شذرات الذهب

Share

استاذنا اديب العصر وراويته وشاعره الكبير الشيخ احمد ابراهيم الغزاوي وعاء  عطر ملىء علما وادبا وحكمة  ويمتاز بسعة الاطلاع ودقة الملاحظة وعمق التفكير الى التخصص في تاريخنا وتاريخ لغتنا وربط حاضرها  بماضيها في حصافة خفيفة الروح عميقة الجذور عطرية الانفاس ، وها هو يتحف قراء ) المنهل ( بهذه " الحلقة  الذهبية الرنانة من شذراته اللامعة الجامعة المانعة . . وقد تفضل فقدم لها بهذه الابيات الثلاثة الرائعة حيث بعث بها إلى رئيس التحرير في . ظرف . مع صديق من مكة الى جدة . . فاستعمل بمناسبة بعث " الظرف  تورية لطيفة ، قال :

مساهمة وتكريما وشكرا   وتقديرا هو الحق التزاما

بعثت اليك بالشذرات يهفو    اليك ) بظرفها ( نفح الخزامي

وفيها عن ) عكاظ ( بعض شئ    واحسب انها ) نقل ( الندامي

واشارته إلى الشذرة التى تتحدث عن ) عكاظ ( وموقعها هو بحث جدير بالتامل والمناقشة . . فانه ان  ثبت قلب ما لدينا من معلومات عن موقع عكاظ كماسيراه القارئون فيما يلى :

) عكاظ ( - هو ) المضيق ( !

عثرت على هذا النص وانا اقرأ في تاريخ العصامي المكى المتوفى سنة ١١١١ ه ) وقد تفضل بطبعه حديثا حضرة صاحب السمو امير قطر السابق عالم الامراء الشيخ على بن ثانى اطال الله عمره . . وضاعف ثوابه واجره . (

حيث يقول : ) وعكاظ هو المسمى الآن  بارض نخلة ويسمى ) بالمضيق ( وبه الآن  عيون ونخيل وزروع ومساكن . كذا ذكره  السهيلى رحمه الله .

قلت : وادركنا الناس قبلنا يقولون ان ( عكاظا ( فى السيل الصغير . . واستمعنا الى التحقيق الذى انتهى اليه المرحوم الدكتور عبد الوهاب عزام - والمرحوم الشيخ محمد بن بليهد . . فاذا عكاظ شرقى الحوية . بأميال . . اعتمادا على الأوصاف التى أوردها الرداعي في ارجوزته وبعض الشعراء . .

القدامي . . وانما هي رواية غريبة نوردها  كما جاءت . . دون تعليق . . وهي خالية من  الشواهد والبراهين ! واحسبها كأمثالها من الظنون المرجومة . . او الموهومة . . ولتعلمن نبأه بعد حين !

المعجز ( وسبب تسميته

قال العصامي في تاريخه : " ان ما وقع  بين قضاعة وخزاعة من قتال بمفضى مازمى منى ) من قبليها - هو السبب فى تسمية  ذلك المكان بالمفجر لما فجر وسفك فيه من الدماء . . اه

قلت : وكنت ممن يظن ان سبب التسمية بذلك تفجر الماء من صخور الجبل المحاذى له وذلك ان قناطر عين زبيدة تمشى بسفوحه  وتنتهى الى علوه بآلات بخارية ! حتى تعلو  سطح مني وتهبط الى واديها ومنازل الحاج  فيها . وما عرفت هذا السر الا اخيرا والحمد لله على الأمن والطمأنينة فى مشاعره  المقدسة .

" ثبير ( - المقابل أو ثبير ) رم ( :

قرأت في تاريخ العصامي المكي جملة جاء  فيها . قلت المشهور في ثبير انه المطل على  مسجد الخيف والمنحر المشهور في سفحه - وتصح الرواية فان المقابل يقال له ) ثبيروم ( نص عليه العلامة الفاسى وغيره وعدها سبعة  اثيرة وبينها ( ا ه

قلت : وفي احدى قيلاتنا بمنى منذ اكثر  من خمس عشرة سنة خلت كنا نتحدث عن ) ثبير ( . . وذلك فى يوم النفر من مزدلفة الى مني أى يوم النحر . . قال العالم الجليل السيد صالح شطا - رحمه الله - هل تدرى أن ثبيرا فى بعض نصوص اهل الفقه انما هو هذا الذي يقع يمين الصاعد   من مني إلى عرفات وليس ذلك الذى تواضع الناس على تسميته بهذا الاسم حتى الآن وهو الذاهب فى الارتفاع الى يسار الصاعد ويمين الهابط الى الجمرات ! ! قلت هذا شئ عجيب . والمتواتر عند عامة الناس وخاصتهم هو هذا  الايسر لا الايمن . . واختلفنا فى الدلالة  الحسية من حيث الإشراق واين يكون أول ما يذر قرن الشمس ؟ ! ومضت الايام وتتابعت الاعوام وقرات اليوم هذا النص فاذا به  يزيل الخلاف بقوله - ) فان المقابل له يقال له ) ثبيررم ( . . وهو حل فيه اقناع واجماع  على ما هو متواتر وما هو منصوص . . والله  اعلم

زيارة القاسم بن سلام للامام أحمد بن حنبل

قال ابو عبيد القاسم بن سلام : زرت الامام احمد فلما دخلت قام فاعتنقني واجلسني  فى صدر مجلسه ، فقلت : اليس يقال

صاحب البيت او المجلس احق بصدر بيته  او مجلسه ؟ قال : نعم يقعد ويقعد من يريد قال : قلت في نفسي ، خذ يا ابا عبيد فائدة  ثم قلت : لو كنت آتيك على قدر ما تستحق  لأتيتك كل يوم ، قال : لا تقل ذلك . فان الى اخوانا ما القاهم كل سنة الا مرة انا اوثق  فى مودتهم ممن القى كل يوم قلت : هذه  اخرى يا ابا عبيد ؟ فلما اردت القيام قام معي قلت : لا تفعل يا ابا عبد الله فقال : قال الشعبي : من تمام زيارة الزائر ان تمشى معه الى باب الدار وتأخذ بركابه قال : قلت يا ابا عبد الله من عن الشعبي ؟ قال : ابن  ابي زائدة عن مجلد عن الشعبي قلت : هذه  ثالثة يا ابا عبيد " اه

قلت : وبدورى أسرد هذه الفوائد الثلاث  وكلى أمل ورجاء أن يأخذ الخلف عن السلف  مكارم الاخلاق . . ويرووها لمن بعدهم من الاجيال الصاعدة . . من حيث الآداب  النفسية . . حتى يجمع الله لهم بين التفوق  المادى والمعنوى . . فما شئ اثمن ولا اغلي من  هذه الكنوز التى تزخر بها مكتباتنا الكبرى  ومخطوطاتنا ومطبوعاتنا القيمة . . وانها  لأنفس وأمتع من كل ما طلعت عليه الشمس بما حوته من علم وأدب وتهذيب وتثقيف  أصيل وحسبنا الله ونعم الوكيل

قبر ابن عمر بمكة  بذى طوى

جاء في ترجمة ابن عمر رضي الله عنهما  انه ولد قبل الوحى بسنة ومات بمكة  سنة ثلاث وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بثلاثة  أشهر . ودفن بذى طوى بمقبرة المهاجرين  وله اربع وثمانون سنة وقيل : " ست  وثمانون . . ه

قلت : ومقبرة المهاجرين - هي فيما

أظن تلك التى كانت فى جانب بستان عين  زبيدة بجرول - أمام موردة ) أم قبة ( . .  وكانت الى ما قبل خمسين عاما أو اقل  جبانة يدفن فيها اهل مكة موتاهم ثم توقف  ذلك . . وكانت تسمى ب ) الشيخ محمود (  . . ومن الترجمة السالفة الذكر يظهر ان قبر بن عمر رضي الله عنهما ليس كما هو   متواتر بالزاهر أو بوادى ) فخ ( . الا ان تكون الروايات متعارضة . . فرجحت  الثانية على الاولى . . والله أعلم .

المخابرة - قديما وحديثا

قال الامام احمد رضي الله عنه في  ثلاثياته : حدثنا سفيان قال : سمع عمرو ابن عمر : كنا نخابر - ولا نرى بذلك باسا حتى زعم رافع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه فتركناه .

قال الشارح ) السفاريني ( - كنا نخابر . . أي نزارع - والمخابرة المزارعة . . واشتقاقها من الخبار وهي الارض اللينة والخبير ) الاكار ( . . اه

قلت : وفي عصرنا الحديث انما تعنى ) المخابرة ( المراسلة البرقية - غالبا . . وهي مشتقة من الخبر والاخبار . . لا من الخبار وانما يتميز هذا عن ذاك بقرنيته وقلما اجتمعا ؟ !

داء الكلام ؟ !

قرات في ) شرح ثلاثيات سند الامام  أحمد ( هذه القصة عن ابن خلكان في تاريخه قال : ان سفيان بن عينية رضي الله عنه خرج يوما الى من جاءه يسمع منه وهو ضجر ، فقال : اليس من الشقاء ان اكون جالست ضمرة بن سعيد ؟ وجالس هو ابا سعيد الخدرى - وجالست عبيد بن دينار - وجالس هو ابن عمر رضي الله عنهما

وجالست الزهرى وجالس انس بن مالك ! حتى عد جماعة ، ثم انا اجالسكم ؟ ! فقال له حدث فى المجلس : اتنصف يا ابا محمد ؟ قال : ان شاء الله تعالى . فقال : والله لشقاء اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بك اشد من شقانك بنا . . فاطرق وانشد قول ابي نواس وهو هذا :

خل  جنبيك لرام

وامض عنه بسلام

مت بداء الصمت خير

لك من داء الكلام

فتفرق الناس وهم يتحدثون برجاحة الحدث . وكان ذلك الحدث يحيى بن اكثم  التميمي ، فقال سفيان : هذا الغلام يصلح  لصحبة هؤلاء . يعني السلاطين . اه

قلت : وفي تأمل هذه النادرة وأمثالها  عظات بالغات . . وقديما قال الحكماء : - ) رب كلمة تقول لصاحبها دعنى ( - ونسأل الله السلامة من دار الفتون . . وكم ترك الاول للآخر ؛ ويرحم الله الشاعر اذ يقول : ليس الحداثة عن حلم بمانعة

قد يوجد الحلم فى الشبان والشيب

ما هو ) الصرى (   !

قال ابن دريد في مقصورته :

من ملك الحرص القياد لم يزل

يكرع من ماء من الذل صرى

قال الشارح الخطيب التبريزي : ) والصرى الدائم الذي قد طال مكثه ويقال : صرى الماء وصراه فى ظهره اذا حبس الماء في ظهره سنين لا يتزوج ( . . واستشهد بهذا  البيت :

رات غلاما قد ) صرى ( فى فقرته

ماء الشباب عنفوان شرته

قلت : لعل ما يطلق عليه الناس فى

زماننا هذا " الصرى - أو الصراء " يرجع  فى اصله الى هذا المعنى متطورا مع الزمن  الى ما يدل عليه الآن . . من الترتيب  والمتابعة ؛ - فانى عهدت الكلمات كالاحياء  . . تزيد وتنقص وتصح وتسقم وتحيا  وتموت . . والله أعلم . . ) ١ (

الشنب ؟ ! ورؤبة بن العجاج

روى ان رؤبة بن العجاج الراجز سئل  عن الشنب فدعا برمانة فعرك حبة منها بين  اصابعه وعصرها فقال : هذا . . وقد عرفه  البعض بقوله : " رقة فى الاسنان مع عذوبة  فى الفم " . اه

قلت : لو ان كل ما استشكل على  مستفهم يكون الجواب عليه كما اختار رؤبة بالمشاهدة . . والعصر . . لما استبهم  الكثيرون من الالفاظ والكلمات ! وما أبعد  الشنب الذي يطلقه العامة على الشارب . .  ) ولو وقف على جانبيه النسر او الصقر . (  عن الشنب الذي يعصر . . ولا يحلق ! !  وليهنأ كل فريق بشنبه الموروث ! ! او عهنه  المنفوش

الخسا ( - و ) الزكا (

الخسا في اللغة ) الفرد ( والزكا الزوج . . وكثيرا ما تستعمل البادية الكلمة  الاولى بمعنى ) التخسئة ( في باب الشتم  والذم . . فيقول احدهم لمن يخاصمه ) خسا ( . . اذن لا تكون بهذا النص نقيصة ولا  شما - وعلى هذا الاعتبار يجب ان يتلقاها  الآخر . . واحسان الظن خير من اساءته

تطور الاسلحة والبارود - قبل ٢٥٠ سنة

قال الامام السفاريني صاحب منظومه الآداب . . وشارح ثلاثيات الامام احمد بن  حنبل وهو يتحدث عن حديث الرومى وتعلمه  . . وتعليمه . . " تتمة . لا يخفى ان فروسية الفتى كانت بالمثابة المذكورة

والمكانة المزبورة . كالمنسوخة  والعبادة المفسوخة . . والناسح لها فروسية  ) البارود ( الذي هو اعظم منها نكاية واجسم منها شكاية فهو الذى عم وطم ،  وجرع الاعداد كؤوس السم فقد طأطأ من  الاعداء رؤوسا ، وجرع قطاع الطريق  كؤوسا ودمر الحصون والقلاع وفل المجموع  والاتباع وصار لفرسان الخيل والنشاب   كالقضاء المنزل والجبل الذي لا يزلزل  . . الخ اه

قلت : قال هذا قبل نحو قرنين ونصف من الزمان . . فما باله لو سمع أو رأى ) الذرة والهيدروجين ( وما فعلته الاولى  بهيروشيما ؛ وكيف جعلتها حصيدا أو  هشيما وكيف لو هو معاصر لما يتهدد  الكون من تدمير وتخسير وتهويل وتعجيز . . اذن ما الذي كان يقول غير ان يفزع الى من بيده ملكوت السموات والأرض أن يجير عباده من هذه الصاخات . . ويقيلهم من الظنون الخاطئات والخطايا الموبقات ، هو نعم المولى ونعم المصير .

حياء من عمر ؟ !

عن عائشة رضى الله عنها قالت : " كنت ادخل البيت الذى دفن فيه رسول الله صلى  الله عليه وسلم . وابي واضعة ثوبى عنده    واقول : انما هما زوجى وابى ، فلما دفن عمر والله ما دخلته الا مشدودة على ، ثيابي حياء من عمر . . اه

قلت : رضي الله عن ام المؤمنين عائشة بنت ابي بكر. . انها استحت ان تبدو فى بيتها - عبر مشودة عليها ببابها  عمر وقد واراه الثرى ولحق بربه ؟ فماذا   عساها تقول اليوم في عصرنا هذا لو رأت  وسمعت ما آل اليه امر العوائق والعواتك . . وذوات الحجال . . في أغلب بلاد المسلمين ؟ لا ريب انها تفجع وتفزع . . وتبكى وتضرع . . و ) لن يصلح آخر هذه الامة الا بما صلح به أولها ( والله ولى التوفيق

اشترك في نشرتنا البريدية