شذرات الذهب

Share

- ١٣٣١ - جيد " ابن أجياد "

في اضداد ابن الانبارى بيت عزاه الى شاعر عن ابن الأعرابى ، قال :

أيام أبدت لنا جيدا ، وسالفة

فقلت أنى لها جيد (ابن أجياد)؟

قال : فان يعقوب بن السكيت يرويه : " أني لها جيد ابن أجياد " ؟ باضافة الجيد الى ( ابن أجياد ) . . ظبى يكون في جبل بناحية مكة . . يقال له " أجياد " . . أى لها عنق هذا الظبى الذى يسكن هذا الجبل اهـ .

قلت : ونستدل من ذلك على أن " أجياد " انما هو اسم للجبل . . وبه سميت المحلة كلها من جميع جهاتها المحيطة به ، كما يدلنا على أن الظباء ذوات الأجياد . . كانت ترعاه ، وانه على كون كل الظباء في سائر الصحراء ، ذات جياد ، يضرب بها المثل في الحسن والجمال وفتنة التلفت ، فانظبي أجيادكان في نظر الشاعر على الأقل أمثلها وأجملها وأحقها بالتشبيه والتشبيب . . ويظهر أنها منذ اتصل بها العمران ، وتسلق السفوح والقمم ، نفر منها هذا الظبى وبارحها الى حيث يجد الأمن والاطمئنان . .

وهكذا هي طبائع الانسان والحيوان . . تجنح دائما الى الابتعاد عن المزعجات ، والمنغصات وتستبدل بمواطنها خيرا منها اذا قلقت وتقلقلت . . وان اشتد بها وعليها فراقها . . وسبحان من قدر فهدى . . وله الأسماء الحسنى .

- ١٣٣٢ - " المثناة " - هى " المسناة "

سقى الله " المثناة " وزادها بركة وتعممة ونماء . . وما أحسبها في الأصل الا المسناة ، والمسناة - بضم الميم وتشديد التون - "حاجز يبنى للسيل ، ليمسك الماء" وذلك ما يشاهد في " مثناة الطائف " . . فلها عدة حواجز لتصريف السيل وتوزيعه بين مزاررعها وركبانها . . وكل حاجز تدعمه الصخور الضخمة والعقمان الرملية العالية . . وأغلب الظن أن الكلمة . . تغيرت مع الزمن . . وأوثرت خفة اللفظ في الاولى ورجحت على الثقل في الاخرى . . وما أتذكر لها شاهدا فى الشعر الجاهلى أو الاسلامى تستدل به على صحة التسمية . . كما هو الشأن فى " لية " مثلا . . ورغم هذا فليس فى وسع أحد أن يحمل الناس على تبديل ما تواضعوا عليه . . واصطلح عليه الخلف عن السلف . . ولو أعيانا تفهم معنى " المثناة " الا أن نأخذه من تثنى الغصون كالقدود ، وهو بعيد الاحتمال . . وعلى الله الاتكال فى كل حال .

- ١٣٣٣ - ( الغلبة ) - والدردشة

بقول أحدثا لمحدثه : " بلاشى غلبة " . . ويقصد بذلك أن يمنعه من الضجة واللجاج ورفع الصوت وكثرة الكلام وحذره . . وما ان لها من تأويل الا عدم تغليب الحماقة على الرزانة والرصانة . .

أما " الدوشة " . . فهى أخت الاولى . . الا أنها فيما أعتقد انما تعنى ( الخوتة ) . . وكما يقول الشاعر :

وفسر الماء بعد الجهد بالماء

فما هي ( الخوتة ) ايضا ؟ كلاهما ما يسبب فى الاذن صوتا مزعجا . . يطلق عليه الاطباء المختصون ( الوش ) . .

ولعل ( الوشوشة ) منه أى الحديث القوى الخافت . . وهما من الأضداد . . بهذا الاعتبار . . ولولا أن الشذرة مكتوبة لخشيت أن أنبز بالدوشة ، ويكفى أن يطلق عليها " الدردشة " وهي الكلام المرسل على عواهنه دون هدف . . ولكنني أؤكد أننى أهدف ولا أهرف ، وبودى أن تحل الفصحى محل العامية ما وجدنا الى ذلك سبيلا .

- ١٣٣٤ - زليت عليه وزل علي

يستعمل الناس كلمة (زل)  بمعنى ( مر )  فيقول زيد : زليت على عمرو - مثلا - أو أنه

(*) " المنهل " : بارك الله وأطال عمر بحاثتنا الضليع ، في تنقيباته وتحليلاته الملهمة الموفقة عن كل عامي احتل محل انفصيح ، فأعم دواء انما يكون بعد اكتشاف مكان الداء . . وعلى ذكر سعادته ( الغلبة ) فيبدو لى ان اصلها ( الجلبة ) بالجيم وهي الضوضاء ، واستاذنا البحاثة قد اشار الى هذا في شذرات سابقة . فاقتضى

زل علي . . وكلاهما غير سليم ولا مطابق للواقع ولا أصل له من اللغة . . ولا أدرى من أين جاء ؟ ومتى ؟ . .

فان زل من الزلل وهو الخطأ والخطيئة وزلت قدمه : زلقت أو زهقت . . وما أجدرنا بترك استعمالها مطلقا فانها مرذولة مكروهة ، وفي الامكان ابدالها بخبر منها وهو : ( مررت عليه أو مر على ) . . أو باللغة العربية الفصحى ( عجت به ) . . أو ( عرجت عليه ) . . كما قال الشاعر العربي الصميم النابغة الذبياني :

( عرجوا )  فحيوا لنعم دمنة الدار

ماذا تحيون ومن نؤى وأحجار ؟

وكل وما اختار

- ١٣٣٥ - تعال يا واد " سويقة " أضل

كانت سويقة المعروفة بمحلة الشامية ذات مظلات من صفائح تقيها حرارة الشمس ووهج الحر حرارة القيظ ، وهي مع ذلك ترش بالماء صيفا ، حتى ليزهق الماشى بقدمه فيها أحيانا أو يتزخلق ( بالوحل ) أو " الردع " وهو ( الرجع ) بالعامية الحجازية .

وكان أحدهم يدعو خادمه ليحضر اليه أو ابنه أو من يعز عليه فيقول : تعال من ( سويقة ) فانها ( أضل ) أى (أظل) . وكثيرا ما احتلت الضاد مكان الظاء اعتباطا ، كما تنتقم الظاء بدورها من الضاد . . وتحل محلها من قبل من لا يجيد النطق بها فيقول

ولا سبيل الى وقف الاعتداء بينهما الا بالتثقيف والتعريف ، والارشاد والتوجيه .

- ١٣٣٦ - التخويف للاطفال قديما " بالنمنم "

كانت الأمهات والجدات إذا أردن تهويب الطفل في الليل أو تنويمه ، أو تخديره أو تحذيره ، قلن له : " أرقد ، والا أزهم لك ( النمنم ) " . وطالما سمعناها أول النبأة . . وهى كلمة تترك اثرها في نفس الصغير باعتبار هذا النمنم يأكله هضما وقضما . . وما لذلك من أصل ولا فصل . . وانما قال ابن الوردى في القرن السابع : أن في بلاد ( التكرور  ) مدينة متوسطة تسمى ( لم لم ) وقال ابن خلدون : أن ( لم لم ) قوم من السودان كفار يكتوون في وجوههم وأصداغهم . .

وقد كان هذا ( الديدن ) فاجعا للأطفال ، حتى لتجدهم يتفززون فى نومهم . . ومثله ( الدجيرة ) و ( أبو سبعبع ) أو ( سمعمع ) كما هو الصحيح فى التسمية ، فما من ذلك شئ فى الواقع . . ومن أجل هذا نشأ كثير منهم يتوجس خيفة من السير في الظلام أو وحده . . وهى بحمد الله ظاهرة قد قضى عليها التثقيف والتنوير . . وأصبح الغلام ملقنا بالفتوة والرجولة : . . منذ نعومة أظفاره وقبل افترار عذابه . . وذلك بزوال هذه السخافات من أذهان الأمهات . . وربما طمح الى أن يكون ( طيارا ) أو ( جنديا ) أو ( غواصا ) . . أو ( رائد فضاء ) بالتربية السليمة من هذه الخزعبلات . .

- ١٣٣٧ - " عكة العسل " من هو ؟

قال محمد بن سلام الجمحى ١٧٩-٢٣١ ه

فى كتابه : ( طبقات فحول الشعراء ) : ان سعيد بن العاص كان لا تأخذه العين ، وكان يقال له : " عكة العسل " ، وروى ما قاله فيه الزبرقان :

خفيف ( المعى ) لا يملأ الهم صدره

إذا سمته الزاد الخبيث عيوف

قال الشارح :

وقوله : ( لا تأخذه العين ) أى تتخطاه ولا تقف عليه . . وقد كان سعيد آدم نحيلا خفيف اللحم ومن أجل ذلك سمى ( عكة العسل ) . . والعكة زق صغير جدا أصغر من قربة السمن . وكان سعيد سخيا لا يرد سائلا . اهـ .

قلت : وأرى في ذلك كناية لطيفة . . فان عكة العسل تبذل ما فيها لمن رشف فيها . . وهي في حد ذاتها ضامرة لا تأخذ ما هى تعطى ، وانما هي وعاء ينضح بما فيه . . وذلك شأن أهل الإيثار . . وكأنما اقترن النحول في الأجسام بالتفوق في كل ما يتعب الكرام ، وفي أمثال العوام " خف تعوم " . . أكثر الله من العكاك . .

- ١٣٣٨ - " مرقة الهواء " و " السخينة "

قال الشاعر خداش بن زهير

يا شدة ما شددنا غير كاذية

على " سخينة " لولا الليل والحرم

وهو يعنى " بسخينة " قيشا تعييرا لها وهي طعام يتخذ من الدقيق دون العصيدة فى رقته وفوق ( الحساء ) ، وانما كانت تؤكل فى شدة الدهر وغلاء السعر وهزال الأنعام فعيرت بأكلها . .

قلت : وقد تذكرت ما كان معروفا بمكة - الى عهد قريب - حيث تكتفى ربات البيوت

إذا كان لديهن " غسيل " و " نشر " و " كى " للملابس بصنع ما يسمينه " بمرقة الهواء " ، وهي عبارة عن ماء يغلي مضافا اليه البصل المفروم ودموع من السمن والكمون والملح والليمون ، ويفت فيه الخبز اليابس . . ويكون طعام الأسرة كلها يوم لا فراغ للطهى الكامل ، وأعلى منه درجة " الرز والعدس " والمخلل . .

ولم أعد أسمع لمرقة الهواء رجعا ولا صدى " بين كداء وكذا " والحمد لله على نعمائه .

- ١٣٣٩ - " المخراق " - هو ( الطرة وزرة )

قال الشاعر :

" ورفعونى وقالوا : أيما رجل

وأدرجونى كأنى طى مخراق "

والمخراق هو : ثوب أو خرق تلف وتلوى ثم يضرب الصبيان به بعضهم بعضا . اهـ .

قلت : اذن يكون المخراق هو ما كنا نسميه في العابنا قديما ( طرة ) وزرة . . بوصفه السابق . .

وكان الخبثاء من عفاريت الاطفال يدسون فيها بعض الحصى ليكون الضرب بها اليما ، اما ما هي ( الوزرة ) فأحسبها محرفة ، وان أصلها ( طرة . . وزري ) أى ضرب وخصام ولم تكد عيني تراها منذ عشرات الاعوام . .

فقد أخني عليها ما أخني على " الكبوش " (*) واني للجيل الصاعد اليوم فراغ يعبث فيه اللهم الا كرة القدم ، وان هي لم تخل احيانا من الصدم والألم . .

- ١٣٤٠ - من هو " الزول "

منذ عرفنا الحياة - نسمع فى ( مكة المكرمة ) اخواننا  ( التكارنة ) أو التكروريين إذا دعوا أحدا من الناس صاحوا به : ( يا زول ) - بضم الزاي - وما كان بنا من هم لتعقب الكلمات ان كانت ذات أصل عربي أو هى دخيلة . .

وفي تاريخ غرب أفريقية ونيجيريا . . وجدت أن عرب اليمن خاصة . . قد هاجر قسم كبير منهم اليها من أقدم الأزمنة . . ثم مد الله عليهم ظلال الاسلام ، تارة عن طريق الفتح وأخرى بالتأثير الروحى وهاجر اليهم عدد غير قليل من عرب الجزيرة . . واختلطوا بهم وأقاموا بينهم عصورا حتى ليغلب على بعضهم الدم العربى ولغة الضاد ، رغم الأبعاد الشاسعة . . ومن هنا نجد أن من بين الكلمات التى استوطنت لديهم من كلام العرب كلمة " زول " فهى في الفصحى - تطلق على الرجل والمرأة معا - وتعني أنه الخفيف الظريف الفطن الداهية . . ولا محل لانكار عروبتها بعد أن تبين مدلولها . . مع ما سبق بيانه من الامتزاج الطويل المدى . .

غير أن هذه الكلمة تكاد تختفى هذه الايام ، وكانت رائجة في كل شارع وزقاق ، وأحسب أن ذلك كان نتيجة أن اخواننا الأتقياء من رجال " التكرور " قد انصهرؤوا في البوتقة فأصبحوا مواطنين وكل حديثهم عربى فصيح مألوف لدينا ، ومنهم الأفذاذ فى العلم والفقه والحديث والادب والشعر والنثر رجوعا الى أصولهم الراسخة .

اشترك في نشرتنا البريدية