(( نبذة تاريخية وقعت حوادثها فى عهد سليم جهانكير احد ملوك المغول ، فى القرن الحادى عشر الهجرى ، رأيت ان اصوغها بهذا الاسلوب القصصى ))
كيف طارت الحمامة من يدك ؟ نطق ولى العهد سليم بهذه الكلمات موجها خطابه الى الحسناء الصغيرة (( مهر النساء )) وهو يكاد يتميز من الغيظ . وفى الوقت نفسه يرجع فيلوم نفسه على ترك الحمامتين النادرتين عندها ؛ فاطلقت احداهما ساقيها للريح من يد تلك المغفلة فما كان من تلك الا أن فتحت قبضتها الاخري وقالت : - هكذا طارت الحمامة . . . !
كان وقع هذه الجملة الصادرة من فم تلك الساذجة الحسناء على فؤاد سليم عجيبا وأثرها غريبا ، اذ سرعان ما انقلب ذلك الوجه العبوس الى وجه مشرق يفيض حبا وغراما ، وافتر فوه بابتسامة مليئة هياما .
كان هذا الخبر المشؤوم سبب حزن (( اكبر )) وشجونه ! . أولي عهد هذه الامبراطورية الواسعة الارجاء الممتدة النواحي ، يحن الى خادمة حقيرة ذليلة ، تركها ابواها على قارعة الطريق ، خشية املاق ولما كان فيه من فقر مدقع لم يستطع تربية ابنته الوحيدة ، فحملها الى قصرى لتبقى به خادمة ؟ أهذه التى ملكت لب ولي عهدى فتسيطرت على قلبه وعقله ؟ !
وجه الامبراطور اكبر تلكم الاسئلة الى نفسه ، فلم يعرف لها جوابا ولا ردا فتضخمت أحزانه ؛ وازداد أساه ، وكادت الهموم تفتك به فتكا ذريعا ، وهم أن يعمد الى الانتحار ، وفضل المنية على الحياة ، لولا فكرة انتجتها قريحته الجبارة
حدد موعد زواج خادمة القصر الملكى بالشاب الجرىء شير افغان خان ، وزفت اليه في الموعد المضروب بين ضجة وفرح كبيرين . ولم يحرك سليم ساكنا لتلك الغوغاء والمرح اللذين كانا يشملان قصر أبيه . وكان صمته وسكونه يدلان على ازماعه انتقاما رهيبا من غريمه . وكان غريمه يجهل كل الجهل ما كان بينهما من حب وغرام ، فلو علم ذلك لمقت الساعة التى أصبح فيها زوجا لتلك البنت التعسة ، ولهام على وجهه فارا حيث لا يراه أحد ، خوفا من أن يثأر ولي العهد لنفسه منه .
ذاع نبأ موت الامبراطور بين أرجاء المملكة بسرعة البرق ، ولما كان محبوبا لدى رعيته ، كنت لا ترى عينا لم تذرف دموعا غزارا ، ولا صدرا لم يخرج زفرات حارة ، وشمل الكل سحابة غم سوداء ، ولكن اعقبها بعد أيام قلائل سرور عم الجميع ، سرور اعتلاء ولي العهد سليم أريكة الحكم والسلطة .
لم يكن غرام سليم قد مات ولا انقضى ، بل كان حبه حيا باقيا ، مزدهرا بالذكريات اللذيذة وكان سليم يطعم حبه بقلبه وجنانه ، فاحدث الحب فى فؤاده جروحا عدة لم تلتئم بعد ؛ فلما اصبح امبراطورا عادت اليه أحلام الماضي الحلوة فكان أول عمل أتاه سليم بعد توليته الملك التفكير فى الانتقام ، انتقام ملك عظيم من شخص له مكانة عظيما ، ومنزلة سامية فى قبيلته وعشيرته . فلم يهتد الى طريقا يشفي بسلوكها غليله ، ويصل الى بغيته المنشودة . أيتركها وشانها ؟ كلا . . ! ذلك مستحيل ! كيف يتركها وقلبه يحترق بنار الجوى طوال هذه السنوات العديدة . وأخيرا ارتسمت على فمه أبتسامة منتصر فاز بعدوه ؛ على أثر ما طرأت على عقله فكرة جنونية ، لاشك انها اغتيال غريمه ، مستعينا على ذلك باناس يسلطهم عليه . فكان له ما أراد .
كانت مهر النساء تحمل حبا صادقا لزوجها ، برغم أنها كانت تهوي سليما فى عهد صباه ؛ ولم يزل قلبيها مغمورا بحبه . ومع ذلك فانها لا يسرها اغتيال زوجها كما دبر له سليم تلك
المكيدة البارعة . فلما جيء بها الى قصره ، لم ترض أن ترى وجهه . بل أنذرته بقولها : - ان تفوهت بكلمة تهين زوجى الميت ؛ أو تنطوي على غرام تبثه لي فسانتحر ! وهكذا آثر سليم أن لا يجرح عواطفها فوضع بحث سيطرتها ثلة من الخدم والحشم ، لتهدئ من روعها ، وحينئذ يبعث اليها من ينزلها على إرادته . وما زال بها ست سنوات ، يرغبها مرة ويرهبها اخري ، حتى تم له ما أراد ، والتقيا بعد فراق طويل ؛ فراق دام سنين عديدة ولكنه لم يقض على حب احدهما للآخر المدينة المنورة

