العنيف

وقد كان الشعراء والكتاب قديما يعنون  بانتاجهم رغم وفرة انتاجهم فلا يصدرون  اثرا ادبيا من : آثارهم الا بعد ان يأتوا باجود ما فيه لذلك قل ان تجد مأخذ عليهم فى  آ ثارهم الادبية الا القليل

وكان الشعراء في سوق عكاظ يحتكمون  الى النابغة الذبياني وغيره لياخذوا برأيهم  فيما قالوه شعرا وكان الفرزدق وهو من فحول الشعراء يقول :

" يمر بي وقت اجد فيه خلع ضرسى اهون على من بيت شعر اقوله "

وكان بعضهم يكمل قصيدته في الجاهلية  في حول كامل ولذلك شواهد كثيرة فى  سجلات الادب الرفيع

ونرجع الى ابن شهيد وهو يبدأ جولته  التالية بقوله  : ) ثم قال لى زهير : من تريد  بعده ؟ قلت : صاحب ابى نواس ، قال :  هو بدير حنة منذ اشهر وقد غلبت عليه  الخمر . ودير حنة فى ذلك الجبل . وعرضه

على ، فاذا بيننا وبينه فراسخ ، فركضنا  ساعة ، وجزنا فى ركضنا ( وقبل ان نمضى  مع ابن شهيد في ركضه نود ان نلاحظ فى تعبيرات ابن شهيد وصفا يصور لنا حياة  كل شاعر ومنزلته فى ادب كل جيل  واتجاهاته من خمريات وعزل ، ثم نعود لابن شهيد فى هذا الوصف حين قال عن جولته مع بطل مسرحيته وهاديه الى منازل الشعر  ) وجزنا فى ركضنا بقصر عظيم قوامه ناورد  يتطارد فيه فرسان ، فقلت : لمن هذا القصر يا زهير : قال : لطوق بن مالك ، وابو الطبع صاحب البحترى فى ذلك الناورد . فهل  لك فى ان تراه أ قلت : الف هل ، انه لمن  اساتيذى ، وقد كنت انسيته ، فصاح : يا ابا الطبع فخرج الينا فتى على فرس اشعل ،  وبيده قناة ، فقال له زهير : انك مؤتمنا  فقال : لا ، صاحبك اشمخ ما رنا من ذلك  لولا انه ينقصه ، قلت : ابا الطبع ، على  رسلك ، ان الرجال لا تكال بالقفزان ،  انشدنا من شعرك

فانشد : " ما على الركب من وقوف  الركاب

حتى اكملها ، ثم قال : هات ان كنت قلت  شيئا . فانشدته :

" هذه دار زينب والرباب "

حتى انتهيت فيها الى قولى :

وارتكضنا حتى مضى الليل يسعى

واتي الصبح قاطع الاسباب

فكان النجوم في الليل جيش

دخلوا للكمون في جوف غاب

وكان الصباح قانص طير

قبضت كفه برجل غراب

وفتوا سروا وقد عكف الليل

وارخي مغدودن الاطناب

وكان النجوم لما هدتهم  

اشرقت للعيون من اداب

يتقرون جوز كل فلاة  جنح ليل جوزاؤه من ركاب

عن ذكرى لمدلجيهم فتاهوا   من حديثي في عرض امر عجاب

همة في السماء تسحب ذيلا   من ذيول العلا وجد كاب

ولو ان الدنيا كريمة نجر   لم تكن طعمة لفرش الكلاب

جيفة انتنت فطار اليها  من بني دهرها فراخ الذباب

ولا ادري لماذا صب جام غضبه على الدنيا وعلى بنى دهرها ووصفها فى تشاؤمه منها  انها جيفة نتنة وان بني دهرها فراخ الذباب ان بعضا من المتشائمين اذا لم يوفقوا للاصلاح  وفشلوا فى اداء رسالتهم الانسانية تحول  شعورهم الطيب الى سخط وضيق بالدنيا  وأهلها وهم لو انصفوا لنظروا الى الدنيا  وأهلها بمنظارهم الصافى وعالجوا مشاكلهم  فى صبر وايمان فنالوا بذلك اطيب الثناء  وكانت رسالتهم فى هذه الدنيا رسالة ذوى  العزم من المصلحين ودخلوا بها فى عداد  الخالدين ولكن حدة المزاج وثورة النفس  تمليان على هؤلاء المتشائمين الحقد و السخط على الدنيا وأهلها اما لنقائص ضاقوا بها من  اهلها ولم يستطيعوا علاجها او لحجود من   اهلها بحقهم فهم ساخطون ناقمون عليهم . ومن هؤلاء الشعراء ابو العلاء المعرى الذى  يختتم سخطه بهذه الصيحة المدوية :

فيا موت زر ، ان الحياة ذميمة

ويا نفس جدى ان دهرك هازل

وابو العلاء عندما يسخط ويضيق بدنياه  ويتشاءم من اهلها يسوق لنا الحجة في  فلسفة عميقة وهو يرى النقائص ترجح على  الفضائل . ينال اهلها الرفعة والشأو  العظيم فهو يشكو هذا الانهيار الخلقي في  قوله

فواعجبا كم يدعى الفضل

ووااسفا كم يظهر الفاضل

إذا عير الطائي بالبخل مصادر

وعير قسا بالقهاهة باقل

وقال السها للشمس انت ضئيلة

وقال الدجى للصبح لونك حائل

وطاولت الارض السماء سفاهة

وفاخرت الشهب الحصا والجنادل

ثم يختتم ابو العلاء هذا السخط بصيحته  المدوية بالبيت الذى اسلفنا ذكره

فيا موت زر ان الحياة ذميمة

ويا نفس جدى ان دهرك هازل

وابن شهيد لم يخرج عن هذا المجال  عندما عبر عن سخطه وضيقه بالدنيا وأهلها  فهو يسوق كأبى العلاء المعرى الحجة في الم  وحرقة الا انه يخرج من تشاؤمه وسخطه   الى التفاخر باعماله فيقول :

من شهيد في سرها ثم من اشجع في

السر من لباب اللباب

خطباء الآنام ان عن خطب

وأعاريب في متون عراب

وكأنه بهذا القول يهز ذوى النقائص  ويقرعهم بالحجة على علو  شأنه وان عليهم  ان يقروا بهذه المفاخر ويتعشقوها ويسيروا  عن مثالها الرفيع وهو بهذا يثابر على اداء  رسالته الانسانية فى عزم وصبر وايمان  بحقها وان كان قد عبر عن سخطه ضيقه  بالدنيا وتشاؤمه باهلها

ويقول ابن شهيد بعد هذا التفاخر فى  قصيدته : ) حتى اكملتها فكانما غشى وجه  ابى الطبع قطعة من الليل . وكر راجعا الى  فاورده دون ان يسلم . فصاح به زهير : ااحزنه قال : احزنه لا بورك فيه من زائر

ولا في صاحبك ابى عامر فضرب زهير الادهم  بالسوط فسار بنا فى قنته ، وسرنا حتى  انتهينا الى اصل جبل دير حنة ، فشق سمعي  قرع النواقيس ، فصحت : من منازل ابي  نواس ورب الكعبة العلياء . . وسرنا نجتاب اديارا وكنائس وحانات ، حتى انتهينا الى دير  عظيم تعبق روائحه ، وتصوك نوافحه  فوقف زهير ببابه وصاح : سلام على اهل  دير حنه ! فقلت لزهير : وهل صرنا بذات الاكيراح ؟ قال : نعم ، واقبلت نحونا  الرهابين ، مشددة بالزنانير ، قد قبضت

على العكاكيز ، بيض الحواجب واللحى ، إذا  نظروا الى المرء استحيا ، مكثرين للتسبيح  عليهم هدى المسيح ، فقالوا : اهلا بك يا زهير من زائر ، وبصاحبك ابي عامر ! ما  بغيتك ؟ قال : حسين الدنان

ونقف من قول ابن شهيد عند هذه الجولة  لنعاود رحلتنا معه الى جولات اخرى ممتعة  من فنه وانتاجه الوفير حتى نتم بهذا حلقات  بحثنا عن الأدب الاندلسي وروائعه الجديرة  بالدراسة والتأمل العميق

اشترك في نشرتنا البريدية