* شبهات التغريب, الإسلام وقضية القيم

Share

انتقل مصطلح (( القمة )) من مجال الاقتصاد الى مجال الاجتماع ، وارتبط منذ اليوم الاول باسم الخير والخير الاسمى واعتبر الفلاسفة القيم انسانية في صميمها ، ومندمجة في السلوك الانسانى نفسه ، فهي ليست مجردة مستقلة في ذاتها ولا منفصلة عن الانسان ، بحيث يتخذ من سلوك الفرد دليلا على القيمة التى يؤمن بها ، وقالوا : ان  الانسان حامل القيم ، وهي بخلاف الموجودات فانها كونية مستقلة عن الانسان بعيدة عنه

والقيم روحية ، ومادية ، ونفسية ، واجتماعية ، وذاتية ، وموضوعية . وتتمثل مفاهيم القيم في مجموعتين : قيم ثابتة وقيم متغيرة . والقيم الثابتة لا تخضع للازمان ولا للبيئات ، ولا تتغير بتغير الاماكن ولا العصور ، فهى قيم مرتبطة بالانسان من حيث هو انسان مشكل من روح ومادة ، ومن جسم ونفس .

وهذه هي القيم الكبرى المرتبطة بالمعتقدات والاديان والاخلاق . .

والتى تقوم على اساس انسانى خالص ، قوامه الحب والاخاء والرحمة . أما القيم الاخرى المتغيرة فانها تختلف باختلاف الزمان والمكان وتخضع لاختلاف الظروف الاجتماعية والبئية .

وهذا المفهوم العلمي للقيم هو مفهوم الاسلام . .

وقد أقر الاسلام القيم النفسية والاجتماعية والمادية جميعا فى تكامل يستهدف تغطية حاجات الانسان ، ويرتفع به عن المطامع والاهواء .

وكان الاسلام واضح التركيز على القيم البشرية انطلاقا منه بالانسان من أصدق منطلقاته وهى الفطرة .

فقد دعا الاسلام الى الزواج والطعام

والشراب ، والزينة والعمران وركز حول ذلك الجانب الاجتماعى قيما تابتة ، وجعل لها ضوابط أهمها : التوسط وعدم الاسراف .

وأقر الاسلام كل مطالب النفس والجسم فى مختلف مجالات الحس والغرائز ولم يحرمها وانما اختط لها الطريق المشروع بالزواج وأباحها فى حدود الاعتدال : ( كلوا واشربوا ولا تسرفوا ) . . ( قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) . . ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم ان شئتم ) .

وانما حرم الاصبل الزنا والربا والخمر والميسر والميتة ولحم الخنزير ، وحرم القتل وانتهاك الاعراض . . وذلك تكريما للنفس الانسانية ، وارتفاعا بها ، عن الحيوانية ، وحماية لها من المهلكات ، وحياطة لهذا الكيان الانسانى ( نفسا وجسما وروحا ) من أن يدمره الاسراف في الملذات أو الخروج عن الاعتدال .

وبذلك وضع الاسلام نظاما للقيم يختلف في كثير من عناصره ومواده عن الأنظمة التى عرفتها حضارات الرومان والفرس والاديان السالفة .

وبذلك تحس النفس الانسانية أنه حماها عن أخطار كثيرة :

* ( أولا ) : حماها من أخطار الزهادة واحتقار المادة وقتل النفس وحرمانها من الملذات التى أباحها الله لها . .

* ( ثانيا ) : حماها من اسراف اللذات والشهوات وتدمير الاجساد والمجتمعات نتيجة لضعف قدرة قادنها عن حمايتها والدفاع عنها .

* ( ثالثا ) : رفع النفس . الانسان الانسانية عن العبودية لغير الله ، ونحاها عن أن تستعبدها الشهوات واللذات أو يستعبدها الحكام وأصحاب الرئاسات على النحو الذى عرفته المجتمعات اليونانية والرومانية والفارسية القديمة التى كانت ترى كل ما سوى الحكام عبيدا وخدما واقطاعا وملكا خاضعا للقتل والاذلال دونما رحمة وكرامة .

لقد جعل الاسلام أساس القيم ، الايمان بالله والتوحيد والتقوى والعدل والكرامة الانسانية ، ونادى بالحرية والعلم والعمل ودعا الى السلام والاخاء ، وجمع بين عمل الدنيا وعمل الآخرة ، وواءم بين القوى المادية والروحية . .

وأقام منطقة وسطى بين الافراط والتفريط ، بعيدة عن الشهوات المدمرة والزهادة المدمرة ، بين الترف المفسد والحرمان القاتل . . وازن الاسلام بين مطالب الروح ومطالب الجسم ، ودعا الى التوسط والاعتدال .

ومعنى هذا ان الاسلام لم يعتبر القيم المادية ، قيما مبغوضة أو محتقرة أو مرفوضة ولكنه جعلها على قدم المساواة مع القيم النفسية والروحية ، وجعل كمال الانسان في تكامل قيمه من حيث هو نفس وروح وجسد .

ولم يمنع الاسلام من تطوير القيم الصغرى المرتبطة بالبيئات والازمنة دون المساس بالقيم العليا الثابتة ، فقبل ان يكون للبادية قيم تختلف عن قيم المدينة . وقبل أن يكون لمصر من الامصار قيم تختلف عن قطر آخر ، هذا التفاوت والاختلاف فى القيم الصغرى جائز بل هو ضرورى فى تقدير الشريعة الاسلامية والفقه الاسلامى ،

بشرط عدم الخروج عن الفيم الكبرى التى أقرها الاسلام ألا وهى ، التحرك في دائرة الايمان بالله وتوحيده وتقواه والعدل .

ومن هنا اختلف الفكر الاسلامى مع الفكر الغربى فيما اطلق عليه نظرية ( سلم القيم ) أو ( ترتيب القيم ) ، ومن شأن فكر كل أمة من الامم أن تـختـــــــــــــــار الاسلوب الذى تراه في النظر الى القيم .

واذا كان الفكر الغربى يرى أن للقيم قائمة ، وأن ترتيب هذه القيم صعودا ،

ونزولا يـختلف باختلاف العصور والجماعات ، فان الفكر الاسلامى لا يعترف بغير مفهومه فى تقسيم القيم الى ثابتة ومتغيرة : القيم الثابتة وهي ثابتة ابدا لانها تتصل بالاسلام ، وليس الاسلام دينا وضعيا يتطور مع الزمن كما تتطور الاديان الوضعية والفلسفات ، وانما هو دين سماوى يدعو الناس الى ان يتطوروا هم ليتلاءموا معه وليليقوا به . . ولما كان الانسان هو الانسان فى كل زمان او ومكان فان هذه القيم الثابتة متصلة بهذا الكيان ، مستجيبة لحاجاته وحامية له . ولا شك

ان الدعوة الى تغيير قائمة القيم أو مـــــــــــــــــا يسمى سلم القيم هى واحدة من الدعوات التى حملت لواءها الفلسفة المادية ومن ورائها دعاة تدمير القيم الانسانية ، واحلال مفهوم التطور المطلق ، والحرية غير المحدودة من أجل تدمير القوى البشرية التى تستطيع أن تصمد فى وجه مـحاولة السيطرة على العالم .

ومهما يقل دعاة هذه النظرية من ان ظروف العيش أو تطور المجتمعات . أو تغير الاسباب الاجتماعية أو الاقتصادية ، أو تحول الامم من الزراعة الى الصناعة ، من

شأنها أن ـيـم احلاقا جديدة فان ذلك كله لا يستطع ثنفي أن الانسان نفسه ، في كل هذه المراحل المختلفة هو الانسان بطبيعته وتكوينه وتركيبه النفسى والعقلى والجسمى ، خاضع لقيم عليا ثابتة . . أما تطور المجتمعات والامم والاقتصاد والاجتماع فانه لا شك يحدث تغيرا مقررا ومعترفا به ، وهو ما يتصل بالقيم الصغرى أو القيم غير الثابتة ، تلك التى تتغير بالانتقال من المجتمعات الزراعية إلى المجتمعات الصناعية .

وليس من شأن هذا التغير أن يحطم قيمة من القيم العليا ، كان يسمح بالغاء الزواج مثلا ، أو تـحليل الربا ، أو اطلاق العلاقات الجنسية ، أو التحلل من العبادات . أو الخروج في دائرة المعاملات عن الاصول الثابتة في الاقتصاد أو التربية أو الشريعة أو النظم الاجتماعية .

ان الاسلام يفسح صدره للتفكير والتطور اللذين يحدثان باختلاف الازمنة ، والبيئات ، وان القيم التى قررها هى قيم مرنة ، متقبلة لكل تغيير في التفصيلات والفروع .

أما أن تكون الدعوة الى تغير سلم القيم مدعاة الى تحطيم القيم الثابتة الاساسية فهذا ما لا يقره الاسلام . ذلك أن الامر ليس هو متابعة القيم للحضارة في كل تطوراتها ، بل هو حماية الانسان من ان تدموه الحضارة .

وابرز ما يرتفع في سلم القيم الثابتة في الاسلام :

التوحيد والاخلاق والعدل والتقوى والإيمان بالله ، فلا يعتبر الاسلام دعوة ما . تحاول أن تصدع هذه القيم .

واذا قيل : ان للمجتمعات الصناعية اخلاقا . . غير اخلاق المجتمعات الزراعية فان ذلك لا يعنى باى حال تقبل التحلل الخلقى أو الغاء أنظمة المجتمع ، أو التربية أو اباحة الربا ، أو غيره ، وانما يعنى أن تختلف اساليب العيش فى السكن وصناعة الطعام والمواصلات والزى واقامة الإفراح وتبادل المصالح ولكنها لا تقضى بحال على القيم الاساسية المتصلة بالعبادات أو الاخلاق أو أنظمة المعاملات وقوانين الشريعة الاسلامية .

النظام الاجتماعى القائم على الاسرة نظام فطرى اساسى لا تستطيع نظرية سلم القيم أن تهدمه او تحطمه مهما يتحدث دعاة التغريب في سخرية أو تشكيك عن عفـــــــــــــــــة المرأة ذلك ان نظرية دوركايم القائمة على القول بأن الفطرة ليست فى الزواج ، هى نظرية زائفة ولا يقرها منصف واحد من علماء الاجتماع فى الشرق أو الغرب ، وانما يعرف الناس ان دور كايم هو أداة من أدوات الصهيونية العالمية التى حملت لواء الدعوة الى تدمير النفس الانسانية خلقيا والى تزييف ، لتفسير الانسانى للتاريخ ، والى مهاجمة الانظمة الاجتماعية الثابتة كنظام الاسرة والدين . ولقد أكد التاريخ البشري في مساره الطويل سلامة هذه القيم فى حياة الانسان :

الدين والاخلاق ونظام الاسرة

أما الذين يرون أن ما اصاب العرب والسلمين من شأنه أن يدعو الى اعادة النظر في كثير من القيم ، فنحن معهم فى هذا . وتكن بمفهوم آخر ، ذلك هو أن المسلمين والعرب كانوا قد تخلوا عن القيم الثابتة

. الاساسية التى وسدها اليهم الاسلام . . وان هذا هو مصدر هزيمتهم ونكسستهم ، وانهم لو عادوا إلى سلم القيم الاسلامى ، وأقاموا صرح القيم الثابتة على النحو الذي ارتضاه لهم الاسلام لكان ذلك مصدرا هاما في القدرة على مواجهة خصومهم والانتصار عليهم .

ان ازمة القيم في عالم الاسلام والعرب تدعونا الى التماس مفهومنا الاصيل ، والتخلى عن المفاهيم الزائفة الوافدة التى حاولت أن تكتسح مفهومنا . وتسيطر على مجتمعاتنا وكياننا . .

ويمكن القول على الاجمال بان اتجاه الفكر الغربى الى تدمير القيم انما جاء نتيجة للآثار التى احدثها مفهوم القيم الروحية المسرفة في الزهادة والرهبنة والدعوة الى تحريم اللذات الحسية وقمع الغرائز ، والاشادة بالعزلة عن الحياة وتعذيب الاجساد . فكان ما نرى من فلسفة تحتقر كل القيم الخلقية والدينية وانما ذلك ود فعل للاسراف الذى فرضته القيم التى عرفها المجتمع الغربى ولم تكن فى الحقيقة مستمدة من الرسالات السماوية أو الكتب المنزلة .

ومن هنا كانت الحملة على هذه القيم وتحطيمها ، والانفاج على الحرية المطلقة ، وتغليب اللذات والشهوات .

ولكن الاسلام الذى اعترف بالنوازع البشرية فى مختلف جوانب مطالب الحسد المادية واباح للغرائر المحتلة حرية العمل فى حدود الضوابط التى اقامها ، والنظم الذى وضعها . حفاظا لها ، فانه غير مطالب باجترار مثل هذه المفاهيم أو الدعوات .

( القاهرة )

اشترك في نشرتنا البريدية