شذرات الذهب

Share

- ١٠٧٠ أولية " القناديل " بالمساجد

عن على رضي الله عنه أنه " سمع القرآن هى المساجد ورأى ( القناديل ) تزهر في المسجد ، فقال : نور الله على عمر في قبره كما نور علينا مساجدنا " أه

قلت : فهذا الخبر يدل على ان أولية القناديل واضاءتها بالمساجد انما كانت للفاروق رضي الله عنه ، وقد أدركنا وشهدنا هذه القناديل منذ ستين عاما وهي من الزجاج البلوري . . مناطة بمدار المطاف والمقامات والرواقات بالمسجد الحرام وتزود عصر كل يوم او صباح بالوقود من

الزيت . . وبالفتائل . . وتضاء قبل الغروب . . ولها هوظلون ومراقبون ومعتنون ، ثم أبدلت بمصابيح الكهرباء . . وألغيت القناديل . ومن قبلها كان الوجهاء يستخدمون "البرم" ( بضم الباء ) التى لم تزل تحتفظ بعض البيوت العريقة بنماذج منها وهي ذات الوان بهيجة . . واشكال بديعة ! حتى أن أحد مؤرخي ( الطائف ) ذكر ان محلة ( السلامة ) وحدها كانت تضاء على أبواب الوجهاء والاثرياء من سكانها والوافدين اليها فى الصيف من مكة ومن جدة ما يزيد على الربعين (برهة) من قبل نحو عن اربعة قرون خلت وذلك قبل ان تخرب اكثر منازلها بالحوادث الجوية أو الارضية . . بما الأن فانها تنار بالكهرباء . . من كل جانب وفي شتى المناطق والانحاء كما هي الحال في جميع مدن المملكة . . وضواحيها وقراها والحمد

لله على نعمه السابغة ، وأوزعنا الشكر عليها كما يحب ويرضى .

- ١٠٧١ - كتر الله خيره

اكاد اجزم - على قدر ما استطعت ان أحيط به فيما اطلعت وقرأت - بأن أول من استعمل هذه الجملة - ونظمها فى شعره هو قيس بن الملوح ( مجنون ليلى ) - اذ جاء فى احدى قصائده اليمانية المطولة الشهيرة :

ويا عم ليلى عمر الله عامرا

اخوها - فقد ارعى بليلي ذياميا

ويا عم ليلى ( كثر الله خيره )

كما لم يطل في حب ليلى خصاميا

هذا ومن المعلوم انه كان يعيش فى عصر عبد الملك بن  مروان أي فى القرن الاول الهجرى . . واحسب ان الناس قد تداولوها قبله - أو معه - أو بعده حتى اصبحت هجيراهم في زماننا هذا . وما ألطفها واظرفها . . وهي تقال غالبا للشكر والمكافاة بالدعاء . . واحيانا اخرى تستعمل لرد الاساءة بالاحسان . . وتتميز بالقرينة . . ولو تعقبنا كثيرا مما يجرى على السنة العامة . . لوجدنا له اصلا راسخا ، منذ العصور الاولى

- ١٠٧٢ - " الهدى " ضاحية بالطائف و " الهدة " بين مكة وعسفان

فما من يجهل ( هدى الطائف ) . . فهو ذروة من كرى وهو الطريق (الفيصلى)

الجديد ، المسفلت العتيد بل هو احدى عجائب الفن في هذا الزمن ! ومن أكبر حسنات أبي ( عبدالله ) الخالدة أحسن الله مثوبته على ما شيد من أمثالها . .

الا أن بعض الناس يقولون ايضا " هدى الشام ، ويلفظونها بالياء ويعنون به هذا الذي - يقوم بين مكة وعسفان . . وفي مطالعة عابرة رأيت أبا نعيم صاحب الحيلة . . يقول : عن أبي هريرة انه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الانصارى جد عاصم بن عمر بن الخطاب فانطلقوا حتى إذا كانوا ( بالهدة ) . . بالتاء المربوطة . . بين عسفان ومكة ذكروا لحى من هذيل يقال لهم " بنو لحيان " فنفروا اليهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه ، قالوا : نوى يثرب فاتبعوا آثارهم الخ . . . اه . وليس المراد قصة الرهط وما انتهى اليه امرهم . . وانما هي للنص الوارد فيها عن ( الهدة ) ! وبذلك يتضح الفرق بين هدى السراة . وهدى تهامة . . فما تشاكلا ولا نماثلا لفظا ولا معنى ! ! الا أن يكون هناك نص أصح . . والله أعلم

- ١٠٧٣ - سمعت " حسك " أى صوتك

قال ابو ذولب الهذلى فى عينيته المشهورة : فشربن ، ثم سمعن " حسا " دونه شرف الحجاب ، وريب قرع يقرع

فبقرينه سمعن . . يكون الحس هنا . الصوت ، وهو ما يحس به السمع ويتصل

به . . عن طريق الأذن . . وقد يكون الحس عاما فى جميع الجوارح . . الا انه تميز بالصوت . . " ومن هنا نجد المتداول بين الناس صحيحا . . وهذا ومثله أصل له . . فى الاستعمال " ! . ومنهم من يقول إذا دعوت له بالخير والنعمة او الهناء : " بحس الله ثم حسك " . . ويلفظها غير معربة . . وهي على ما فيها من اللحن انما تعنى بأمر الله . . ثم بوجودك أو رعابتك . . أو اعانتك " . وأبو ذويب هذا كان فى عصر عثمان بن عفان رضي الله عنه

وجاء في مناقب الفاروق رضي الله عنه " انه عندما فاجأ أخته وختنه وكان عندهما رجل من المهاجرين يسمى " ضبابا " فلما سمع ضباب ( حس ) عمر تواري في البيت فدخل عليهما فقال : ما هذه الهينمة التى سمعتها عندكم ؟ وكانوا يقرؤون ( طه ) فقالا : ما عدا حديثا تحدثناه بيننا . قال فلعلكما صبوتما ؟ ال الخ . . فاستعمال الحس بمعنى الصوت قديم ولا اعتراض عليه بحال !

- ١٠٧٤ - انحاش فلان أى ذهب

مما فطنت اليه ولفت نظري في لهجة اخواننا أهل نجد - قولهم : انحاش فلان من الدار أو المجلس " بمعنى خرج وقرأتها في ) الحلية ( لابي نعيم فيما رواه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما . . بمعنى ) دخل ( أيضا . . فهو يقول : " زوجني أبي امرأة من قريش فلما دخلت على جعلت " لا انحاش لها . مما بي من القوة على العبادة من الصوم

والصلاة . . فجاء عمرو بن العاص الى " كنته " . . أي زوجة ولده . . فقال لها كيف وجدت بعلك ؟ قالت خير الرجال - أو كخير البعولة من رجل لم يفتش لنا كنفا . . ولم يقرب لنا فرشا " الخ وتمام الرواية أن عمرا أباه شكاه الى النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل . ) يطلب في محله من الحلية ( الا أن الشاهد منه : " انحاش . . فهو كما يطلق على الخارج أو الذاهب . . يصح اطلاقه بهذا النص . . على الداخل والآيب . . الا انه فى زماننا لا احسبهم يطلقونه الا على من ذهب أو خرج . . أو غادر مكانه أو رفاقه . واخوانه . . ولم اظفر بها في الاضداد ولا فى المتداول . والله اعلم

- ١٠٧٥ - الزعل ، هو النشاط

يقول أبو المسلم الهذلى فى احدى مناقضاته مع صخر الفى الخثمى . . وهو يصف القوس :

يكاد يدرج درجا أن يقلبه

مس الانامل صات ، قدحه زعل

- بكسر العين -

وجاء في الشرح " والزعل : النشاط بفتح الزاي وتشديدها وفتح العين . . تماما كما نقولها الآن ) زعل ( . . ونعني به الغضب أو الكدر . . أو الحقد : فأين كل ذلك من النشاط ؟ ! الا ان يكون نشاطا فى المزعجات ؟ ! قاصرا عليها . . فان لم تقترن به هذه الملابسات فيما أحسن النشاط جسما وعقلا . . وحكما وفعلا . . ونبلا وفضلا . . وسخاء وبذلا . . ولكنه اذا أطلق . . فقيل أن فلانا ) زعلان ( فانه يتجرد من

كل هذه الاوصاف الى ما هو مدلوله عبر القرون في الاذهان . حتى كتب بعض أهل المخازن التجارية لافتات على محلاتهم . - الدين ممنوع . والزعل مرفوع " : فاكفنا اللهم الزعل تكديرا . . وهبنا منك النشاط طاعة وتيسيرا وتبشيرا .

- ١٠٧٦ - " الشينى " و " الصينى " . وما جاش

يعير الكثيرون - بقولهم عن الصبين بأنها . الشين ، ولا أدري من أين دخلت الشين على الصين ؟ وأخيرا اهتديت الى أن التحريف ان جاء من طريقة التلفظ فهي فى الاصل بالجيم . . أى . الجين . ولعل هذه الجيم المنقوطة المثلثة من : تحتها . لهجة متداولة في تلك البلاد . . أو ما جاورها ولتكن ما كانت فان ذلك لا يهمنا فى قليل أو كثير !

غير أن اخواننا في مصر ينطقون هذه ) الشين ( ، فى اللهجة العامية . . أى غير الفصحى فى اكثر ما ينطقون به فهم يقولون . ما جاش وهي تعنى : ) ما جاء فمن أين امتزجت هذه الشين فى عامية بلد عريق تميز بالتراث العربي العظيم والعلم الغزير والأدب الفياض ؟ . . ومنه وعنه صدرت في القديم والحديث الحضارات والثقافات ؟ وأكاد اجزم أن هذه الشينات دخيلة فيه من اختلاف الجهات أو اللهجات كما عرفت بعض القبائل العربية فى قلب الجزيرة بالكسكسة والكشكشة . . وما اليها . . ولا علاج لذلك الا بارتفاع

مستوى الثقافة فى شتى البيئات ، ومختلف الاوساط . . ومع ذلك . . فالأمل ضعيف جدا فى تقويم الالسنة كلها فى هذا بعد أن درجت وتداولته الألسنة في القرون الطويلة ، ولا أقول ذلك أنكارا وانما هو تساؤل عن الاسباب ، لو أمكن عليه الجواب ، وفي المثل السائر : " إذا لم يكن ما تريد . فأرد ما يكون " ! . وحسبنا الاجماع والتلاقي في قوله تعالى : " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " . . والكمال لله وحده جل وعلا .

- ١٠٧٧ - الاسطول الحربى العربى سنة ٧٣٩ م

فى عهد الخليفة الاموي سليمان بن عبد الملك . هاجم الاسطول البحري العربي الذي حشده مع القوات البرية لاقتحام اسوار القسطنطينية عام ٧٣٩ م ) اي قبل الف ومائتى وثلاثين سنة ( وكانت قطعه مؤلفة من الف وثمانمائة سفينة للحرب والنقل عدى الجيش البرى الذي كان بقيادة اخيه البطل مسلمة بن عبد الملك ( : وهو كما روى المؤرخون نحو مائة وثمانين الف جندى

وقد بلغ فعلا غايته من حيث عبوره معاقل الروم فى مداخل " الدردنيل ، بحرا . . وزحف من بحر " مرمرة " الى الضفة الغربية الاوروبية . . وكانت وسائل الدفاع الحديثة . . وهي النار اليونانية . . آنئذ . . من أسباب أنسحابه بعد ذلك " . وكان من الفتح قاب قوسين أو أدنى

قلت : وكذلك كان موقف الحلفاء هذه المضايق . . خلال الحرب العالمية الاولى

. . فقد تكبدت أهول الخسائر أساطيلهم الكبرى المزودة بأحدث الأسلحة والطوربيدات . . والمدرعات . . والمدافع الهائلة الضخمة . . بعد مرور الف عام على الغزو العربي الاول وارتدوا على أعقابهم عنها بعد تضحيات لا تحصرها الارقام

والهدف من ايراد مده الشذرة هو التذكير بما كان للعرب فى ذلك العصر من قواب هائلة مرهوبة فى البر والبحر . . ويمثل هذا العدد الذي لا يضاهيه فى العصر الحديث الا الحشد العظيم في أواخر الحرب العالمية الثانية عند غزو الحلفاء لاوروبا من الجنوب الفرنسي

و كذلك الامل في أن بعيد التاريخ نفسه فلا يزاحم العرب في تقدمهم وتفوقهم في كل مظاهر القوة والعتاد والاعداد . . وما ذلك على الله بعزيز اذا هم عرفوا ما كان عليه اسلافهم الغير الميامين

١٠٧٨ - يخبئن أطراف البنان من التقي

ما أروع وأورع ابيات النميري الخالدة اذ يقول :

تضرع مسكا بطن نعمان اذ مشت

به زينب في نسوة عطرات

يخبئن اطراف البنان من التقى

ويخرجن نصف الليل معتجرات

ولما رأت ركب ) النميري ( أعرضت

وكن من أن يلقينه حذرات

قالوا : أنه عندما سئل فيمن كنت يا نميري ومن هم ركبك ؟ قال : كنت أنا وغلامي وحمارى

وتذكرت أنني منذ أكثر من خمسين سنة كنت أدعي - قبل أن ابلغ الحلم الى بعض بيوت الاقارب . . لاكتب رسالة من احدى العجائز الجدات وقد تجاوز سنها الثمانين . فكانت تختمر . . وتتستر وتحتشم منى - وربما تلثمت وأملت على ، ما تريد الى أختها أو ابنتها فى جدة او في الطائف . وكانت تحتم على ان اكتب ما تقول نصا وفصا : وتبدأ بعنوان الكتاب وتمليه على ، في كثير من العناية والاهتمام وتقول : اكتب :

( الدرة المصونة . . والجوهرة المكنونة ) ( فلانة )

وتضن يذكر اسمها على الظرف . . فلا يظهر الا فيما هو محجوب عن النظر الفضولي . . وتعنون الظرف باسم محرم لها من الرجال ! ليكون واسطة لا يصاله . .

. وكن يحرصن على أن لا - يسمين . . عند من لا قرابة له بهن أو فى المجالس والاندية . . ويرين ذلك احدى النكرات . . ويستوى فى ذلك الفتيات والعمات والخالات والامهات والجدات . . حتى الخادمات فلا يعرف ذلك عنهن الا من تربطه بهن وشائج النسب والقرب والصهر المتصل ويخفضن من أصواتهن . . ويغضضن من أبصارهن . . ولا يتحدثن مع غير من أباح الشرع الحنيف محادثته من الرجال والمراهقين ! واذا اقتضى الحال ذكر أحد الناس اسم زوجته فى ملأ . . أو أخته أو ابنته فقد لا يفرغ من ذلك حتى تنشب المعركة الطاحنة بما لا ينتهى الا بفقشة أو علقة ساخنة !

وقد كن لا يسمحن باستخدام من تجاوز البلوغ أو قاربه . . ولا بأن يجلس بينهن أو يغسل أطباقهن . . أو يمسح بلاط

منازلهن الا ممن هى من بنات حواء . . ومع صغر سنى آنئذ . . فلا أرى منهن الا من جلل الشيب مفارقهن . . وتلفعن بالشراشف . . والمناشف . . والملاحف . . كان ذلك وللرجال ) العيون الحمراء ( والغيرة الصارخة . . وقد كفاهن ذلك كله منهن الفطر السليمة والسير القويمة . . والاخلاق العفة المستقيمة . . أخذا بآداب الدين الحنيف . وما تلقينه من الاصول المتأثرة بالوسط المجبول على العقائد الصحيحة . . والفوائد الحسنة . وويل لمن شذ من الفريقين معا . . فانه لمحل السخرية والازدراء وقلما وجد . . ان لم يكن مفقودا . . بين جميع الطبقات . . لا فرق بين غني وفقير . . وكبير وصغير وصاحب كوخ . . ورب خورنق أو سدير

هذا ما كان وعاصرناه ولمسناه وما أردت بايراده الا اثباته للعظة والذكرى . . والذكرى تنفع المؤمنين "

وما يزال الخير باقيا فى أمة محمد صلوات الله وسلامه عليه وقد أرسله الله رحمة للعالمين . وقديما قال الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي :

أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها

مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب

وقبله بقرون عديدة قال الشاعر الجاهلى المثقب العبدى :

ظهرن بكلة ، وسدلن رقما

وثقبن الوصاوص للعيون

وسقي الله عهد الكباويت اتكاد تذكر مع البراقع ، الخلاخيل . .

واين : " هاواى " من " هيت " -

- ١٠٧٩ - السليق : أقساما بالطائف ومكة

اعتاد الاوائل . . ممن أدركنا آخرهم . . بالطائف دائما وأبدا . . شتاء وصيفا . وبمكة فى ليالي الشتاء فقط . . عمل العشاء سليقا ، الجذعان " أو " الربعان " . . أو " الهبعان " وقد يكون ذلك حتى فى الغداء فاذا ما نضج اللحم . . أخرج من الجفنة او القدر . . وتولى أفطنهم بالقسمة واعدلهم - تقسيمه على المشتركين فيه . . بما يسمى " الباي " . . بحيث لا ينال احدهم ميزة تخصه منه . . مهما علا قدره . . وامتاز محله ! واذا كان ثمة من محاباة فهي فى احسان الاختيار كيفا . . وتقليله " كما " ! حتى ليرضى بذلك كل مشترك . . وله كل الخيار في أن يأخذ الاقل اللين الهين . . أو الاكثر الذي يحتاج فى عملية الهضم الى السفوف أو " الجراوش المهضمة .

ثم بعد الفراغ من ازدراده . . بعد الكبدة واللية . . المقسمة أيضا على عدد المساهمين وما اعذبهما مع الملح والفلفل يمزج الحليب البقرى بالمرق . . ويغلي بعض الوقت ثم يوزع بنفس الطريقة في الاكواب . . فاذا ما انتهوا منه . . كأن ) الأرز ( قد نضج واستوى ! وأضيف اليه السمن البقرى الحر أو " القطرة " التى يكاد يشرب من صفائها ونقائها . . وكل ذلك السمن من انتاج وبركات الله فى ديارنا . . وبوادينا ومدت التباسى ، . . واتوا على ما فيها مسحا وكسحا . . وتناولوا " الشاى " . الاخضر . . المعطر . . او المعنبر ! ثم

يحاسبوا على آخر دانق ! ودفع كل ما عليه . . وما كان ليزيد عن القرشين الى الثلاثة . . حتى بلغ الريالات وتجاوزها الى . المجيديات " ! أو الليرات !

ومن ميزات هذه الطريقة التى عفي عليها الزمن . . أن من شاء من المشتركين إن يحفظ قسمه من اللحم او يسهم بأكثر من سهم واحد حق له ذلك . . مع الرز أو بدونه وله ان يأخذه أو كليهما الى اهله او ولده في داره . . على ان يدفع ما وجب عليه دفعه كاملا . . وقد كان بعض اهل الترفه . . أو الذوق الرفيع . . لا يستسيغون ذلك بزعم انه بداوة او بدائية . وفاتهم أنهم بهذا . لا يعرفون من أين تؤكل الكتف ؟ " وان الاشتغال بهذه التوافه انما كان من باب التسلية مع مراعاة احكام الطب وشروط الصحة . . وتخفيف العبء . . وتوفير الاجتماع على ما لا حرج فيه ولا تثريب  وكم لنا ابان ذلك وخلاله من مؤانسات ومعابثات تولى بها الشباب ، وأين منها أو اليها الاقتراب ؟

أما اليوم . . فقد وجد الجيل الجديد هواياته في الدرس والمطالعة والكتابة والصحف والمجلات " والأذاعة " و " المرناء و سلام على نوح فى الأولين .

- ١٠٨٠ - " المسوجر " لغة

من الرسائل البريدية ما يسمى . بالسوجر " . . وهو ما تؤخذ أجرته مضاعفة لما يحوطه من عناية وحفظ واهتمام . وتكتب الكلمة أحيانا بالكاف لا بالجيم

( مسوكر ) . . ومع احتمال انها دخيلة من لغة أجنبية لكثرة أمثالها فى مصطلحات الحضارة الحديثة . الا أنني ظفرت عرضا او مصادفة بها في ) بيت ( لأبي الطيب المتنبى يصف فيه - مع أبيات قبله وبعده كلب صيد أخذ ظبيا وحده بغير صقر في أرجوزة جاء فيها :

عن اشدق ) مسوجر ( مسلسل

أقب ، ساط ، شرس ، شمردل

وفسر الشارح ) المسوجر ( بأنه : الذي فى رقبته ساجور .

وتأولت ذلك في الخطاب المسوجر أو المسوكر . . بأنه المطوق أو المقيد . . الذي يتعذر انفلاته ، ووجه الشبه بينهما الربط والضبط والقيد والحفظ . . اللهم الا أن تكون الكلمة ) دخيلة ( ولها ) معني ( أوسع في هذا أو شبيه به . . غير أننى أسر كثيرا اذا عثرت على ما يمكن به تعريب المستحدث من الالفاظ الغريبة فما عرف ذلك في البريد العربي قديما . . ولهل أستاذنا العلامة صاحب المنهل الأغر . . . يزيد الموضوع توضيحا بما أتاه الله من سعة الاطلاع ، وقوة الاضطلاع زاده الله نورا وعلما وتوفيقا ( ١ )

- ١٠٨١ - طعم الماء

قال البحتري :

رب خذ للشعر من زمر

أسمعونا منه - ما اضنى

مثل طعم الماء ليس له

فى فم ، طعم - ولا معنى

قلت : ولا يزال الناس الى يومنا هذا يرددون جملة دارجة من هذا القبيل عندما يستنكرون شيئا . . أو لا يستحسنونه ليقولون عنه : ما له معنى .

ويرحم الله البحترى ، فلو عاش حتى شهد هذا العصر وما يسمى فيه ) شعرا ( . لآثر أن يتجرع ماءه : ولو غص به . على أن يتقيا ) قلبه ( أو يتبلغ بالسلم بفتح السين واللام - ولن يبقى الا الاصلح والصحيح الديك الفصيح من البيضة يصيح ( . . .

- ١٠٨٢ - ما هو " الابريق " ؟

قال مهيار الديلمي :

ومدير - سيان - عينا . و الابريق " فتكا ، ولحظه والمدام

والأبريق هنا السيف : سمى بذلك بريقه ! وقد اختاره لمناسبته لفظا للمدام .

قلت : فلو حاول اليوم أحد أن يجعل اسم السيف الابريق . لتغامز عليه

الناس . . ووصفوه بالبلاهة . . فما ابريقهم ، الا هذا الذي يقضون به حاجتهم لو يترضاون عنه . . وقد اخني عليه الذي اخني على لبد . . فاخذ فى الانزواء وأصبح في خبر كان ! وأغنى عنه ما استحدثته الحضارة من وسائل آلية ومعدنية : و " ما عندكم ينفد وما عند الله باق " ..

- ١٠٨٣ - النار ، والظلام

قال الصلاح الصفدي :

صديقك - مهما جني غطه

ولا تخف شيئا إذا أحسنا !

وكن كالظلام مع النار اذ

يواري الدخان ، ويبدى السنا

قلت : ما أحسن ما أولد من المعنى الجميل . فى هذا التمثيل حتى جعل للظلام . به فضيلة تضاف إلى ما قبلها فيما يروى من قول الشاعر الآخر :

وكم لظلام الليل عندي من يد

تخبر أن " المانوية " تكذب ؟

وهنا أجدني أتساءل في اندهاش وانكماش : هل مثل هذه الأخيلة والأمثلة ، مما ينعى على هؤلاء الشعراء القدامى ؟ وهل فى شعرائنا المحدثين . . أو المعاصرين من تلذ له أو تعجبه هذه الومضات ؟ ! أو أن له ما يضارعها ؟ أم ان الأمر لا يخلو من حكمة المثل اليامى : " إذا عليك العنقود . . قل : حامض يا عنب " ؟ ! .

اشترك في نشرتنا البريدية