ونمضى مع ابن شهيد الشاعر الاندلسي في تأملاته وتخيلاته وعرضه الموفق في صوره الخيالية التى يعرض لنا فيها آثار من سبقوه من شعراء معقبا على آثارهم بالنقد والتعليق والتحليل ، نمضى معه فى هذا المجال الفني الرائع لنجمع بهذا بين عاملين لهما اثرهما الخالد فى ادبنا الحديث . -
العامل الاول - الصورة المثالية في النقد النزيه الصادر عن علم وحصافه وفن يرفع بالناقد من وسائل المهاترات المقيتة والتجريح الفاحش البذئ وفى هذا ارتفاع بالادب الى ذروته العليا ومكانته المرموقة بعيدا عن الخصومات والمجادلات السخيفه
فالأدب هو الروح المعبرة عن خلق الاديب واكتماله وفنه وابداعه فلا يليق بالاديب ان ينزل هذا الروح الكبير الى فحش القول ورداءة المنطق والخلق الذميم
العامل الثانى الوقوف على دراسة ادبية ممتعة تنقلنا الى اجواء ادبية رائعة فيها من الفن العربي القديم فى الاندلس وفي غيرها ولمن تقدموا عهد ابن شهيد وممن اخذنا عن آثارهم الادبية في ادبنا الحديث اتجاهات لا يزال اثرها متغلغلا فى انتاجنا متركزا فى تفكيرنا الحديث ، والعهود الادبية يرتبط حاضرها بماضيها فلو بعث شاعر من شعراء القرون الاولى فى الاسلام ليقف على انتاجنا الحديث ما شك مطلقا ان اللغة العربية وآدابها على اكتمالها وقوتها تمتد ظلالها عبر القرون حتى عهدنا الحاضر ولانها
اللغة الوحيدة التى حافظ اهلها على قواعدها وصرفها وادابها فى اتجاهات موحدة مهما افترقت اساليب التعبير بما يعبر به عن احداث كل زمن وحوادثه ولكنها لا تفترق فى اتجاهاتها ومقومات آدابها حفاظا على التراث الخالد من الخلف لآثار السلف وانتهاجا قويما لسلوك الراشدين فى ادبنا القديم وان اختلفت الوسائل وتغيرت الاساليب فلكل زمان صبغة ولون يتسم به فى تعبيراته واساليبه انما المصدر القوى والنبع الفياض لا يزال ظله ممتددا في انتاجنا رغم تقادم العهد وتباعد الاسباب ولا نمضى بعيدا في هذا التقدير لارتباط الادب القديم بادبنا الحاضر فنحن إذا ما نظرنا إلى هذه الآثار الأدبية في انتاجنا الادبي نجد اننا على حرص دائب في الارتكاز على ما خلفه لنا العروضيون واللغويون من احكام وقواعد وما نقله لنا الادب العربي من آثار فى الشعر والنثر من اتجاهات ونزعات واغراض للشعر كالمديح والرثاء والفخر والوصف وما الى ذلك من اغراض وما نمارسه من قواعد البيان والبديع فى النثر والشعر واننا نحاول بقدر استعدادنا الادبي ان نكسوها رداء الحسن ونصبغها بلون وصبغة الفكر الحديث وتطور أساليبه ومعانيه .
فكان عمل ابن شهيد في الأدب الاندلسي وعرضه الموفق لصوره الخيالية اثرا خالدا نستمد منه دراسة ادبية ممتعة ونقدا رفيعا وفنا اصيلا .
ونمضى كما قلنا في مستهل هذا البحث مع ابن شهيد الشاعر الاندلسي في تاملاته وتخيلاته وعرضه الموفق في صوره الخيالية فنقرا له من حيث وقفنا عنده من الحلقة السابقة قال ابن شهيد : " فلما انتهيت من قصيدتي تأملني عتيبة ثم قال : اذهب فقد اجزتك . وغاب عنا . فقال لي زهير : من تريد بعد ؟ قلت : صاحب طرفة ، فجزعنا وادى عتيبة وركضنا حتى انتهينا الى غيضة شجرها شجران : سام يفوح بهارا وشجر يعبق هنديا وغارا ، فراينا عينا معينة تسيل ويدور ملؤها فلكيا ، ولا يحول ، فصاح به زهير : ياعنتر بن العجلان ، حل بك زهير وصاحبه ، فبخولة ، وماقطعت معها من ليلة الا ما عرضت وجهك لنا : فبدا الينا راكب جميل الوجه ، وتوشح السيف ، واشتمل عليه كساء خز ، وبيده خطى ، فقال مرحبا بكما ! واستنشدني فقلت : الزعيم اولى بالانشاد ، فانشد : لسعدى بحزان الشديف طلول . .
حتى اكملها فانشدته من قصيدة : امن رسم دار بالعقيق محيل
حتى انتهيت الى قول :
ولما هبطنا الغيث تذعر وحشه
على كل خوار العنان اسيل
وثارت بنات الاعوجيات بالضحى
ابابيل من اعطاف غير وبيل
مسموعة تعتدها من خيارها
لطرد قنيص او لطرد رعيل
اذا ما تغني الصحب فوق متونها
ضحيا اجابت تحتهم بصهيل
ندوس بها ابكار نور كانه
رداء عروس او ذنت بحليل
رمينا بها عرض الصوار فاقعصت
: انحن قتلناه بغير قتيل
ولننظر الى ما في هذا الوصف من جمال التعبير والى ما فى حسن هذا التشبيه من
- روعة يتسم بهما الشعر الاندلسي فى قول ابن شهيد والى ما فى حسن اللفظ والمعنى من اداء بحيث لا تجد لفظا يتنافر مع معنى القصيد وترابطه فى وحدة كاملة لقصيدة ابن شهيد وهو يتممها بقوله :
وبادر اصحابي النزول فاقبلت
كراديس من غض الشواء نشيل
نمسح بالجودان منا اكفنا
إذا ما اقتنعنا منه غير قليل
فقلنا لساقيها ادرها سلافة
شمولا ومن عينيك صرف شمول
والغزل فى هذا التعبير رائع والمجانسة فى بديع هذا القول وبيانه لها احسن الاداء فصرف الشمول من العينين يجانسه سلافة شمول غاية فى حسن الاداء وجمال التعبير ونمضى مع هذا اللون من الغزل الاندلسي البديع ينشده ابن شهيد قائلا :
فقام بكاسيه مطيعا لامرنا
يميل به الإدلال كل مميل
وشعشع راحيه فما زال مائلا
براس كريم منهم وتليل
الى ان ثناهم راكدين لما احتسوا
خليعين من بطش وفضل عقول
نشاوى على الزهراء صرعي كانهم
اساطين قصر او جذوع نخيل
والحقيقة انه لم يقم ساق بكاسيه ولم يمل به الادلال ولم يسكر القوم ولاهم خليعي بطش وفضل عقول ولكنه التصوير الخيالى يجرى باعذب الالفاظ وارق المعاني ويبرز شتى الصور الجذابة فى اطارها الجميل ويختتم ابن شهيد هذه الصورة الخيالية المبدعة بقوله : فصاح عنتر : لله انت اذهب فانك مجاز وغاب عنا . ثم ملنا عنه فقال زهير ، الى من تتوق نفسك بعد من الجاهليين ؟ قلت كفانى من رأيت اصرف وجه قصدنا إلى صاحب ابي تمام ، ( وهكذا ينقلنا
ابن شهيد من دوحة الى اخرى من الشعراء فى الجاهلية إلى الشعراء في الاسلام في جو من الدعابة والمرح وخفة الروح لئلا يتطرق الى نفوسنا السأم والضيق بما يعرضه لنا فى صور متنوعة تنساق في عرض منسجم منسق تشاهد فيها احداث عصرين متتابعين وأفكارا تختلف فى نزعاتها من جاهلية إلى اسلامية وان اجتمعتا في لغتها وآدابها وأعرابها عن خلجات خواطرها فهي على تقارب في الاحاسيس والمشاعر العربية تعتلج في خواطرهما الاماني والآمال المتدفقة من الروح العربي الوثاب . ونعود الى ابن شهيد مع صاحب ابى تمام اذ يقول : ) فركضنا ذات اليمين حينا ، ويشتد في اثرنا فارس كانه الاسد ، على فرس كأنها العقاب ، وهو في عدوه ذلك ينشد :
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر
لها نفذ لولا الشعاع اضاءها
فاستربت منه فقال لي زهير : لا عليك هذا أبو الخطار صاحب قيس بن الخطم فاستبي لبى من انشاده البيت ، وازددت خوفا لجراته ، واننا لم نعرج عليه . فصرف اليه زهير وجه الادهم ، وقال : حياك الله ابا الخطار ! فقال : اهكذا يحاد عن أبي الخطار ، ولا يخطر عليه ؟ قال : علمناك صاحب قنص وخفنا ان نشغلك . فقال لي اتشدنا يا اشجعي ، واقسم انك ان لم تجد ليكونن يوم شر . فأنشدته قولى من قصيدة :
منازلهم تبكى اليك عفاءها
ومنها :
خليل عوجا بارك الله فيكما
بدارتها الاولى نحيى فناءها
فلم ار اسرابا كاسرابها الدمى
ولا ذنب مثلي قد رعى ثم شاءها
ولا كضلال كان اهدى لصوتي
ليالى يهديني الغرام خباءها
وما هاج هذا الشوق الا حمائم
بكيت لها لما سمعت بكاءها
عجبت لنفسي كيف ملكها الهوى
وكيف استفز الغانيات اباءها
ولو اننى انحت على اكارم
ترضيت بالعرض الكريم جزاءها
ولكن جرذان الثغور رمينني
فاكرمت نفسى ان تريق دماءها
واعظم بهذه النفس واكرم بهذا الاباء هذه النفس التى تعجب لسلطان الهوى وسيطرته عليها ولكنها تعتز بعزة نفسها وتسمو بابائها وهنا تتجلى المعانى فى ذروتها حيث قال :
اليك ابا مروان القيت رابيا
بحاجة نفس ما حربت خزاءها
هززتك في نصري فكانني
هززت - وقد جئت الجبال - جراءها
نقضت عرى عزم الزمان وان عفا
بعزمة نفس لا اريد بقاءها
حيا الله هذا النبع الفياض وهذا التدفق الشعرى القوى يتدفق بأعذب الالفاظ وارقها ويرتفع الى اسمي المعاني في قوة من حسن ثم يقول ابن شهيد :
فلما انتهيت تبسم وقال لنعم ما تخلصت : اذهب فقد اجزتك (
وهكذا يعتد ابن شهيد بنفسه ويحكم على انشاده بالاجازة من بطل قصته التى يقصها علينا والتى اختار لها بطلا يمثل فحلا من فحول الشعراء اختار هؤلاء الابطال جاء إلى الشعراء الاسلاميين فعرضهم فى مكانتهم المعروفة انه يحافظ على منازل الشعراء فى كل ما يعرض لنا ويدلل على مقعدهم الرفيع في مقاعد الشعراء ومنازلهم لذلك اثرت ان انقل عن ابن شهيد هذا العمل الفني الرائع لما لهذا من علاقة متينة فيما نحن فيه من دراسة الادب الاندلسي متوخيا بقدر المستطاع ابراز ما يستحقه هذا الادب من

