يقترن اسم الشاعر القروى - أو رشيد سليم خورى - بروح وطنية ناضجة ، ونغمة قومية حلوة .. فصوته أقوى الاصوات الوطنية فى ربوع المهجر ، وفؤاده يخفق - ابدا - بالحب للعروبة ، والشوق والحنين للشرق العربى .. مهد الروحانيات ومثوى الالهام .. ومشع السحر ..
ومن أجل الوطنية .. ومن أجل الارومة العريقة .. نبذ شاعرنا (( الاقليمية )) الضيقة ، وبرئ من (( الطائفية )) الحمقى ، وبشر بالتسامح المذهبى ، ودعا من فوق أيكته الى الوئام والانضمام تحت راية الارض المقدسة .. عرين العروبة وحماها الطيب ! ..
ومما يثير الدهشة والاعجاب معا ، أن مناسبة وطنية ما ، لا يمكن أن تفلت من ريشة هذا الشاعر الموهوب والرسام العبقرى ، دون أن يلهب أوارها بحماسته الفائرة ،وايمانه القوى الدافق ، وعروبته الموغلة فى التصوف
ولا أشك - أبدا - أن (( الغربة )) كانت سببا مباشرا فى اذكاء وطنيته اذ فيها يحس الغريب - وخصوصا إذا كان شاعرا ، لان الشاعرية تعنى رقة الشعور وارهاف الحس - بمرارة البين وهفو الفؤاد وولع النفس بألفها فتنفجر عيونا وينابيع من الحنين الشجى والشوق الملح والحب العميق
والاخلاص الوطيد .. وما بالك به اذا كان مغناه مرتفع خلود ومجادة وروض اباء وشيم ؟ واذا كان - فى عصور خلت من كتاب الحياة - قد بسط أجنحته على هذا العالم وملأه اشعاعا وبهجة وحضارة .. ؟!
وكما أن الغرد يحن الى وكره .. والهزبر لا يرتاد غير شراه .. فان الانسان يظل قلبه عالقا بمسقط أبيه وجده .. ومترنما بأيام ماضية لاسيما إذا كان التاريخ المجيد قد فتح له صدره الرحب ، ومد كفه الاغر ، واجسله فى القمة من خضمه الانسانى الهائل ..
وقد كان الوطن العربى كذلك .. ينضج بالسؤدد والمجد ! ..
وثمة وجد الشاعر القروى ما يتردد لنفثات أفكاره ، ومجالا لاعلان ما يتردد بين حنايا أضلاعه وفى خلجات نفسه من صافى الود والاخلاص .. ووجد أن ذلك العز لم يأت هذا الشرق الا عن طريق واحدة .. طريق الرسالة المحمدية .. !
اذن . . وما دام هذا الناموس .. هو سر عز الشرق العربى .. وكنه ماضيه الباسم .. فما على الشاعر القروى - وان كان مسيحيا - لو أشاد بالرسول العربى العظيم العظيم ، وحث بنى
قومه على التسامح ونبذ العصبيات المتطاحنة التى مزقت أشلاء الامة الواحدة ، وتركتها نهبا مقسما لاعدائها من أوغاد الغرب ووحوش الغاب .. كما قال :
فقد مزقت هذى المذاهب شملنا
وقد حطمتنا بين ناب ومنسم !
ويحتفل مسلمو العرب فى البرازيل - ذات عام - بذكرى مولد النبى الكريم محمد بن عبد الله - عليه السلام - فيهب شاعرنا مشاركا المسلمين هذه الذكرى بشعره الانطلاقى الحر :
عيد البرية .. عيد المولد النبوى
فى المشرقين له والمغربين دوى
ياقوم هذا مسيحى يذكركم
لا ينهض الشرق الا حبنا الاخوى !
فان ذكرتم (( رسول الله )) تكرمة
فبلغوه سلام (( الشاعر القروى )) !
ويمتهن الفرنسيون حرمة الضيافة العربية ، حين دهموا بيت (( سلطان الاطرش )) واختطفوا أحد الوطنين اللائذين به ، فيثور الزعيم العربى لهذه الاهانة ، ويزحف برجاله لانقاذ الاسير ، وتنشب بين الطرفين معركة هائلة ، كان الابطال العرب يهجمون فيها على الدبابات بسلاحهم الابيض فيقتلون ويعطلون حركاتها .. الامر الذى أعجب الخصم قبل الصديق .. فأثار ذلك كامن شعوره وهز من وجدانه فأنشد قصيدة تتقد وطنية وقومية .. وفيها يقول :
اذا حاولت رفع الضيم فاضرب
بسيف ( محمد ) واهجر (يسوعا)
وتقيم الجمعية الاسلامية فى (( سان
باولو )) سنة ١٩٢٣ م حفلا بمناسبة (( عيد الفطر )) فيلقى فيه الشاعر قصيدته الخالدة - عيد الفطر - التى يقول فيها :
صياما الى أن يفطر السيف بالدم
وصمتا ، الى أن يصدح الحق يا فمى
أفطر - واحرار الحمى فى مجاعة -
وعيد - وابطال الجهاد بمآتم - !؟
وكأنما هو مسلم ، حين تعصر الحسرة مهجته ، فيهتف فى جموع الحفل :
لقد صام ( هندى ) فروع أمة
فهل ضار علجا صوم مليون مسلم ؟
تصوروا . . ان ((الشاعر القروى)) فى أثناء الاحداث الكبرى التى عنى بها الشعب العربى - كان يطوف بين البرازيل واقاليمه النائية ليجمع التبرعات من عرب المهجر لخدمة قضيتهم الكبرى تجاه المستعمرين وأذنابهم الصهاينة ..
وتصوروا .. أن تكاليف رحلاته هذه كانت من ربح (( الجوارب )) التى يحملها على ظهره متنقلا .. !
يقول الاستاذ (( محمد على قره )) فى كتابه - شعر من المهجر -:(( لم تعرف العروبة فى حياتها شاعرا أمينا على عزتها وكرامتها كالشاعر القروى .. بل لم تعرف من قبله شاعرا زاهدا بالمال والبنين ، وكل ما يتصل بالانسان - أى انسان - من نعيم الدنيا ومتعها كالشاعر القروى . . ))
وفى هذه الاقصوصة دليل ساطع على تمكن الوطنية فى قلب الشاعر القروى :
ذلك ان الجالية العربية فى (( بوينس.
أيرس )) أدبت فى سنة ١٩٣٤ مأدبة سخية للشاعر ورفيقه (( الياس فرحات )) وما كادت الحفلة تشرف على النهاية .. حتى هب شاعرنا فألقى قصيدة (( لمن المآدب )) - وهى منشورة فى ديوانه : الزمازم - نعى فيها على القوم اسرافهم ، وذكر أن من الخير لهم لو صرفوا نفقات المأدبة لمنكوبى جبل العرب بلبنان ، ولما انتهى من القائها رمى بريال على المنضدة وتبعه بمثله فرحات ، فتناثرت النقود من كل حدب واجتمع للمنكوبين مبلغ لا بأس به .. ولغة الضاد الفصحى تحتل من قلب شاعرنا سويداءه ، فهو يرى فيها رسالة نبيلة خالدة وغاية عظيمة سامية ومن هنا لم يتورع من وصم المتساهلين بها بالكفر من العرب ورمى العابثين بقوانينها بالالحاد فى حق العروبة ..
وينظم الشاعر قصيدة بمناسبة :
(( عيد الاضحى )) ولكنه ينحو فيها
منحى مستقلا ، ويوجهها على نمط
خاص .. شأن كل قومى اتخذ القومية
شعار حياته وجاء فى ختامها :
رحمة الله على كل فتى
عربى ، راح للعرب ضحيه
وليعد فينا وفى أعقابنا
عيد ايمان بدين الوطنيه
وفى الثانى عشر من أغسطس سنة ١٩٢٦ أقيمت حفلة خطابية فى كازينو (( انتارتيكا )) وكان خطيبها الرسمى : (( بولس طورس )) وهو كاتب وشاعر برازيلى معروف ، وقد زار الديار الشامية أثناء الثورة السورية مراسلا لعدة صحف برازيلية ، فكشف النقاب عن وحشية الفرنسيين وبربريتهم ..
فانتهز (( الشاعر القروى )) الفرصة ، وقام منشدا قصيدته المتأججة بالوطنية (( الحق لا يتجنس )) وفيها يقول متهكما :
زعموا الشام بحاجة لمجدد
نعم المجدد مدفع ومسدس !!
وابن الشام بحاجة لممدن
نعم الممدن للشعوب ((الشركس))
ويقول فى فخار وعزة :
تلك الانوف الشم ليس يزيلها
من أعبد السنغال أنف أفطس
والضيغم العربى ليس يروعه
عند الصدام مخنث (( متبرس ))
ثم يخص لبنان ، وما عاناه من من عبودية وفساد فى الحكم وقت الانتداب .. فيقول :
وطن تحيرت العبيد لذله
وأذل منه رئيسه و( المجلس )
جاء (المفوض) بالعليق فحمحموا
وثنى عليهم بالشكيم فأسلسوا
لا تسلقوهم بالملام فانهم
جلسوا وهل نخبوا لكيلا يجلسوا
فى كل كرسى تسند نائب
متكتف ، أعمى ، أصم ، وأخرس
فكأن ذاك البرلمان خريبة
منبوشة ، وهمو الرسوم الدرس
لولا شفاعة بعضهم للعنتهم
سلم الفتى الحر الجرئ الكيس
وليحيى كل مدافع عن قومه
وبلاده .. وليسقط ((المتفرنس))
وفى معرض الافتخار بالعرب وما ضيهم المجيد ، يترنح شاعرنا طربا ، وهو يعزف على قيثار الكون مرتلا آيات ذلك المجد الاثيل والشرف
الخالد ، ومترنما بتلك العبقرية العربية التى دفعت بركب الانسانية أشواطا الى الامام ، وكانت واسطة خير بين حضارات وثقافات متعددة :
انجبتنا ( أمة ) ما برحت
تنجب الابطال من عهد (( ثمود ))
زرعوا الارض سيوفا وقنا
ثم رووها باحسان وجود
رقصوا الخيل على الطعن كما
رقصوا الطير على خنق البنود
كل يوم يكشف العلم لهم
أثرا عن ذلك الماضى المجيد !
كلما قيل انطوت أعلامهم
وانطووا ، هبوا إلى مجد جديد
كالنجوم الزهر فى أفلاكها
أبدا بين هوى وصعود !
ويمثل الشاعر القروى - هو
والياس فرحات - فحولة الشعر العربى وجزالته فى المهجر ، وأهم ما يتسم به شعره : سهولة الفهم ، ودقة العبارة ورصانة الاسلوب ، وتمكن القافية ، والمحافظة على أصول اللغة وقوانينها شأن شعراء امريكا اللاتينية العرب ، وان كان هذا لا ينافى وجود حركات تجديدية حرة .. !
وتقديرا لوطنيته الصادقة وقوميته الصريحة ، تبرعت الجالية العربية هناك بطبع ديوانه الكبير الذى يعتبر بحق أضخم ديوان شعر عربى معاصر !
فما أنبلها من أحاسيس ... احاسيس شاعرنا القروى !
الرياض

