صحيفة مطوية، واثارة من علم علامة العراق في عصره السيد محمود شكري الالوسي

Share

وهي قطعة من كتاب ارسله الى محبه فى الله الى فضيلة الاستاذ الجليل محمد افندي نصيف ننشره لما فيه من فائدتين جليلتين ) احداهما ( الكلام على تهنئة العيد وحكمها شرعا وكلام العلماء فيها ) ثانيتهما ( رأيه فى كتابي الجرح والتعديل وتاريخ الجهمية والمعتزلة لمؤلفهما علامة الشام فى وقته جمال الدين القاسمى الدمشقى رحمهما الله تعالى .

قال بعد الديباجة :

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته الى ان قال وقد سال الاخ اعزه الله هل ورد فى السنة استحباب التهنئة بالأعياد ؛ وهل كان السلف الصالح يهنئ بعضهم بعضا

فاقول ان دعاء المسلم مشروع فى كل وقت وتهنئته فى كل ما يصيبه من المسرات قد ورد فى السنة نصوصها ومنها حديث كعب بن مالك في قصة توبته فى الصحيحين وفيه سميت صوت صارخ يقول باعلى صوته يا كعب ابشر فذهب الناس يبشروننا ويقول لتهنك توبة الله تعالى عليك الى قوله فقام طلحة بن عبيد الله حتى صافحنى وهنانى وكان كعب لا ينساها لطلحة

وقد عقد فى الاذكار ) ١ ( للصديق بابا فى استحباب التبشير والتهنئة واورد فيه كثيرا من نصوص الكتاب والسنة .

وفى كتاب كشاف القناع ) ٢ ( ولا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضا بما هو مستفيض بينهم من الأدعية ومنه بعد الفراغ من الخطبة قوله لغيره تقبل الله

منا ومنك نقله الجماعة قال فى رواية الأثرم يرويه اهل الشام عن أبي نصه قيل وواثلة بن الاسقع قال نعم .

وقال الحافظ العسقلاني في فتح البارى شرح صحيح البخارى عنه الكلام على سنة العيدين لأهل الاسلام ما نصه بعد كلام :

ويحتمل ان يوجه بان الدعاء بعد صلاة العيد يؤخذ حكمه من جواز اللعب بعدها بطريق الاولى وقد روى ابن عدى من حديث واثلة انه لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فقال تقبل الله منا ومنك وقال نعم تقبل الله منا ومنك وفي اسناده محمد بن ابراهيم الشامي وهو ضعيف وقد تفرد به مرفوعا وخولف فيه فروى البيهقى من حديث عبادة بن الصامت انه سال وسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال ذلك فعل اهل الكتابين واسناده ضعيف ايضا وكانه اراد انه لم يصح فيه شئ وروينا فى المحامليات باسناد حسن عن جبير بن نفير قال كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض تقبل الله منا ومنك انتهى ما قصد نقله من فتح البارى ج ٢ ص ٣٧١ وفى الدر المختار من كتب الحنفية واظهار البشاشة يعنى فى العيد واكثار الصدقة والتختم والتهنئة بتقبل الله منا ومنكم لا ينكر

وفى حواشى هذا الكتاب وانما قال ذلك لانه لم يحفظ فيها شئ عن ابى حنيفة وذكر فى القنية انه لم ينقل عن اصحابنا كراهة وعن مالك انه كرهها وعن الاوزاعى انها بدعة وقال المحقق ابن امير حاج بل الاشبه انها جائزة مستحبة فى الجملة ثم ساق آثارا باسانيد صحيحة عن الصحابة فى فعل ذلك ثم قال والتعامل فى البلاد الشامية والمصرية : عيد مبارك عليك ونحوه ، وقال يمكن ان بذلك فى المشروعية والاستحباب لما بينهما من التلازم فان من قبلت طاعته . ذلك كان ذلك الزمان عليه مباركا على انه قد ورد الدعاء بالبركة فى امور شتى يؤخذ منه استحباب الدعاء بها ايضا اهـ

الثانية

وسأل ايده الله ايضا بقوله : وهل اعجبكم مصنف القاسمى فى الجرح والتعديل وتاريخ الجهمية الذي نشر فى المنار ؟

فاقول :

ولست بمستبق اخالا تلمه       على شعث أى الرجال المهذب

اما مصنفه فى الجرح والتعديل فقد قصد به الذب عن الامام البخارى حيث اطال اللسان عليه بعض الشيعة وكنت اخبرته بما في تهذيب التهذيب للحافظ العسقلانى من الاجوبة السديدة ومن ذلك ما ذكره في عمران أين حطان وانه رجع عما كان الى مذهب أهل السنة وايد ذلك بأوثق روايات المؤرخين وان هذا الوجه احسن ما يعتذر به عن تخريج البخارى ولكن الامر كما قيل :

وللناس فيما يعشقون مذاهب .

واما تاريخ الجهمية وما ذكر فيه من الثناء على جهم بن صفوان فمن يقول بقول السلف لا يرضى به والأئمة الاعلام اخرجوهم عن الدين وفي صحيح مسلم عن يحي بن يعمر قال قلت لابن عمر انه قد ظهر قبلنا ناس يقرأون القران ويزعمون ان لا قدر وان الامر انف . فقال اذا لقيت اولئك فاخبرهم انى برئ منهم وانهم براء مني . انف بضمتين اي مستأنف لم يتقدم به علم ولا قدر . وكذب أهل الضلالة بل سبق علم الله تعالى بجميع المخلوقات وتمام الكائنات لا يعزب عن علمه شئ يعلم مافي السموات وما في الارض وما بينهما وهو اللطيف الخبير وكان الصحابة والتابعون ومن تبعهم باحسان اشد الناس فى التبري من اهل البدع واقدمهم فى البراءة عن اصحاب المعاصى ولهم فى هذا الباب حكايات كثيرة لا سيما انكارهم على من انكر سنة واحدة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم او عارضها براى احد أو اجتهاده أو قياسه كائنا من كان وكان يهتد غضبهم على مخالف الكتاب والسنة وان كان اكبر الناس جاها واكثرهم غنى وفضلا .

وهكذا ينبغي لمن يحب سلوك سبيلهم ويقتدى بهم فى سمت النبي صلى الله عليه وسلم وتمنى اللحوق بهم فى دار الاخرة وذلك شأن من لا يخاف فى الله لومة لائم كما فى نزل الابرار ولكن الامر فى صاحبنا كما قال القائل

ومن ذا الذى ترضى سجاياه كلها   كفى المرء نبلا ان تعد معايبه

فيا ايها العزيز لا تغير معاملتك معه بالجواد يكبو والصارم ينبو . ومحبكم قد كتب له ما يردعه عن الخوض فيما خاض فيه كتابة لا تكدر صفو خاطره باسلوب لا يعلم منه الانكار عليه والاعتراض على ارائه فان قبول الحق صعب على الناس اليوم والانصاف أقل قليل

هذا ما تيسر لنا من الكلام فى هذا المقام على وجه الاجمال ونرجو من الطافكم الدوام على ما كنتم عليه من المحبة ونشر آثار السلف لا سيما الشيخ ابن تيمية وخير العمل ادمه . انتهى فى ١٦ ذي القعده سنة ١٣٣١

اشترك في نشرتنا البريدية