كلمة المحرر
تهتم الامم الحية بطابعها وتراعي القديم الذي يسير مع ركب العصر ، وتحس بقيمة الفرد بصرف النظر عما يكون عليه المواطن من لون وشكل وثقافة ما دام ينتسب الى شرف الوطنية . ولذلك يجب الاحتفاظ في هذه الجزيرة بالعنصر القبلي وليس ذلك تعصبا له ولكنه الواقع الذي يقره المنطق لأن هذا العنصر هو الارومة العربية الاصلية وعن طريقه يمكننا الاتصال بالقديم من آداب وعادات وتقاليد موروثة ممن نشروا النور والهداية وخرجوا من صحراء الجزيرة العربية القاحلة وهم يحملون روافد الخير المعطاء الى بني المعمورة . وتاريخ العنصر القبلي العربي هو امتداد لتاريخ الاوائل ودراسته من هذه الناحية تدلنا على نفسية وسلوك وخصائص وحالة الشعب العربي القديم .
انني اقول ان من يتطرق لموضوع الشعب خاصة شؤون البادية وأدبها الشعبي فانه قد ينسب الى التاخر ، وذلك لانه ينتسب الى البادية والبادية في نظر بعض الناس يميلون الى الانكالية والسطحية والجهل .
ويحز في نفسي ان بعض هؤلاء الناقدين يحمل شهادات وبعضهم يري أنه كاتب -
يعالج شؤون المجتمع . ولقد قال لى بعضهم ان لا جدوى عن متابعة الكتابة في هذا الموضوع ونصحني بأن اتجه الى غيره بحجة ان المجال فى غيره اكثر تقديرا للمحرر . وقد نسى هؤلاء انهم لا يخدمون الوطن بهذا الرأى لأن المواطن الواعي هو الذي يفيد المواطنين فيما تخصص فيه . وانى ارجو ان يوفق الله كل مخلص . لوطنه وامته لما فيه الخير والصلاح انه سميع مجيب .
اعتذار للقراء
نعتذر عن حلقة البادية في العالم نظرا لازدحام مواد هذا العدد وسوف نواصلها في الاعداد القادمة ان شاء الله .
لكل مثل قصة " مع الخيل يا شقرا "
الفروسية من الصفات التى اكتسبها " ابن الصحراء " فى ممارسته لحياة الخشونة فى الصحراء وجبل عليها منذ أمد بعيد . وقصة هذا المثل كما رواها لى أحد شيوخ البادية الثقات تتمثل فيما يلى :
في بداية القرن ال الثاني عشر
الهجرى عندما كانت قبائل جزيرة العرب تحي حياة سلب ونهب وعدم استقرار - وقعت حوادث هذه القصة . . كان من عادة القوم حينذاك شن الغارات على بعضهم لكسب او اخذ ثار بينهم . وقد حدث ان اغارت قبيلة مطير على قبيلة عتيبة وهجم فرسان عتيبة على مطير دفاعا عن انفسهم وعن مواشهم وحدث ان تاخر عن الفرسان احدهم الذى يمتلك تلك الفرس الاصيلة المعروفة باسم (شقرا ) وكان خيالها محتقرا ويوصف بانه جبان وبانه ليس بكف لهذه الفرس التى كانت من
اجود خيل قومه فى السبق وسرعة العدو ، وصادف ان ركب هذا الخيال فرسه بعد مدة من غارة قومه على الاعداء وشاهده احد كبار المسنين من القبيلة فقال : (مع الخيل يا شقرا )وذهبت كلمته مثلا والمعنى انك ذهبت ايها الفارس مع الفرسان لتكون فى المؤخرة ولست أهلا لان تقائل معهم وان فرسك لو حملت فوق ظهرها غيرك لكانت الفائدة اعم وقد اطلق الفارس العنان لفرسه ، حتى تمكن من اللحاق بالاعداء والقضاء عليهم ، فكبر فى نظر قومه عندما اثبت بطولته .
الوفاء قصة من وحي الصحراء - - - مسلسلة على حلقات
بين اكتاف البيداء المقفرة يعيش قوم من بني البشر سعدت بهم الصحراء وارتاحوا لها . فانصهرت تلك المحبة فى بوتقة فولاذية من وفاء القوم وكرمهم واصالتهم . . حتى ليخيل لمن تتبع اخبارهم واقتفى آثارهم
إن شذى مكارمهم نوع من ضروب السحر ونسج الخيال . وان ما قيل عن اعمال اولئك القوم من اقاصيص وحكم لا تمت الى الواقع بصلة ولا يكاد يصدقها العقل او يؤيدها المنطق . . على ان القوم ليسوا فى حاجة إلى من يصدق افعالهم أو يشك فيها . لانهم يقدمون على تلك الفعال بدافع من اصالتهم ووفائهم وبايمان منهم بالحياة الكريمة التى لا تشوبها مظاهر براقة او ماديات مستهجنة او مجاملات مستحدثة
وقصتنا التالية رغم طول عهدها الا ان تاريخ الصحراء قد اختطها وابى الا ان يحكم بواقعيتها ليستشف القارئ من خلالها وفاء العربى وانفته وكرمه واباءه مهما ادلهمت له الخطوب واحلولكت أمامه السبل
وتبدأ القصة حينما قفل الشيخ " غالب راجعا الى مضرب خيام قومه التى ضربت أطنابها على ربوة عالية اصطبغت حصباؤها بلون ارجوانى بديع . . . كانت الشمس
كحسناء اعياها الملل فذبل عودها واهتز قوامها واختلط حابل دم وجهها بنابله واصفر لونها ، ومالت الى الراحة والاستجمام . .
تنقل الشيخ حول الربوة ناذا . بالليل قد اسدل رداءه الاسود على الكون ليمنح كل غاد ورائح قسطا من الدعة والسكون . . قسطا يبدل به عناء يوم طويل شاق ممل . . وما هي الا سويعات حتى غص المجلس باجتماع القوم حول نار شيخهم يتحادثون عما جرى لكل منهم فى عامهم من غريب الامر وعبره ، وعجيب القول وفكاهته . يتنقلون بالحديث كما تشتقن ماشيتهم باحثة عن اطايب العشب ويبدور الحديث بينهم كما تدار اقداح القهوة فى مجالسهم وشئ واحد يختلج في نفس كل منهم وذلك هو صمت الشيخ . وما هي الا برهة حسى يحرج القوم بحديثهم على قصص الماضى لعلهم يجتذبون بشجون الحديث اسهام شيخهم معهم فى افانين الاحاديث وهو الذى لم ينطق هذه الليلة ببنت
شفة . وكانوا قد عرفوه الواعظ لهم المشنف لآذانهم بحلو القول وجميل الرأى ولكن عبثا يحاولون . وما زالت ضحكات شبابهم تشقق ستار هدوء اللين وسكونه اثارة له واشتياقا لحديثه حتى آن أو ان هجوعهم واسرخاء جسومهم التى امضن ذلك اليوم بين كد وتعب وحديث وعمل . فانصرف الجميع الى مضاجعهم وقد رابهم صمت شيخهم لا يلوون من امره على شئ ولا يجرؤ أحد منهم على التقدم اليه بسؤاله عن سبب سمته الرهيب هذه المرة . .
وران الكرى على الكون فهجع خضوعا له جميع من تحركت في جسده نفس. ونبض بين ضلوعه قلب وجرى فى عروقه دم سوى ذلك الشيخ الذى استلقي على ظهره ، ثم لم يلبث ان ضرب بيئه وبين النوم ستار لا يدرى هو نفسه ما سببه . . وغالط نفسه مرارا باغماض عينيه مرات ومرات ولكن بدون جدوى.
وهنا سبح خياله ودارت فيه أشياء وأشياء يفكر وينتقل من خيط الى خيط فى شبكة واسعة الحلقات طويلة لا نهاية لها من التفكير المطلق فى هجعة الليل الذى لا يشعر بطوله وتمدد ساعات الا كل قلب معنى اصطادته الاسقام والهموم والمتاعب . .
لقد كانت ليلة ليلاء على الشيخ ، غالب الذي انهى العقد الثامن من عمره وزاد عليه نصفه . وفجأة ، وفي الهزيع الاخير من الليل أطل القمر مبتسما ومرسلا اشعة رقيقية . مهفة الى كل شبر امامه فى الارض . . .
وما اشد فرحة الشيخ بوجوده معه -
يؤانسه ويمضي بقية ليلته التى شعر فيها بانقباض فى نفسه لا يدرى كيف ومع من يستطيع من بنفس عنه هذا المقتصر والاحجام الذى احس به . . وهاجت شجونه وزاد تأمله فى فضاء الله الواسع الذي نمنه كواكب كأنها مملكة فى مجموعها قد منحت مبكها - القمر - تاجة مرصعاهر واللآلئ ، يسير وينشر فيها الخير والنور ويناجيه كل من رآه بقلبه مناجاة الصديق الوغي دونما تكلف او اجهاد . . وتاه الشيخ بعمق تفكيره فناجى القمر بآهات عميقة و تأملات فاحصة ونظرات دقيقة . وبوحى من كل ذلك دخل فى دوامة حلقة واسعة مبهمة من استعادة صور الماضى البعيد . فنقد تذكر يوم كان وابن جارهم طفلين يرعيان بهم ابويهما بجانب الجبل الاخضر قرب الغدير ، ويمسكان صغار الطير فى اعشاشها ويتسلقان اشجار الطلح والسدر بحثا عنها . . تذكر يوم جادت السماء بذلك المطر الغزير فوضعت عليهما السيول حصارا دام يوما وليلة وهما فى مكانهما مع مجموعة من سخالهم ينتظرون الرحمة وقد يقنوا بالهلاك . .
ومرت بالشيخ ذكريات حينما استعطف القدرة الالهية في ان تمنحه بعض الوقت ، وظل يقلب سجل ماضيه المجيد الذى سجل اسطرها بنفسه يوم كان يستظل تحت ظلال سيفه كل من تسرب الى قلبه خوف او سرى فى اوصاله وجل ، او نابه ظلم او اعتداء . .
نعم لقد هجر السيف غمده سنين ليست بالقصيرة وصال فى ميادين المجد وجال حتى اعهه فكره عندما تصبت من جبينه الدماء . . وما هى الا سوبعات عابرة حتى قطع عليه توديع القمر كل ما كان سابحا فيه ومحلقا في اجوائه من حيالات . وقد اعترى الشيخ حزن عميق لفرق فى سميره وانبسله . وتمني في نفسه ان ينازله طعانا لتبدأ المعركة ، وليتذوق حلاوتها بنفسه . وهنا احست المقادير بما جال في خاطر الشيخ فجادت بنسمة علييئة سمع من خلالها حفيف الاشجار وتراقص اغصيانها حيث بدأت الاطيار ترسل انغاما سحرية تخفق لها القلوب وتسكن لها الاشحان والهموم داعية للسلام ومستبرة بقدوم يوم جميل يعم ظه الاهن وترف فيه ربية الحب على الرجاء المعمورة فوجد الشيخ نفسه أمام إطلالة الفجر ، ومن هنا ابتدأ يطارد فلول الظلام واذا بالعصافير تردد أناشيدها العذية الساذجة فوق غصون شجرة ، نبت جذعها في جانب صفاة ملساء اصابها وادل في سحر ، فتألق وجهها واعجب الشيخ ببريقها . . وحانت منه التفاتية على اثر وقع اقدام فى الغسق . . انها اشباح مقبلة نحوه تتراءى للناظر وكأنها يجتمع وتفترق . رأى تلك الأشباح ننخبط تخبط التائه الذي ضل طريقه ولا تزال أفكاره حائرة بين الاقدام والاحجام ، وقد نهض الشيخ من مضجعه مسرعا ولاول وهلة دهش بما رأى .

