قبل خمس وعشرين سنة لم تكن بلادنا تعرف معنى للاستقرار ، كانت نهبا للفوضي التي تفخر كيانها فتدفع بها دفعا بالغا إلى وراء ... ثم ولي جلالة الملك " عبد
العزيز آل سعود " زمام أمرها ، فقادها إلى . الأمام ، قيادة ربان ماهر وكان أن ضرب ضربته البتارة الموفقة لعوامل العبث والأخلال بالأمن فذاقت البلاد في عهده السعيد ؛ طعم الراحة وأنست إلى الهدوء ، وشعرت شعورا خفيا
ثم جليا بكيانها ، وأمن العاملون فيها على حيواتهم وأعمالهم وانتاجهم ، فكان مبدأ نشاط عام ، ومن يومئذ بدأت سفينة الحياة تسير بنا إلى أمام ، سيرا لاحظه المراقبون الدبلوماسيون بالداخل وفي الخارج على السواء .
خمس وعشرون سنة ؛ أوربع قرن باختصار - شئ يذكر بالنسبة لحيوات الأفراد ، ففيها يشب الوليد ، ويكهل اليافع ، ويشيب الكهل ، ولكنها لحظة قصيرة جدا : إذا قيست بحيوات الشعوب والامم .
وقد عبرنا هذه الفترة ، فلاحظنا أن شيئا حدث خلالها فى بلادنا ، ومن أجل التثبت من أن هذا الذي حدث انما هو حركة تطور حقيقية استطلعنا آراء الطبقة المستنيرة لدينا فانعقد اجماعهم على أن الحركة حركة تقدمية صحيحة حقة ! . ومن ثم عقدت النية منذ استهل العام الخامس والعشرون وهو عامة
الحالى على أن أخصص هذا العدد الممتاز من " المنهل " لسنته التاسعة بالنسبه لسنوات صدوره بالفعل ، ولسنته الرابعة عشرة بالنظر لمبدأ صدوره - أقول : عقدت النية على أن اخصص هذا العدد الممتاز لتسجيل ما يمكن تسجيله من مظاهر تطورنا " فى غير مبالغة أو تهويل أو قصور عن الواقع " .
فاذا كنت يا سيدي القارئ ممن يعنون بحياة هذه البلاد وتريد ان تلم بألوان تقدمها فى ( يوبيلها الفضى ) الحاضر ؛ فما عليك إلا ان تغوص فيما تفضل بتسطيره الكاتبون الكرام فى هذا العدد ، وآمل أنك ستظفر بكثير مما تروم ! ثم آمل فوق ذلك أن نصدر لك المنهل الممتاز ، بعد ربع قرن اخرى ، لتحتفل معنا إن شاءالله ( بيوبيل تقدمنا الذهبى ) فى مدى نصف قرن ، نرجو أن نكون وقتئذ قد بلغنا القمة ، وضربنا الرقم القياسى فى النهوض ، ذلك الرقم الذى كان محرر هذه السطور نخيل كيانه فوصفه فى افتتاحية منهل سابق بعنوان ( احلام ) وكما أحسن الله فيما مضى ، كذلك يحسن فيما بقى! .. فان هذا الشوط الذي قطعناه يوم والذي فسجل لك مظاهر نشاطنا فيه بهذا الجزء ، كان قبل ربع قرن ( حلما ) من الأحلام النائية . . وها هى قد صحت الأحلام ! ...

