قد سبق الكلام فى ذكر أهم الاسباب التى اقتضت عداوة كثير من المتكلمين لشيخ الاسلام بن تيمية ؛ وان اعظم تلك الحوادث انما وقعت لانتصاره لصحيح السنة النبوية و دعوة الناس الى العمل بكتاب الله والايمان على الطريقة فلذلك خالفه المتكلمون من أهل التأويل وعارضه الملحدون وذموا معتقد الحق الصحيح ؛ ولكن العدول من حملة العلم النبوى ممن عاصره وجاء بعده كلهم متفقون على مدحه والثناء عليه لما قام به من نصر الدين وقمع المبطين وانه الامام الذى
لا يبارى ، والتحرير الذى الاعاجم الحمقى ممن كانت وزعم ان من سمى ابن تيمية
لا يجرى ولهذا لما قام بعض تعتريه بعض الاحيان جنة شيخ الاسلام كافر لا تصح
الصلاة خلفه رد عليه العلماء وانكروا مقالته الخاطئة حتى قام معاصره حافظ الشام شمس الدين محمد بن ابى بكر بن ناصر الدين الشافعى فالف كتابا حافلا ذكر فيه نحوا من تسعين اماما اكثرهم ممن عاصر شيخ الاسلام وكل منهم قد سمى ابن تيمية ، شيخ الاسلام ؛ اعترافا بفضله ومعرفة بقدره وقد فرظته جماعة من اعلام العلماء كالحافظ ابن حجر والامام العينى والبلقينى ؛ ومن البعيد عادة أن يطلق هؤلاء الائمة على ابن تيمية شيخ الاسلام الا وقد عرفوا فضله وعلمه وورعه وزهده ، وقد قال التاج السبكى فى طبقاته الكبرى ، فى ترجمة والده : (( واما لحافظ ابو الحجاج المزى فلم يكتب بخطه لفظة شيخ الاسلام الا لدى لوالده الشيخ تقى الدين ابن تيمية والشيخ شمس الدين ابن ابى عمر تاج الدين )) ذكر ذلك
مفتخرا به ، ولكن ذكر ابيه مع شيخ الاسلام ابن تيمية فى محل اشكال ونظر فانه لما قال بعضهم :
ثلاثة ليس لهم رابع فى العلم والتحقيق والنسك وهم اذا شئت ابن تيمية وابن دقيق العيد والسبكى
- غلطه العلماء وقالوا : ان ابن تيمية وابن دقيق العيد لا يلز بهما قرين مثل ابى الحسن السبكى : الذى هو اول من اظهر الفدح فى ابن تيمية اتباعا للهوى بلا تحقيق وقد قال ابو البقاء السبكى : (( والله ما يبغض ابن تيمية الا جاهل او صاحب هوى فالجاهل لا يدرى ما يقول وصاحب الهوى يرده هواه عن الحق بعد معرفته به ))
وابو البقاء المذكور هو الذى كان ينوب فى القضاء عن تقى الدين السبكى ، ولتقى الدين السبكى مدح عظيم وثناء جميل على شيخ الاسلام ابن تيمية نقله ابن رجب فى طبقاته فمنه قوله فيما كتبه للحافظ الذهبى لما عاتبه فى رد الحق الذى دعا اليه ابن تيمية وانتصاره للاقوال الضعيفة الواهية : (( فالمملوك يتحقق كبر قدره وزخارة بحره ؛ وتوسعه فى العلوم الشرعية ، والعقلية ، وفرط ذكائه ، واجتهاده ، وبلوغه فى كل من ذلك المبلغ الذى لا يحيط به الوصف والمملوك يقول ذلك دائما وقدره فى نفسى اكبر من ذلك واجل ، مع ماجمعه الله له من الزهادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام فيه لا لغرض سواه وجريه على سنن السلف واخذه من ذلك بالمأخذ الا وفى وغرابة مثله فى هذا الزمان بل فى ازمان ، اهـ هذا كلام ابى الحسن السبكى انطقه الله بالحق الذى خالفه بفعله وقوله ولم يعمل بمقتضى شهادته ولقد احسن القائل :
ومليحة شهدت لها ضراتها والفضل ما شهدت به الأعداء
ولما سافر شيخ الاسلام الى مصر حضر عنده ابو حيان النحوى - وكان علامة وقته فى النحو - فقال : (( ما رأت عيناي مثل ابن تيمية )) ثم مدحه بقوله :
لما أتينا تقى الدين لاح لنا داع الى الله فرد ما له وزر
على محياه من سيما الألى صحبوا خير البرية نور دونه القمر
حبر تسربل منه دهره حبرا بحر تقاذف من أمواجه الدرر
قام ابن تيمية فى نصر شرعتنا مقام سيد تيم إذ عصت مضر
فاظهر الحق إذ آثاره درست واخمد الشر إذ طارت له الشرر
كنا نحدث عن حبر يجيء لنا أنت الامام الذى قد كان ينتظر
ثم انه بعد نظم هذه الابيات دار بينهما كلام فى النحو ، فقطعه ابن تيمية فعاد ذاما له ، قالوا : وذكره فى تفسيريه (( البحر والنهر )) بكل سوء ، وقد عين صاحب (( كشف الظنون )) الموضع الذى فيه ذم شيخ الاسلام ، وهو عند قوله تعالى : (( وسع كرسيه السموات والأرض )) ، وقد طالعت التفسيرين فلم أجد فيهما ذكرا لشيخ الاسلام ابن تيمية ، ولم ينفرد شيخ الاسلام بتغليط ابى حيان فى النحو فان العلامة محمد بن عبد الهادى تلميذ شيخ الاسلام ، رد على ابى حيان فى مجلد رأيه عند شيخنا علامة العراق السيد محمود شكرى الآلوسي فى بغداد ، وذلك انتصارا لما ذهب اليه الامام ابن مالك من المسائل النحوية التى غلط فيها ابو حيان ولا يستبعد أن يرجع ابو حيان بعد مدح شيخ الاسلام ، ذاما له ، لأنه غلبه وقطعه فى فنه الذى يدعى التفرد به ، ويفتخر بمعرفته ومن نظمه فى ذلك :
غذيت بعلم النحو إذ در لي ثديا فجسمى به ينمى ، وروحي بها تحيا
وقد طال تضرابى لزيد وعمره وما اقترفا ذنبا ولا تبعا غيا
وما نلت من ضربيهما غير شهرة بفن وما يجدى اشتهارى به شيا
لا إن علم النحو قد باد أهله فما ان ترى فى الحي من بعدهم حيا
سأتركه ترك الغزال لظله وأتبعه هجرا وأوسعه نأيا
فرجل هذا غلوه فى فنه كيف لا يذم شيخ الاسلام إذا قطعه فى علمه الذى يدعي التفرد بمعرفته ؟! وما احسن ما قيل :
والغبن فى العلم اشجى محنة علمت وابرح الناس شجوا عالم هضما

