روى صاحب ( طبقات الشعراء ) محمد ابن سلام الجمحى ١٣٩-٢٣١ ه هذه الطرفة قال :
(( قال ابو عبد الله : قال الحجاج وهو على المنبر : أنتم يا أهل الشام كما قال القائل :
بنو المجد لم تقعد بهم أمهاتهم
وآباؤهم آباء صدق فأنجبوا
والبيت من قصيدة لحريث بن محفظ ، وكان حريث تحت منبره ، فقال : انا قائله أيها الامير : فقال : كذبت ! ذاك حريث بن محفظ . قال : فأنا حريث بن محفظ ، قال : فما حملك على الرد علي هكذا ؟ قال : ما ملكت حين تمثل الامير بشعرى ان اخبرته بمكاني " ١ه
قلت : وقد حدث لى منذ اكثر من ٥٤ عاما ما يكاد يكون مطابقا لذلك ، فقد كنت آنئذ . . شابا متحمسا ، ولى صلة قوية بالاستاذ الكبير رئيس تحرير جريدة القبلة المرحوم أبي قصى السيد محب الدين الخطيب ، وكنت أتردد عليه في مكتبته بمطبعة الحكومة بأجياد .
وتتابعت أنباء الانتصارات لجيوش الثورة العربية في الشمال فما يفرغ من قراءة بلاغ بفتح مدينة ، الا ويتلوه آخر بفتح غيرها . . حتى احتلت ( دمشق الشام ) في عام ١٣٣٧ ه
فصعدت اليه ، فرحا مرحا ، مدهوشا ، وقلت له في نفس اليوم ما معناه : ( أن قلوبنا قد طفحت بالسرور وليس فيها سعة للزيادة فيه فعسى أن ترفقوا بنا بعض الوقت . . أو يكون لذلك رد فعل لا يحتمل )) . . وخرجت من عنده الى عملى . . فما راعنى الا وجريدة ( القبلة ) تخرج وفي صدرها مقال له : يشيد بهذا الفتح المبين . . واستهله بقوله (( أصدق كلمة تنطبق على شعور أهل البلاد ، كلمة قالها شاب مكى مهذب )) ( وأورد ما قلت له آنفا ) . وهناك تبرمت ان لم يقل انه ( فلان ) . . . وصدر العدد في الاسواق . .
وجاءنى الاشتراك فيه . . فتناولت القلم وهمشت على ذلك أى على ( شاب مكى مهذب ) بقولى (( هو انا ! ! فلان )) وما يزال هذا العدد مجلدا في مكتبتى بهذا التهميش ! وما كان له من سبب الا
( الاخبار بمكانى ) تماما كما قال ذلك ( الحريث ) عفا الله عنى وعنه والشئ بالشئ يذكر ، وهل يعلم بهذا الهامش أحد غيرى ؟ ولكنها غرارة الصبا !
-١٣٤٢- المذهبات _____ والفنون الجميلة
كثيرا ما نمر على ما يرويه تاريخ الادب العربى الجاهلى ، دون التفات الى بعض ما يستدعى الاهتمام به والوقوف عنده ، ومن ذلك ما جاء في ( العقد الفريد ) من : (( ان العرب عمدت الى سبع قصائد من الشعر القديم فكتبتها ( بماء الذهب ) في القباطى المدرجة ، وعلقتها في استار الكعبة . . فمنه يقال : مذهبة امرىء القيس ، ومذهبة زهير ، والمذهبات سبع . وقد يقال لها المعلقات )) ١ه . وأكد ذلك السيوطي صاحب (المزهر ) آخذا من ( العمدة ) لابن رشيق .
قلت : والذي يدعو الى التأمل في هذه الرواية هو أن هذه ( المذهبات ) كتبت بالطبع بقلم عريض ليستطيع القارئ والطائف قراءتها . . وأنها ذهبت ، بمحلول الذهب . . فما يجوز أن يكتبها أو يذهبها أحد من غير العرب أنفسهم ، خطا وتذهيبا . . وكلاهما من الفنون الجميلة !! مما يدل على حذق ( قريش ) لها على الاقل آئنئذ ان لم يكن هناك غيرهم تولى ذلك من مثقفى العرب الوافدين الى مكة من الشام ومن العراق ، حيث لا يبعد أن يكونوا قد تلقوا ذلك من الحواضر الكبرى !
واحب ان يدلى استاذنا الكبير جهبد العلم
والآثار صاحب (( المنهل )) الأغر برأيه في هذا الاستنباط تنويرا للاذهان ان شاء الله ( ١ ) .
- ١٣٣٤ - بخ لك (( يا ابن المروتين ))
حظيت ( بالبريد ) بهدية ، ثمينة غالية ، من أخى وصديقى الكريم الكاتب العربى
(*) (( المنهل )) : إذا كان (( البحاثة )) يعنى به من ينقب في العلوم والآداب عمقا عميقا حتى يصل الى جذور الحقائق الخفية عن كثير من البصائر والابصار فان استاذنا الضليع الشيخ احمد بن ابراهيم الغزاوى يصح اطلاق البحاثة عليه خاصة في شذراته الذهبية هاته . . وامتثالا لاشارته الكريمة اقول الى راجعت عدة مراجع في شان المعلقات فوجدت ابن رشيق في العمدة يقول فيما يتعلق بخطها واسمها :(( وكانت المعلقان تسمى المذهبات وذلك لانها اختيرت من سائر الشعر ،
فكتبت في القباطى بماء الذهب ، وعلقت على الكعبة ، فلذلك يقال : (( مذهبة فلان ، إذا كانت اجود شعره ذكر ذلك غير واحد من العلماء ، وقيل : بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة الشاعر يقول : علقوا لما هذه لتكون في خزانته )) ص ٩٦ ج ١ ط مطبعة السعادة بمصر . واذا كان لى ان اعلق على هذا فأقول : كتابة المعلقات في القباطى - أى قماش البفتة الناصع البياض على ما يبدو لى - يدل على شئ من سذاجة الكاتبين . . فان القباطي لا تتحمل طقس مكة المكرمة زمنا مديدا اذا صح ان تعليق المعلقات كان على الكعبة بل تتهرأ بسبب عوامل الجو من حر وبرد ومطر ورياح شديدة تهب على البلد . . وكتابتها بالذهب يدل على فنية دقيقة لان
الذهب إذا عولج بالاصباغ ثبت دهرا بقدر ثبات ما كتب عليه . . والقباطى مصرية . . فلعل وروده لمكة كان من مصر ، ولعل ماء الذهب كان من مصر ايضا . أما الكتابة فالامر فيها كما يتراءى لى كما قال شيخنا البحاثة اطال الله بقاءه فى صحة وعافية وزاده سعة بحث وعلم وادب وروعة شعر على مدى الايام .
الكبير سعادة الاستاذ (( عبد العزيز الرفاعى )) . . حفظه الله ورعاه . . وهي الرابعة من انتاجه الهادىء الرصين . فقد سبقها ( ثلاث ) قبلها هي (( ١ )) توثيق الارتباط بالتراث العربى . و (( ٢ )) جبل طارق . و ((٣))خمسة ايام في ماليزيا . . وكانت هذه المرة (( ٤ )) كعب بن مالك الصحابى الادب . . رضي الله عنه . .
وقد لحق بها أيضا (( التحقيق الدقيق )) الذي اضطلع به الاستاذ البحاثة (( يحى محمود الساعاتى )) في كتابه (( أبو محمد البطال )) .
وكنت أحب أن تحذف الالف من لقبه . . حتى يكون كما هو (( البطل )) . الا ان النصوص لا تبدل ، وقد زين بمقدمة ( رفاعية ) قيمة ، تدل على ما كان لنا من يطولات لم يزل يتغنى بها الجاحد ، ويتمنى مثلها الحاسد ، ولها من التاريخ أعدل شاهد ، وفيها من المثل العليا ما يتزود به حبلنا الصامد وجيلنا الصاعد ،
وهذا كان لى ما اقوله عنها - فانى لاجدها مدعاة للغبطة وحافزة على الافتفاء . ودليلا على الاختيار ، بما اشتملت عليه من حماس دافق ، واسلوب شانق . وما احتوته من اخلاق قوية ، واخلاص عميق ، وايمان راسخ ، ومجد باسق ، لا يعنى به الا اولئك الذين آتاهم الله من نور البصيرة ما يستخرجون به اللآلئ من اغوار البحار . . ويكتشفون المخبأ من الكنوز والآثار . . ولهم بذلك دون ريب الفضل الكبير - والأجر الوفير - وعقبى الدار .
لقد شغل الناس عن هذه الذخائر ما
دهمهم من المشاغل والمشاكل . . كما استهوى الأكثرين ما تقذف به المطابع من الانتاج العصرى الحديث . . وقد موه أغلبه بمظهره الخلاب ودعاياته المنمقة !. وغلب عليهم الانصراف عن تراثهم الزاخر ، الى الزبد والجفاء ، والغث والغثاء ، يقتلون به الفراغ ، أو يشغلون انفسهم بما في بعضه من المغثيات وبواعث الاستفراغ . . ولو هم التفتوا الى ما عندهم من الثراء الموروث . و (( الركاز )) العظيم ، لكان لهم فيه الغناء عن كل مستورد ، ومستوضح ، ومشعوذ ومطلسم ، ( ولكل اجل كتاب ) .
وما كان استخراجه من مكانه ومصادره الاولى ، سهلا ولا ميسورا . لكل قارئ ، وكل مثقف ، لانطوائه بين ثنايا الموسوعات الضخمة والمؤلفات المهملة . . فاذا استطاع أحدنا أن يتوافر على ذلك وان يتصدى له في دأب واصرار . . فانما يكون باعثه على هذا الاخلاص المكين ، والايمان واليقين . والا نكص عنه من أول الطريق . واكتفى بما حازه من الاحاطة والاماطة ، ولا حاجة به الى ما يعنيه ، ويشق عليه جمعه وتاديه .
ولكن المؤمن الحق ، لا يؤمن حتى يحب لاخبه ما يحبه لنفسه . . ومن هنا كان اهتمام الاستاذ ( الرفاعى ) بهذه الغرر والدرر التى أوجزها وأنجزها ، وملكها وأحرزها ، وجمعها فى كتبه التى احسبها ( عصرية ) من حيث بلورتها . . فى
( فيتامينات ) مركزة ، يسهل وهضمها ، دون تكلف أو املال !!
فأما كعب بن مالك فانه كما قال ابن كثير : (( شاعر الاسلام )) وهو الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينشده ويتعديه على المشركين وهو الذي تحفظ له ام المؤمنين ( عائشة ) رضى الله عنها الكثير من قصائده المطولة . . وهو صاحب الحديث الذي آورده الامام البخارى في صحيحه عما قاله عن نفسه يوم تخلف عن غزوة ( تبوك ) رضي الله عنه
وما أريد أن أشيد بالاسلوب الشائق ، والنسج الرائق ، فهو غنى عن الاطراء ، وبرىء من الدعوى والاغراء ، غير انى أجد الفرصة سانحة لأنوه بهذا التوفيق فى استخلاص ما ينفع الناس فيمكث في الارض ، وهذا الالهام في الاخراج والعرض ، والتمكن من أن يتتهوى القراء إلى أن يستوعبوه في نهم وارتياح ، واجمام ، واسترواح
ولقد زاد في تقديرى واعجابي بذلك - أن الاستاذ الرفاعى لم يضن بآثاره وانتاجه على الصحف والمجلات المحلية بكل رائع وشائق من المقالات المحبرة رغم ما هو مكلف به من الاعباء الرسمية والعائلية ،
بالاضافة الى ما يصف به شخصيا من الاستقامة والنزاهة والتحلى بمكارم الاخلاق
واخيرا - فان ( مائدته ) هذه التى تخيرها وما فيها من لذائذ الفكر - قد جمعت فاوعت ، وحفلت بأشهى القطوف وأطيبها وأزكاها ، وما هى الا مشارع للارتواء ، ومشارق للضياء ، واشعة من الذكاء وجدير بنا ان نتحلى بها ، وان نتخذ منها أمثلة تقتفى ، وان نستزيده منها ما أمكنه الجهد ،
وواتاه الاقتناص والاستخلاص ، وعلى حملة الاقلام منا ان ينسجوا على منواله فان منهم من لا يشق له غبار فى ميادين الكتابة والاصابة ، وارجو أن تكون دعواتى لهم مجابة ، في التوافر على مثل هذه المأثرات الخالدة عوضا عن الانصراف الكلى الى أعمدة الصحف . فهذه وقتية ، وتلك أبدية ، وما برح اصحاب التدوين تترطب بالترحم عليهم الشفاه والالسنة والقلوب ، وقد حفلت المكتبة العربية الكبرى بالكثير مما يزخر به التراث العربى والاسلامي من كنوز لا تقدر بأثمان ، وفيها من كل فاكهة زوجان . . غير انها في حاجة الى التمحيص والتلخيص وهو ما لا يستطيعه الا المتخصصون . . ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) .
