٢ - اجتماعياته واخوانياته
الانسان اجتماعي بطبعه
ليس يخلو المرء من ضد ولو
حاول العزلة في رأس الجبل
فلا بد للانسان من الاندماج في بيئته وأبنائها ، ولا مندوحة له من المشاركة في شؤون الحياة . والحياة فيها المبهج وفيها المؤلم المحزن . فيها ما يجعل الفؤاد يرقص طربا وما يجعله يرقص مذويا من الألم مما يفتت الأكباد ، في الحياة الغدر والوفاء والامانة والخيانة ، وشاعرنا جرب أترابه فما زادوه الا سوداوية متشائمة ، هو يعترف بالجميل لأهله ويعطي كما يأخذ ويفعل ولا ينتظر الجزاء ممن أسداه له . لأن الوفاء ضريبة لمن يستحقها ولكن ما لا
يحتمل هو أن " يؤتى الحر من مأمنه " هو أن يفعل انسان ما جميلا ثم يبطله بالمن والأذى " ويا أهل ودى " فيها هذا . نعم :
كرهت وصالكم يا أهل ودي
وبت أسومكم صدا بصد
مننتم حين أحسنتم فسحقا
لمعروف تكدر بالتحدي
غضبتم حين فرت من لساني
كليمات نزون بغير عمد
وكم حملت جنوبي من أذاكم
قوارع قرحت عيني بسهد
بكيت لودكم أسفا ، ولكن
كرهت لخاطري سخف التعدي
والغر المئق هو الذى إذا فعل معروفا نشره فى الآفاق وصار يهذي به كمن غاب عنه رشده . . أما الحر فانه اذا فعل ما يطوق الأعناق نسيه وكأنه لم يفعل شيئا فعهد العبودية والرق انتهى ولكنها طبيعة اللئيم هذه :
رأيت الغر ان أسدى جميلا
يعيش الدهر كالمخمور يهذي (*)
مضى الرق القديم فهل عسيتم
حياتي أن اعيش لكم كعبد
فيا أحبابنا ما كنت أدري
بأن جريمتي نصحي ونقدي
أردتم ان أبادلكم نفاقا
لأحظى من نفوسكم بحمد
فالشاعر رقيق القلب ولكنه لا يرضى الاستعباد ، وانظر الى هذا البيت السالف : " بكيت لودكم " فهو يذكرنا بقول الشاعر الآخر :
اذا احتربت يوما ففاضت دماؤها
تذكرت القربى ففاضت دموعها
وفي نهاية القصيدة يحذر الشاعر ذا الوجهين ، فقد توعده الله ، والله صادق في وعده ومن الوعظ الى التوديع الى الدعاء
أذا الوجهين لا يغررك مال
وجاه فالأمور الى التردي
توعدك الاله بشر وعد
وربى صادق في كل وعد
ويا دنيا الطغام سلام قال
يرى دنياهم أغوار لحد
الهي لا تخلفني وحيدا
بأقطار الأنام أعيش وحدي
وهب لى من لدنك خليل صدق
يكون لثورة الأيام زندي
وهذه أخرى بعنوان : " شقاء الفكر (١) وفيها يبث صديقه مواجده :
ولا بد من شكوى الى ذي مروءة
يواسيك أو يسليك أو يتوجع
فهو صبور رغم جده العاثر ، يعيش مع أسفاره التى تعج بأفكار العصور الغوابر ، فاذا جنه ليله لجأ اليها يسامرها :
اذا جنني ليلي أويت لهمسها
ففي الكتب دنيا جمعت في دفاتري
يعانق غيري كل غيداء بضة
ويطرب غيري من لحون المزاهر
وما أربى الا اليراع مثقفا
يسطر في طرس الليالي خواطرى
اذا انثال ساجيه على الطرس ذللت
صعاب المعاني والقوافي النوافر
ووحدة بالعلم تزخر خير من اختلاط بالجهل يسفل . . " وخير جليس فى الزمان كتاب " . وعبدالله جبر امير نفسه يبني مجده بنفسه ، وتطأطئ المصاعب رأسها أمام جهاده العنيد اللطيف العنيف :
فيا وحدة بالعلم تزخر والنهى
بعدت بها عن كل ناه وآمر
وهل يبلغ الآمال الا مثابر
يبدد أوهام الجدود العواثر
تروق له الدنيا جهادا وتنحني
أمام محياه جبال المخاطر
و " الذكر للانسان عمر ثان " ومهر العلم هو العزم والتصميم وتحت الارض أموات هم أحياء ، وفوقها أحياء فى عداد الاموات :
تقول لك الأمجاد ان جئت طالبا
ألا ان مهري عزم كل مثابر
فشيد على الايام مجدا مؤثلا
تموت ويبقى في سجل المآثر
ففى الارض موتى لا توارى جسومهم
وأحياء تطويهم جنوب المقابر
وهذه رائعة أخرى عنوانها : " العالم الثانى " أهداها الى الاستاذ محمد حسن فقى عندما قرأ ديوانه " قدر ورجل " . . وهى من أحسن قصائد جبر " عندى " بل أم قصائده التى اطلعنا عليها وبيت قصيده . فقد قرأ الشاعر شعر الفقى فوجد فيه نفسه ، مشاعره واحساساته فكان كل بيت مواساة للشاعر الصغير من الشاعر الكبير ،
فالاول بائس والثانى شعره يشف عن البؤس ويقطر بالحرمان ، وكلاهما يمثل بيت أبى الوفاء :
أريد أضحك للدنيا فيمنعنى
ان عاقبتنى على بعض ابتساماتى
فاعتبر جبر ، شعر الفقى مواساة له :
أراك تواسينى بغر القصائد
فأضحك جذلانا برغم الشدائد
كرعت سلافا من بيانك صافيا
فأشعل الهامى وأذكى مواقدي
فرحت بهذا الشعر أشدو مرتما
بتلك المعاني الحاليات الفرائد
أعندك تأساء لصاحب مهجة
إذا أصدرت هما تغشت بوارد
وهذه صورة لانسان مشرد مطارد ، تعس الطالع تغشى بنات الدهر طريقه فتسد عليه المنافذ والدروب ، فهو طريدتها المقصودة :
تروح بنات الدهر تغشى طريقه
وتتبعه خلسا كاحدى الطرائد
وهذا نضو آلام توزع عمره في مهامه قفر وقد أطال المكوث هناك بحثا عن قلبه المفقود بتلك الفدافد :
توزع عمرى في مهامه حيرة
أفتش عن قلبى بتلك الفدافد
أسير ونفسى في فلاة بعيدة
كأن نصيبى في شدوق الأساود
أنا المفرد النائى وحولى أحبتي
ولكن نفسي في قلوب الأباعد !
فهل رأيت أو سمعت بأن انسانا يشكو الغربة بين أحبابه وتتعلق نفسه بالبعيدين عنه ؟!
نعم ان هذه حال أهل المواهب والعبقريات فهم مع أحبابهم بجسومهم
فقط ، أما انسجامهم الروحى ففي عالمهم الثاني . . مع الاشقياء أمثالهم الذين يضيئون لغيرهم وهم يحترقون : وقد قال الشاعر :
أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
فقد يسعد الانسان بالوهم ، بالأمل الكاذب يعيش عليه فترة قد تكون أسعد أيام عمره قبل أن يرتطم بصخرة الواقع المؤلم ، وعبدالله جبر مثل غيره بل يزيد على أغلبهم بحس مرهف وقلب حساس ، فهو يبنى قصورا من الآمال ، ويعيش بها زمنا رغدا . وعندما يؤوب للواقع يجد نفسه بين أخشابه وقد كسد سوقها وقد رجع غيره بالفوائد الجمة وعاد هو بالتعلة ، وغصة في الحلق ، وحسرة في القلب ، فيرفع عقيرته مترنما :
وأرفع مثل الناس قصرا من المنى
وما أنا الا زارع غير حاصد
وما أبت الا بالتعلة والأسى
وقد آب غيري بالجنى والفوائد
وقد صاحبتني في الحياة كآبة
وما ارتحت يوما من صراع الشدائد
ولكن العزاء أن اشتعال النفس واحتراق القلب هما مداد خالد لانتاج قيم وأثر خالد :
وقالوا : شقاء العقل آفة معشر
مآثرهم في الكون غير بوائد
فقلت دعونى والآسى وكابتي
وهاجستى الحيرى فتلك روافدى
فلولا اشتعال النفس شوقا وحيرة
لما كان في الدنيا مجال لماجد
ولولا شجون في نفوس كبيرة
لما ازدانت الدنيا بتلك القلائد
وماذا بعد ؟
لنا عالم ثان اذا عز في الدنا
بلوغ الأماني أو نوال المقاصد
وها هي " عودة الطيف " وقد عاش الشاعر بهذا الطيف حتى مله لأنه أضناه ولم يفده . وقبل مغادرة الطيف أمره أن يعرج على الديار ، ويصغي الى الناس وأحاديثهم ، فماذا عساه أن يجد ؟ لن يجد الا عبيدا لشهواتهم ، ومن تأكل الحرزازات قلوبهم ، وتحرق الأحقاد أفئدتهم . وهذه نظرة تشاؤمية ما كنا نريدها للشاعر ، فما زال الخير فى الناس الى قيام الساعة ، والتعميم فى جملته خطل ، وعلى كل على الطيف أن يطوف ويسجل :
طف بالديار وبالأجواء منطلقا
وانصت الى صخب الأقوام في النادى
ما فيهم عاقل يسعى لمنفعة
أو فيهم عالم يسعى لارشاد
الكل منهم غدا عبدا لشهوته
يختال فيها بأثواب وأبراد
فالمم رداءك لا يعلق به دنس
فالقوم قوم حزازات وأحقاد
ونكتفي بهذه الأبيات من " عودة الطيف " ونتجاوزها الى " عتاب وجواب " :
واذا ذهب العتاب فليس ود
ويبقى الود ما بقي العتاب
وفي قصيدته هذه يظهر الشاعر قويا صلفا لا يؤمن الا بمبدأ القوة ، مما يذكرنا بالمتنبي ، ثم يهبط فجأة هبوطا مخيفا الى رقة متناهية . . ويختمها بخاتمة غير مكترث للحياة مما يجعلني أجزم بأن الشاعر قال : " عتاب وجواب " فى فترات متباعدة ، وفي حالات نفسية متغايرة . ولنقارن الثلاثة
الأبيات الآتية مع الستة بعدها ، ولنجعل بينهما هذا البيت :
ألا أيها النوام ويحكم هبوا
أسائلكم هل يقتل الرجل الحب ؟
واليكم أبيات جبر :
أقلي يا رفيقة من عتابي
وخليني لهمي واكتئابي
فما قهر المصاعب غير فرد
شديد القلب كالصم الصلاب
يصاول دهره شهما ويحيا
مع الأنداد مرهوب الجناب
وذات أهيدب حلو جميل
كمثل البدر يسطع في الهضاب
أتتني في العشى بقول زور
ويحلو الزور من شفتي كعاب
وقالت في حديث عبقري
مشوب بالدعابة والتصابى :
أمانك سلوة ترنو اليها
سوى دنيا القراءة والكتاب ؟
وهل آثرت أن تبقى وحيدا
وتحيا دائما رهن اكتئاب ؟
وتفنى العمر في نظم القوافي
وفي ركض بأودية السراب ؟!!
أما خاتمة القصيدة فتتلخص فى كلمة واحدة وهى : " أخذ الحياة كما هى " بعجرها وبجرها "
رضينا بالحياة على شقاها
وعشناها لتأكلنا الثوانى
وكم نجزع لثائرة الليالى
إذا ألوت بأزهار الأماني
أنا الزارى على الدنيا جميعا
زراية تائه طلق العنان
"للبحث صلة"
