الحلقة الحادية عشرة وقد نشرت الحلقات تباعا تحت هذا العنوان اما هذه الحلقة فهي الخامسة بالنسبة الى ما نشر في هذا العام
- ٥ -
فالأمام اللغوي القاضي نشوان بن سعيد الحميري والمتكلم والفقيه ( والقاضى اسم لمن يتولى القضاء الشرعى ولكنه في اليمن خاصة يطلق على بيوت كثيرة كان يتولى اسلافهم الافتاء او القضاء فاطلق على الخلف مجازا ) هو كما تقدم في وطنية من كبارها الممتازين والشخصيات البارزة التى يبرزها التاريخ نادرا ثم يطويها فى طياته فتبقى بعد ذهابها فى الاذهان شغلها الشاغل ( والذكر للانسان عمر ثانى ) وبروز الشخصيات العظيمة التاريخية ليست على العصبية وقوة الشخصية فحسب بل على التعمق في العلم والاخلاق الرفيعة والايثار ومحبة الناس واسداء الايادى . مع الصلاح والتقوى ان كان مسلما . .
( الموضوع )
ولادة القاضي نشوان مجهولة كما اجمع على ذلك المؤرخون اليمنيون وانما وفاته سنة ٥٧٣ عصر يوم الجمعة ٢٤ من ذي الحجة وقد ذكرنا سابقا الغلط فى التاريخ والصحيح ما ذكرنا هنا والعصر الذي عاشه نشوان فى العصر الأيوبي وقد كانت المقاومة فى اليمن شديدة من السلاطين او سلائل حمير وقد كانوا فى فترات متقطعة ينضوى البعض او الكل تحت راية علوى يتقدم اخوانه
المواطنين فيستشهد في المعركة او يؤسر او يتغلب على اصقاع فى شمال اليمن وشرقيه وقد بقيت ( صعدة ) العاصمة الوحيدة قرونا طويلة للائمة وكانت المنفذ الروحى . وقد اجاد الاستاذ القدير المؤلف الاخ محمد احمد عيسى العقيلى حفظه الله فى بعض فصول كتابه التاريخي الممتع ( المخلاف السليماني ) فى وصف الائمة وسلاطين اليمن خصوصا فى العهد الرسولى ولكن شاعرنا وعالمنا نشوان وهو بعيد عن حدود التصادم ومستقره وادى ( صبر ١ ) بفتح الصاد والباقي في الجهة الشمالية واقليم صعدة بالذات اشتغل بمقارعة مواطنيه من علماء الزبدية باللسان ، لا بالسنان ، وبالبيان الساحر ، لا بالسيف الباتر
( اقوال المؤرخين )
يفول الامام السيوطي رحمه الله فى بغية الوعاة ص ٤٠٣
نشوان بن سعيد اليمني الحميري ابو سعيد الامام الفقيه العلامة النحوى اللغوي كان احد اهل عصره واعلم دهره فقيها نبيلا عالما متفننا عارفا بالنحو واللغة والاصول والانساب والتواريخ وسائر فنون الأدب شاعرا فصيحا بليغا مفوها صنف شمس العلوم ثمانية أجزاء سلك فيها مسلكا غريبا نقل السيوطي ذلك عن الخزرجى الزبيدى المؤرخ اليمني المشهور . وقال السيد العلامة المؤرخ يحيى بن الحسين ابن الامام المنصور بالله القاسم بن محمد رحمه الله فى طبقات الزيدية
نشوان بن سعيد بن نشوان أبو سعيد الحميري اليمنى الامير العلام كان فقيها فاضلا عارفا باللغة والنحو والتاريخ وسائر فنون الادب فصيحا بليغا شاعرا مجيدا . الخ
وقد ترجم له الكثير في الكتب المطبوعة والخطية ونوهوا بقصيدته المطبوعة بالمطبعة السلفية مع شرحها فى جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة والف للهجرة مع تعليق وتحقيق على بن اسماعيل المؤيد والقاضي اسماعيل بن احمد الجرافي وأولها
الامر جد وهو غير مزاح
لنفسك صالحا يا صاح
كيف البقاء مع اختلاف طبائع
وكرور ليل دائم وصباح
عدد فيها ملوك حمير وتابعتها واذاواءها حتى الحضرميين يفتخر بالجميع لصلة النسب لأنه من سلائل ذى مراتد والقيل بن ذى سحر كما يقول فى نفس القصيدة
أو ذي مراثد جدنا القبل بن ذى
سحر أبو الأذواء رحب الساح
وسنورد من هذه القصيدة ما يستحب نشره مع غيرها مما يعد فوق مستواه كاليائية .
( حياته العلمية الادبية التاريخية )
نشوان بن سعيد من الائمة المبرزين ف كل فن ولكنه الى اللغة وعلومها امي ( فشمس العلوم ودواء كلام العرب م الكلوم مؤلفه القيم يدل دلالة ناصعة عل ذلك مع انه من اكابر المتكلمين فى عصر وله آراء خاصة فى الامامة خالف بها معاصر ولذا نرى بعض أيمة اليمن يحمل عليه ف مزدوجة طويلة .
اما الذي نصت جدودى فيه
فيقطعون لسنه من في
ويؤتمون ضحوة بنيه
اذ صار حق الغير يدعيه
ونشوان من الشعراء المجيدين ولكنه اجاد فى الفخر بقومه حمير على الاسلوب القصصى التاريخي كما اجاد جدا فى الزهد وساورد له من ذلك فى هذه الصحيفة الاصلاحية ما يشوق القارئ المطلع الملم الى الاستزادة وله فى سائر فنون الشعر ملكة قوية وعارضة عنيدة وكان كغيره من الشخصيات الكبيرة له اصدقاؤه . . اسمع له وهو يشكو من اهل زمانه على اسلوب المراجعات البديعية
مالي وصحبة قوم لا خلاق لهم
يستحسنون امورا كلها علل
قد جرت فيهم وفي نفسي وغرتها
فصرت احير من ضب وما عقلوا
ان انبسط فيهم اسقط مهابتهم
اياى او انقبض قالوا به ثقل
وان اناقشهم قالوا به بجح ( ٢)
وان اسامحهم قالوا به خبل
وان اجد باذلا قالوا به سرف
او اقتصد منفقا قالوا به بخل
او استر الفضل قالوا ذا به حسد
او انشر العلم قالوا ذا به جدل
وان تغاضيت قالوا العجز اقعده
وان سطوت بخصم قيل ذا عجل
وان تغابيت قالوا ذا به بله
وحيث دققت قالوا ذا به جبل
وان تقربت قالوا ذا به طمع
وان تباعدت قالوا عنده ملل
وان اسافر قالوا الحرص اشخصه
وان اقم بينهم قالوا به كسل
وحيث اقدمت قالوا كل ذا هوج
وحيث احجمت قالوا ذا به فشل
وان تبذلت قالوا جاء مجتديا
وان تسربلت قالوا قد زها الرجل
من اين لى خلق ارضى الرجال به
لا بارك الله فيهم انهم سفل
صدق شاعرنا المحنك المجرب ، فمن المحال ارضاء الناس ولكن الرجل المصلح يشق طريقه ويتقدم ولا يتهيب ولا يلتفت الى ما ينثر في طريقه من اشواك ولا ما يعترضه من عقبات بل ولا يصده عذل ولا يلويه مؤنب وفي مقدمة المصلحين انبياء الله ثم علماء الامة الاسلامية اهل الاستقامة على اداء عملهم والثبات على مبدئهم او المبادىء الاصلاحية التى يزاولونها فى حياتهم المليئة بجلائل الاعمال فى سبيل دينهم وامتهم ووطنهم ( اولئك حزب الله ) اكرم به حزبا .
وهذا الرجل العظيم لم تخرجه قحطانيته واسرته الكريمة العظيمة من حمير والأذواء عن عقيدته او مبدئه فقد كان صحيح العقيدة محبا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومحبا لاهل البيت رضي الله عنهم غير غال في محبته ولا متطرف فى عقيدته كالروافض وهل يشك شاك فى اخلاصه بعد قوله :
قوم لهم شرف ومجد باذخ
من فوق اخمصه السهى والفرقد
فالعتاب المر وطلبه للرياسة وافتخاره بقومه ومقارعته لخصومه من العلويين لم يخرجه عن الحق ولا حاد به عن المبدأ والثبات .
( عود الى شعره )
وقيل : إيراد قصيدته الحالية الطويلة بين ايدينا قصيدة رابعة من ابلغ ما قيل فى الزهد والتاريخ فى عصر الشاعر أجاب بها على القصيدة البليغة للامام احمد سليمان التى أولها :
دعيني اطفىء عبرتى ما بدى ليا
وابكى ذنوبى اليوم ان كنت باكيا
فأجابه القاضي نشوان بهذه القصيدة ( والشعر كما قيل ابن ابوين الطبيعة والتاريخ )
ذكرت ديارا دارسات خواليا
وسوما وأطلالا عفت ومغانيا
ومن حلها من امة بعد امة
غدت رمما فى الترب منها بواليا
فحركت ( ٣ ) وجدا فى الحشى غير نازح
وهيجت من داء الكآبة ما بيا
سلا كل محزون من الناس غير من
تذكر فى الدنيا فلم ير ساليا
امن بعد بينون وبنيان مأرب
وبعد ظفار يصبح المرء تاليا
وفى هرمى مصر وغمدان تبع
وايوان كسرى عبرة هى ما هيا
ومجدل نمرود بن عاش الذى بنى
عتوا ليرقى في السماء مراقيا
ومن نظر الدنيا بباطن عقله
وتمييزه لم يبرح الدهر باكيا
ابادت ثمودا بعد عاد وجرهما
وطمسا وبثت فى جديس الدواهيا
واملاك يونان محا الدهر وسمهم
وما زال صرف الدهر للناس ما حيا
وافنى رجال الطب من حكمائها
فما وجدوا للموت منهم مداويا
واملاك كنعان ذوو بخت نصر
ونمرود أفنناهم واقني الذراريا
خلت بابل منهم واضحت لفارس
وكل بنى الدنيا سيصبح فانيا
حوى الملك فيها ازدشير بن بابك
فشد عرا اطنابه والاواخيــــا
وابناؤه الصيد الاكاسرة الألى
ثووا حقبا خمسا بهن مواضيا
إلى ان اتى الاسلام فاجتاح ملكهم ،
ولم يبق منهم حادث الدهر باقيا
ثلاثون ملكا فرق الدهر شملهم
وصاح بهم للبين ان لا تلاقيا
وكانوا على دين المجوس جميعهم
يعدون من جهل مع الله ثانيا
وزارت ملوك الروم من آل قيصر
حوادث يوهين الجبال الرواسيا
ازلن النصارى منهم بعد عزة
ومن كان منهم بعد ذلك صابيا
وفى العدد القادم ان شاء الله نورد بقية القصيدة مع تفسير وايضاح ما يحتاج الــــ تفسير وايضاح فالى اللقاء فى العدد القادم ان شاء الله .
الطائف
