سياسة الاصلاح الاقتصادي، اذيع هذا الحديث بليلة ١٣٧٤/١/١٩ ه

Share

سياسة الاصلاح الاقتصادى . . كيف نرسم لها الخطط الناجحة ؟ هذا هو موضوع حديثنا الليلة . . . على أني لا أدرى ما هو الدافع الذي ساقني لهذا الحديث الشائك الشائق . . .

عندما يزمع الطبيب معالجة مريض مزمن لا بد له من فحص جسمه فحصا كليا شاملا دقيقا ولا بد له من البحث عن ماضيه وما يمت الى هذا الماضى بصلة مما قد يكون نشأ عنه الداء الكمين ، وبوساطة ذلك يدرك الطبيب اساس الداء فيسهل عليه تركيب الدواء . . وعلى ذلك فاننا اذا بحثنا

حاضرنا الاقتصادى على ضوء ماضينا بحثا تحليليا صادقا نجده مطبوعا بطابع الفردية التى لا تصلح لهذا العصر ولا تجني منها البلاد الا اقل الثمار واذكر ان محاولات قيمة لاصلاح حال اقتصادياتنا ولتحويل طاقتها من الفردية إلى الجماعية قد بذلت من قبل نحو عشرين عاما . . بذلها معالي الشيخ محمد سرور الصبان وزير المالية والاقتصاد الوطني الان . ممثلة فى شركات الصادرات العربية والطبع والنشر والتوفير والاقتصاد وغيرها . وقد كان الثراء الفردى الطائل وتكديس الذهب والفضة فى الخزائن المظلمة لتنير لاصحابها الطريق ولتحميها من عاديات الايام السود المترقبة

كل حين كما يقولون لقد ظلت رؤوس الاموال اذن طيلة الف عام ونيف همها التجمع والاحتشاد والتكدس والركود فى الخزائن فلا ترى النور وبذلك كانت الزراعة فى حاجة الى اموال تجمع من الافراد

للنهوض بها ودلفت التجارة الى كل تاجر لا يعول الا على ذهبه وفضته وجهوده وحدها وتعطلت الصناعة فالمشروعات الصناعية لا تقوم قائمتها الا على أسس من الجماعية المتعاونة المخلصة . ومضى ركب الحياة الاقتصادية سادرا متأخرا ظالعا طيلة

الاجيال السابقة حتى إذا قدر الله لهذه البلاد ان تنهض من عقدتها المديدة بشمول الامن وشمول الوحدة اريد لها ان تنهض اقتصادياتها ايضا على اساس من واقعها الحديث . . ولكن أمراس التأخر المشدودة بها الظروف

الاقتصادية من الاجداد الاحفاد ومن الاجيال السابقة الى هذا الجبل تحول بيننا بحكم الوراثة وبين النهوض الحثيث كما نبغى وكما ينبغى . وكم كان لهذه الدوامة التى قام بها شخص واحد مستعينا بالشباب اثرها المحدود فى تقليم اظافر الفردية العارمة في المشروعات الاقتصادية الحديثة وكان ان حدث بعد ذلك تاليف شركات اخرى ولكنها محدودة النطاق ولاتزال

تخيم على كثيرير منها طابع الفردية الاصيل والعوامل التى اصطلحت على صرح اقتصاديات هذه البلاد فاردت معظمه وفيرة ومشتبكة ومعقدة وقديمة ممعنة في القدم وقد ربطت خيوطها بزمن يسبق الف عام . .

حيث كانت الفوضى بطلة قصتها الهائلة التى ظلت تمثل على مسرح الحياة في طول البلاد وعرضها ادوارا مريرة حيث كان السلب والنهب والخوف الشامل يسيطر على الاذهان وبذلك حل حب الذات والفردية محل حب المجتمع والمصلحة العامة وطغت الاثرة على النفوس فكل فرد امة وحده لا ينظر لغير نفسه وأهله الا كما ينظر الاجنبى المجافى الطامع الى الاجنبى المجافى الطامع وبذلك انحلت فى الاجيال القديمة عرى الجماعية

فانحل الاقتصاد الجماعي   وصارت الافراد تتهافت على الثراء . . لقد اتضح اذن جماع اسباب الركود الاقتصادى الجماعي لدينا ، فسهل علينا اذن ان نرسم خطط الاصلاح الاقتصادى لدينا اذا اردنا فالامن مستتب من ناحية الاناسي والبلاد ومن ناحية الاموال معا . .

ويتمثل الاصلاح المنشود في ان يقلع اغنياؤنا من انفسهم روح الفردية

المستشرية العارمة فيقبلوا باخلاص وحماسة على تأليف الشركات الوطنية المساهمة فينشؤوا لنا الحقول الواسعة ويخرجوا لنا بارشاد وزارة الزراعة وخبرائها المياه الجوفية وغيرها . . وينشؤوا لنا حقول الحبوب الواسعة التى تغنينا عن استيراد الغذاء والكساء وحقول الفاكهة التى ينشؤون

منها شركات المشروبات المبردة كشراب العرق سوس والتمر هندى . والليمون والبرتقال . والرمان . وما اشبه فهذه الاشربة الوطنية المثلجة خفيفة ولطيفة وكلها نفع وهي مأمونة العواقب وارباحها كرؤوس اموالها من الوطن وللوطن لا يخرج منها شئ فى الخارج وهي أولى بالتشجيع من غيرها . وفي الحقل الصناعي تؤسس شركات مساهمة قوية لتبنى لنا دعائم

الاقتصاد الوطني الحديث على اقوى الاسس فالعصر عصر الصناعة بلاشك والتجارة كذلك تهيمن عليها شركات قوية جبارة تضارع شركات العالم وتنافسها وتحول بينها وبين تأخر البلاد واستنزاف خيراتها الوفيرة التى تذهب في كثير من الكماليات الجوفاء والحال اننا فى حاجة الى الضروريات الحيوية قبل كل شئ .

اشترك في نشرتنا البريدية