في الحلقات الماضية كتبت في اعداد متتابعة في ( المنهل ) الاغر ، تحت هذا العنوان ، وفى فترات متقطعة ، وآخر من كتبت عنه - قبل هذه - الشاعر الفحل والعلامة الكبير والمؤرخ المشهور الامير نشوان بن سعيد الحميرى القحطانى أحد الافذاذ في الجنوب ، وقد كنت أرسلت بحلقة من طريق بعض الاخوان تتصل بالشاعر نشوان وبشعره وشاعريته كاتمام لما عبق نشره وسبق ذكره ، ولكن الحلقة ويا للاسف لم تصل ، واذن لم يبق الا ان أكتب تحت هذا العنوان لشخصية أخرى .
والشخصيات التى أكتب عنها أعتقدا اعتقادا جازما ، انها تروق للقراء من وجوه متعددة : منها وقبل كل شئ، انها شخصيات اسلامية نالت حظها الأوفر من العلوم والآداب المتداولة فى عصرها ، ومنها انها بالنسبة لما ينشر للشخصيات التاريخية في جميع الأقطار العربية والاسلامية شىء جديد على الصحافة ، ومن باب تاريخ ما أهمله التاريخ ، وان كانت في المصادر اليمنية مقدرة ومنوها بها ، ولكنها تعتبر في محيط ضيق بالنسبة الى النشرات والصحف السيارة والكتب والكتيبات التى تبرز وتصدر الى الامصار والاقطار لابسة أثواب الاشتهار
وما أحوجنا في زمان الظهور وعصر السرعة بل عصر الذرة والفضاء الى أن نجعل من أسلافنا مشاعل أمام سيرنا في درب القافلة السائرة بسرعة الضوء الى ما شاء الله ، والى مستقبل يزدهر بحول الله في اطار علمى دينى تحت ظل الاسلام الوارف ، ومنها ان الصحافة في جنوب الجزيرة العربية كانت ولا تزال قليلة والحكمة اليمانية التى كان يصدرها نخبة من الشباب تحت رئاسة الشاب العبقرى أحمد الوريث المتوفي فى جمادى الاولى سنة ١٣٥٦ ثم تحت رئاسة النابغة أحمد بن محمد المطاع المتوفي سنة
١٣٦٧ ه كانت تصدر لمعا يسيرة في اختيارات شعرية لا تسمن ولا تغنى من جوع الا أن مجلة (( المنهل )) الغراء هى الوحيدة في الجزيرة العربية في التعريف والتعارف ، وفي التراجم للشخصيات العظيمة المطمورة في حلقات الضياع والنسيان في ظلام الخزائن او المخازن بعيدة القعر ، والتى تزدوج بالفئران ، وتحلى بالأرضة ، فتبرز هذه المجلة هؤلاء في سماء التراجم كنجوم وأقمار فيهم من الكمال والجدارة ، والعلم والأدب ما يجعل الخلف المعتز بسلفه فخورا ليضيف مجدا طريفا الى مجد تالد قديم . . نعم والحديث ذو شجون - أذكر أن السيد العلامة ابراهيم بن علي الوزير كتب لبعض الشخصيات الثرية ان ترسل مبعوثا الى جهات فيها ثروة وفيرة من الآثار الاسلامية الخالدة والتآليف النادرة من المخطوطات التى مضى عليها مئات السنين لكبار العلماء وعباقرة الشعراء وفطاحل المؤرخين ، ونجوم الادب ، وأذكياء الكتاب ، وحملة البيان . وعلى الرغم من تردد الخبير عاد بخفى حنين، وهذا دليل على تساهل علية القوم بثروة أسلافهم وقد نسوا أو تناسوا أو تساهلوا أو تصاغروا المكتبات العظيمة في البلاد الاسلامية في العراق والحجاز واليمن والاندلس ومصر . وان التاريخ يروى العجائب عن مكتبة الحكم بن ناصر الخليفة الأموى ، ومكتبة ابن الأفطس صاحب بطليوس بالأندلس ، ومكتبة الخلفاء العبيديين بمصر، ومكتبة الصاحب ابن عياد ، ومكتبة قابوس، ومكتبة الميكالى ، ومكاتب أيمة اليمن وسلاطين بنى رسول . . وو .و . وقد روى روى التاريخ أن كتابا كان صاحبه ينادى عليه بسوق قرطبة فجعل احد العلماء يلاحظه ويزايد بعض المساومين الى أن بلغ
مبلغا كبيرا فعرف أن المساوم من الأثرياء لا من العلماء وانه يريد الكتاب ليكمل به مكتبته للانتفاع بها ، لان الكتاب المساوم عليه غير موجود في خزانته . . وهذا دليل على انتشار العلم والأدب ، وولوع أهل ذلك العصر الزاهر في الفردوس المفقود بالكتب والعلم والعلماء الخ . . ومما يلاحظ في عصرنا أن كثيرا من الشباب الواعى منكب على صحف ماجنة لا تزودهم في مستقبلهم ، ولا تنمى من معلوماتهم ، ولا تزيد في شحذ أفكارهم ، ويتركون ما فيه نفع لهم ، وهذا لا يطلق على الجميع ، لا بل على كثير ، وثم شباب هداه نشاطه وسمو مداركه ، الى مطالعة ما فيه النفع من المجلات الهادفة والكتب النافعة فتذكر قول الله تعالى : ( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض )
وقوله تعالى : ( ومن الناس من يشترى لهو الحديث )
وقد اخترت في هذا المقال ما يصح ان يلتحق بما نشر في العدد الماضى شاعرا ناثرا عالما فذا كبير النفس والهمة من أحفاد القاضى الامير نشوان بن سعيد الحميرى رحمه الله ، من مفاخر القرن الحادى عشر، وممن اشتهر في عصره وقطره ومصره بالعلم والوجاهة والنظم والنثر والكتابة العالية على الطريقة المتبعة طريقة السجع ولنترك المجال المحرر الحكمة ليحلل الشخصية باسلوبه العالى الجميل ثم نورد شيئا من نثره وشعره
قال : هو القاضى العلامة الفذ الاديب ، اللابس من حلل الفصاحة بردها القشيب ، الناظم الناثر الخطيب ، أحد أفذاذ اليمن وأعلامها المشاهير ، أحمد بن محمد بن الحسن بن
أحمد بن صالح الحيمى اليوسفى السيامى المولد والنشأة ، الصنعانى الوفاة . . ينتهى نسبه الى علامة اليمن الاكبر القاضى نشوان بن سعيد الحميرى .
ولد صاحب الترجمة بشبام كوكبان سنة ١٠٧٣ وينشأ في حجر والده وعليه تخرج ، وكان والده من السراة الأكابر ، والعلماء الأماثل . ولما شب وترعرع تفرغ للدرس والتحصيل ، وأخذ العلم عن علماء شبام وكوكبان ، وبلادهما ، وناهيك ببدور كوكبان في عصره أدبا وفضلا . * * *
تضافرت عوامل التربية والبيئة وقانون الوراثة فى تكوين عبقرية المؤلف ونبوغه . كان في اتصاله بأولئك الأدباء الأكارم ونشأته في حضن النعمة ومهد الرفاهية ورغد العيش بحجر والده وتغذيته بعوامل التربية الفاضلة في ذلك الوسط الزاخر بالعلم والأدب ، كل ذلك أوجد فيه تلك المعاني : رقة المزاج ، وخصب العاطفة ، وكرم السجايا ، وصفاء الحس ، وأوحت اليه ألوانا زخرفية من الخيال البديع ، والتفكير الحصيف . والطموح الشريف ، وأسالت من شباة يراعه العبارات المنسجمة ، والتشبيهات المختارة ، واللفظ الرقيق ، والمعنى الدقيق . وأفاضت على لسانه آراء ونزعات فيها الرجولة وفيها الجرأة ، وفيها الاعتداد بالنفس ، والاعتزاز بالآباء ، وفيها الاباء ، وفيها الرقة والوجدان الصادق .
كان في روعة شبابه ، وعنفوان قوته ، مرحا طروبا . خفيف الروح ، رقيق الطبع يجتذبه الحسن ، ويستميله الجمال .
ليالى لا تنجو بنيلى خريدة
وان عز حاميها وجم عديدها
إذا ما رمتنى ذات دل رميتها
بعين لها منها مقيد يقيدها
وكانت نفسه هادئة مطمئنة ، همها اقتناص شوارد الآداب ، وارتشاف رضاب السرور ، خلية من هموم الحياة وأهوالها سوى ما كان يلابسها من الموجدة على حساده ومنكرى فضله واعدائه الذين ( يقطفون من مرير الحسد ثمره ، وما ذاك الا لأنهم حمر مستنفرة ، يأكلون كما تأكل الانعام، ويودون سلب ما أولاه فيه ربى من الانعام ، كل منهم حشى صدره وأهابه أوغار ، وظهر على قبيح منظره كدرة لونه الذى ينم عليه إذا حسد أو غار) هكذا يقول عن معاصريه الذين لم يعترفوا بنبوغه وقد بذهم في ميدان البلاغة وعجزوا عن اللحاق به ، فى حلبة البيان ، وهو فى ميعة العمر ونضارة الشباب، ومع ذلك فهو يرحمهم لما يكابدون من وحر الصدور وعذاب الوجدان، لأن عيونهم في جنة وقلوبهم في نار، هذه الزفرة المريرة نجدها في مقدمة كتابه ( عطر نسيم الصبا ) على أنا لم نطلع على قدح أو معارضة تدل على ذلك . وعلى كل حال هو أعرف بما كان يدور حوله أو لعلها أثر من آثار سن الغرور ، ونزوة من نزوات طيش الشباب ، فقد كان ( عطر نسيم الصبا ) باكورة انتاجه الادبى العظيم، ألفه وهو في الخامسة بعد العشرين من عمره، وانت جد خبير بما لهذه السن من أثر في أخلاق الشباب ، وما تدعه في نفس صاحبها من أوهام تخيل اليه انه بلغ بكماله ذؤابة الثريا أو عنان السماء ، وان كل عين لا تراه بهذه المنزلة متعامية أو عمياء . .
وانك لتجد جمال الشباب ، ورقة الطبع فيما كتبه حول الحب ، ووصف الشباب ، والقرب ، والوصال ، والهجر ، والعتاب ، والشكوى ، والحنين ، والطيف ، والرياض، والحدائق ، والنسيم ، وكل ما له صلة
بالحسين والجمال ، ولسان الحال منه ينشد:
وقالوا قد أجدت فقلت انى
وجدت القول يمكننى فجادا
ثم تقلبت الأحوال بصاحب الترجمة ، واتصل بقصور الخلفاء ورجال الحكم واجتذبته تلك القصور اليها للانتفاع بمواهبه ، والاعتزاز بقوة قلمه، فولى منصب الخطابة وارتقى منصتها ، وجال في ميدان الحياة العامة ، وأشرف على مجارى السياسة، وعرف دخائل النفوس وغوائل الرجال .
وكان فؤاده الكبير يخفق بكثير من الاطماع الكبيرة ، ونفسه الوثابة تطلب ما يناسب عظمتها وطموحها ، وهمته العالية تسمو به الى مجد الاسلاف ومراتب السيادة. كد روحه وأفنى لياليه في سبيل غايته :
( ومن خطب الحسناء لم يفله المهر )
طلب المجد يورث المجد خبلا
وهموما تقضقض الحيزوما
فتراه وهو الخلى شجيا
وتراه وهو الصحيح سقيما
فاكتملت معارفه ، ونضجت مباحثه وآدابه ، واصبحت فكرته الوقادة تفيض بثمار الاطلاع الواسع ، فألف المؤلفات المتعددة في فنون الآداب ، وقد اطاعته أعنة الكلام ، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام :
وكان يرى فى نفسه فضلا لا يراه لاحد، ويشعر بانه شخصية ممتازة يجب احاطتها بكل مظاهر الرعاية والتكريم ، ويربأ بنفسه العظيمة ان تذل للحوادث ، وتنزل على حكم الايام ، ولكن الزمان لم يسعفه بما يريد ، يقول المترجم :
( ولكن نفسه العظيمة لا تخضع ولا تلين، ولا تستكين ، بل تزداد قوة وجلادة ، كما يقول في مقدمة كتابه : ( طيب الثمر في أوقات
السحر ) : (( على أنى وان لم يساعفنى الزمان بما أريد ، لست بحمد الله من رجال قصعة وثريد أقنع بالدون واكتفى ، وارد الوشل فأشتفى، انما انا احوم حول أمر ما ، وأهم بما لا يستطاع هما ، واملأصدرى في اكتساب العلا غما ، أطيل في الاطلال النداء ، فلا يجيبنى مجيب الا الصدا ، والدهر المانع ، أكذب من صانع ، يعد فلا ينجز وعدا ، ويلمع خلب بارقه فلا يعقب رعدا .
( ألا ليت شعرى يا رباب متى ارى
لنا منك نجحا أو شفاء فاشتفى )
وانظر الى هذه الجملة التى يصف فيها ما يلاقيه من الرزايا وشكول البلايا وكيف يتلون الدهر لمعاملته تلون ليله ونهاره :
وهو الدهر ليس ينفك ينحو
بالمصاب العظيم نحو العظيم
هذه بعض ترجمته الطويلة ، علاوة على ترجمة الشوكاني له في تاريخه ( البدر الطالع ) وترجمة زبارة في كتابه القيم : ( نشر العرف ) الجزء الاول ، ولا يفوتنا أن نذكر القراء الكرام أن أسلوب السجع استمر حتى اوائل النهضة الحديثة وكثير من رجال النهضة التزموا السجع ولكنه سجع جميل مقبول ، وصاحبنا أديب كبير وشاعر الخلقة مذكر بالنثر الغنى في القرن الرابع فقد اجاد وأفاد واتى بشئ فوق مستوى عصره ، حتى زاحم الأوائل بالمناكب ، وفاز بالقدح المعلى .
وفي العدد القادم سأواصل الحديث عنه وعن تآليفه ، وأذكر شيئا ممتعا من شعره ، وشيئا من الفصل التاسع والعشرين من كتابه ( عطر نسيم الصبا ) وهو في النصائح والحكم فالى اللقاء ان شاء الله .
( الطائف )

