الانسان هو ابن الماضى اذ العلاقة وطيدة بين حياة الحاضرين وبين حياة السابقين فى العصور الماضية ، ولهذا لا يستطيع الانسان أن يفهم نفسه وحاضره دون أن يفهم ماضيه . وماضى الشعوب والأقوام حافل بشتى الصور : عهد المجد والقوة ، وعهد الكوارث والآلام . والأقوام الذين لا يعرف لهم ماض لا يعدون من الشعوب التاريخية المستيقظة ، وهكذا نرى آثار الأقوام الدارسة تعطينا صورة عن المجد والعز نتعرف منها على ابنائها ونتعظ باهوالها ونترسم طريقها المستقيم .
ولقد اتخذ الشعراء آثار الأمم الماضية منفذا للتعبير عن مشاعرهم وتأثراتهم ، وهذا النوع من الشعر : شعر الآثار ، يعتبر ضربا من التطور الأساسى الذى لحق الشعر العربى على حساب تطور الزمن والحياة ، وقد كان مسقط رأس هذه الظاهرة الجديدة فى الشعر العربى هى اجواء العصر العباسى حيث سارت البشرية قدما فى مضمار الحضارة فى شتى أساليبها وصورها فى تسجيل موكب البشرية الحافل الدؤوب بصورة مستمرة حتى أصبحت هذه الآثار كالمرآة والسجل الذى يقدم لنا من الأحداث صنوفا من التقلبات الزمنية .
والدارس للأدب العربى يرى بوضوح ان الشعراء كانوا يقفون على الأطلال ويستثيرون الذكريات بها ويحنون الى الماضى من خلالها ،
ولكن ما نلاحظه نحن انه فى العصر الذى ازدهرت الثقافة وانبعثت الآداب وبلغت النهضة الفكرية أوج قمتها كان الشعراء قد أصبحوا يتغنون بماضى القوم وآثار الوطن ويقفون على حضارات الأمم ومعالم عمرانها ، وقوفا طويلا ، يستشعرون الأسى على المجد الغابر أو يستظهرون الاعجاب بروعة الآثار أو يلتمسون من عفائها المواعظ والعبر . فالوقوف على الآثار فى الأدب العربى قد تطور من الوقوف بالأطلال ، وما الاطلال الا الآثار فى تصوير الشعور بالأسى والحنين الى العهد السالف ولكن هذا الوقوف بالأطلال اصطبغ بصبغة جماعية بعد ان كان الوقوف بها مصبوغا بصبغة فردية ، كما انه اصبح جنسا مستقلا بعد أن كان يأتى فى استهلال القصائد تابعا لغيره من الأغراض (١)
ان الوقوف على الآثار ظهر فى مسرح الشعر العربى متأخرا حيث كانت الحياة العربية فى حركة دائبة مستمرة فى العصر الجاهلى حتى جاء الاسلام فأصبح الناس مشغولين بالفتوحات والاطاحة بالمؤامرات والاضطرابات السياسية ولذا لم يشغل بالهم ان يتجهوا الى الاشادة بما طوى الدهر لهم من حضارة وعمران ويتعظوا بآثار الأمم وحضاراتهم ، حتى استقرت الاحوال ودانت لهم الأمور ودخلوا الممالك فاتحين فرأوا
( ماجستبر في الادب العربي والشهادة العليا في النوبية وعلم النفس - جامعة الإزهر )
آيات الحضارات ومعالم عمرانها فوقفوا وذكروا الآثار فى قصائدهم وخلدوا تلك الآثار وذكروا بلايا الانسانية وحوادث الدهر واتخذوا منها الموعظة والعبرة .
وقد سبق القرآن الحكيم الى الحديث عن الآثار حيث أثار الوجدان عن طريق الشعور وهز القلوب ، وخاطب النفس الانسانية خطاب العارف بخفاياها ، وبلغ فى التعبير مبلغ الروعة ، ونادى الطبائع واستخرج منها دفائنها ومكنوناتها . وهذا ما نشاهده فى ذكر آثار قوم عاد وثمود وغيرها حيث استخلص العبرة والموعظة . وجدير بالذكر فى هذا المقام تنبه ابن قتيبة الى دور الموعظة فى قصص القرآن ووقائع الدهور والحدثان فيه ، وما يغلب على الحياة من مظاهر الفناء والخراب وما لهذا كله من أثر على النفس (٢)
ولننظر الى القرآن الحكيم وهو يخاطب الناس : (( أو لم يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم هم أشد قوة وآثارا فى الارض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ، ذلك بأنهم كانت تاتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فاخذهم الله انه قوى شديد العقاب (٣)
وكذلك يذكر آثار عاد وثمود ومعهم العمالقة ضمن العرب البائدة الذين بادوا وانمحت آثارهم وانطميت معالم ديارهم فيذكرهم ويدعوهم الى أن يعتبروا بها :
(( وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين )) (٤) . (( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ان فى ذلك لآية لقوم يعلمون )) (٥)
وهكذا نجد كثيرا من آثار الامم الماضية يتحدث القرآن الكريم عنها ويستخرج منها الموعظة والحكمة لقوم يعقلون .
ونجد عند بعض الشعراء أشعارا مبعثرة تدل على التحسر على المعالم الدارسة والآثار البالية مثل الأسود بن يعفر النهشلى حيث
يقول باكيا على السالفين :
ماذا اؤمل بعد آل محرق
تركوا منازلهم وبعد اياد
أهل الخورنق والسدير وبارق
والقصر ذى الشرفات من سنداد
أرض تخيرها لطيب مقيلها
كعب بن مامة وابن أم دؤاد
جرت الرياح على مكان ديارهم
فكأنما كانوا على ميعاد
ولقد عنوا فيها بأنعم عيشة
فى ظل ملك ثابت الأوتاد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهمو
ما الفرات يجىء من أطواد
فاذا النعيم وكل ما يلهى به
يوما يصير الى بلى ونفاد (٦)
انه لم تكن وقفاتهم فنية كما نراها عند شعراء المرحلة الحضارية مثل البحترى أو غسيره
ان خير من يمثل الشعراء الذين وقفوا على الآثار وقفة فنية فى الماضى هو ابو عبادة البحترى ، رائد الشعر العربى فى هذا المضمار اذ نقل ابناء عصره ومن تبعه من الوقوف على الاطلال الى الوقوف على الآثار فقد اتجه اتجاها لم يتجه اليه غيره من الشعراء فى العناية بدلائل العظمة للامم السابقة والاشادة بما خلفوه من جهود تنطق بسمو مكانهم وعلو كعبهم ، وابتكر فى سيئيته الشهيرة فنا خالدا وجنسا مستقلا ووضع فى بناء لبناته وتقدم بأجناسه خطوة الى الامام مما كان له أثره فى الآداب العالمية .
وقصيدته السينية لا شك أنها درة نادرة تتألق على جبين الشعر العربى ، وموضوعها خالص للحقيقة لا يبتغى به الشاعر زلفى ولا عطاء . . هى تعبير عن لحظات عاشها الشاعر بكل جوارحه ، ولها ملامحها
المميزة وخواصها المستقلة ، وتتراءى فيها الاخيلة العجيبة والصور النادرة والموسيقى (٨) المعبرة والالفاظ الموحية ، والخيال المجنح والمعاني النبيلة الخالصة .
فقد تضافر عليها احساس مرهف ، وشعور عميق ، ووصف مشبوب معبر ، وعاطفة جياشة ، وانفعال صادق ، نجد ذلك جليا فى مطلع القصيدة يتحدث عن نفوره من الناس حتى الأقارب ، ويترفع بنفسه عما يحيط به من جو كريه خانق مملوء بالثقلاء واللئام :
صنت نفسى عما يدنس نفسى
وترفعت عن جدا كل جبس
وتماسكت حين زعزعنى الدهر
التماسا منه لنحسى ونكسى
بلغ من صبابة العيش عندى
طففتها الايام تطفيف بخس
وكأن الزمان أصبح محمود
لا هواه مع الأخس الأخس
فى تلك الابيات نلمس الحرارة والحنق المضطرم فى نفسه والسخط العارم على الحظوظ والايام ، ولما هو فيه من كرب وهم وحاضر مجهود رأى أن يهرب من تلك الحالة الكدرة التى تراكمت عليه ويستروح الماضى :
حضرت رحلى الهموم ، فوجه
ت الى أبيض المدائن عنسى
أتسلى عن الخطوب وآسى
لمحل من آل ساسان درس
ذكرتنيهم الخطوب التوالى
ولقد تذكر الخطوب وتنسى
ويشعر بالأسى على ايوان كسرى الذى يذكره بالعصر الزاهر . أخذ يصف الايوان :
وهم خافضون فى ظل عال
مشرف يحسر العيون ، ويخشى
حلل لم تكن كأطلال سعدى
فى قفار من البسابس هلس
ومساع لولا المحاباة منى
لم تطقها مسعاة عنس وعبس
وهنا نلاحظ كما اشرنا اليه سابقا أن الوقوف على الآثار ليس الا امتدادا للوقوف على الاطلال . هكذا نرى البحترى يخلق جنسا أدبيا مستقلا وقل أن نجد نظير هذه الوقفة الفنية فى الادب العربى كله (٩) ثم سعه الشعراء فى الوقفات على الآثار ، يصورون عواطفهم ومشاعرهم ، ويرسمون فى ألواحهم الفنية صور الديار الضائعة ويشيدون بالمجد الغابر ، ويستريحون الى الماضى ، ويأسون لماض خالد ، ويستخرجون الحكم والنصائح من تداول الايام والليالي وكسوف الشمس وخسوف القمر .
وممن تأثر بالبحترى ، الشاعر أحمد شوقى فى قصيدته الأندلسية ، حيث أنه بكى واستبكى ، ووقف على آثار الاندلس ، وقدم الينا صورا ، لمجد العرب الضائع فى قرطبة واشبيلية وغرناطة ، فصحب البحترى فى هذه الرحلة وأخذ قيثارته فى وصفه وبكائه على الحضارة العربية الاسلامية الاندلسية . .
وها هو ذا نفسه يعلن فى مقدمة القصيدة اعجابه بالبحترى حيث يقول : (( وكان البحترى رفيقى فى هذا الترحال وسميرى فى الرحال . . فانه ابلغ من حلى الأثر وحيا الحجر وحشر العبر ، ومن قام في مأتم على الدول الكبر ، والملوك البهاليل الغرر ، وتكفل لكسرى بايوانه . حتى زال عن الارض ديوانه ، وسينيته المشهورة فى وصفه ،
ليست دونه وهو تحت كسرى فى رصه ورصفه ، وهي تريك حسن قيام الشعر على الآثار وكيف تتجدد الديار بعد الاندثار .
فكنت كلما وقفت بحجر او أطفت بأثر تمثلت بأبياتها ، واسترحت من مواثل العبر وانشدت فيما بينى وبين نفسي :
وعظ البحترى ايوان كسرى وشفتنى القصور من عبد شمس
ثم جعلت أروض القول على هذا الروى ، وأعالجه على هذا الوزن ، حتى نظمت هذه القافية المهلهة وأتممت هذه الكلمة المريضة )) (١٠)
وهكذا نرى اعجاب شوقى بالبحترى وبقصيدته السينية التى خلد بها ايوان كسرى والتى تملكت شوقى نفسه فاحتذى مثالها فصور فيها حاله فى المنفى ، وحنينه الى وطنه ، ووقف على آثار الاندلس ، وسجل عواطفه وذكرياته ، ورسم انفعالاته ، ازاء ما رأى فى رحلته بين آثار المجد وأطلال الجلال ، واستعاد وهو يسير بين تلك الآثار ، ذكريات الماضى : ماضى هذه الآثار وماضى منشئيها وماضى العرب فى هذه الديار(١١)
( المدينة المنورة )

