الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

صورة

Share

اهتم المسلمون كثيرا بتدوين حياة الرسول (ص) وأفردوا لذلك كتبا مستقلة، أطلق عليها كتب السير أو المغازى ، كما تناول البعض الآخر من المؤرخين المسلمين حياة الرسول كجزء من التاريخ الاسلامى العام ، والبعض الآخر تناول جوانب من حياة الرسول ( ص ) ، حتى اننا لنعرف الشئ الكثير عن حياة الرسول ( ص ) ، اذا ما قارناها بما نعرفه عن أنبياء العهد القديم . وعلى الرغم من وفره معلوماتنا عن حياة الرسول (ص) فاننا نجد أنفسنانجهل بعض الجوانب من حياته ، كما ان هناك جوانب أخرى اختلف المؤرخون في تحديد زمنها أو تفسيرها (١) . ومن الامور التى اختلف فيها سنة ولادة الرسول (ص) .

فالقرآن الكريم الذي هو كتاب الله تعالى المنزل باللفظ والمعنى على الرسول (ص) ، والذى يعتبر المصدر الاول لدراسة نشأة الاسلام وعقائده وحياة الرسول - لا يتطرق لتاريخ ولادة الرسول .

كما ان سنة الرسول ( ص ) ، التى هى كل ما قاله الرسول أو عمله أو أقره أو رآه

فلم ينكره ، لا تذكر تاريخ ولادة الرسول أو عمره ، اذ لم يعرف عنه ( ص ) انه ذكر تاريخ ولادته أو عمره . وبالرغم من ان مركز الرسول العظيم كقدوة للمسلمين في حياتهم كما قال تعالى " قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " ( الأحزاب ٢١ ) ، وبالرغم من اهتمام المحدثين بأحاديث الرسول (ص) وأعماله وأقواله وجمعها وتدقيقها وغربلتها من العناصر الغريبة والمختلقات والاكاذيب، فان هذه المجاميع لم ترو عن لسان الرسول (ص) تاريخ ولادته أو عمره ، أو عمره عند مبعثه .

واذا كان من الثابت انه توفي سنة ٦٣٢م، فاننا لا نعرف عمره آنذاك بالضبط . والواقع ان المؤرخين والرواة اختلفوا في مقدار عمره . فيروي الطبري ثلاث روايات متباينة احداها عن ابن عباس ( ٣ ه / ٦١٩ م - ٦٨ ه / ٦٨٧ م ) وحماد ( ت ١٦٧ ه / ٧٨٣ م ) وابن المسيب ( ١٣ ه / ٦٣٤ م-

٩٤ ه / ٧١٣ م ) وعروة بن الزبير ( ٢٢ ه / ٦٤٣ م - ٩٣ ه / ٧١٢ م ) يذكرون فيها ان الرسول ( ص ) توفي وعمره ثلاث وستون سنة ، ورواية عن ابن عباس أيضا وعن الحسن البصرى ( ت ١١٦ ه ) بأن عمره خمس وستون سنة ، وعن عروة ابن الزبير ان عمره عند وفاته ستون سنة . (٢)

وكما اننا لا نعرف بالضبط مقدار عمره، كذلك لا نعرف بالضبط تاريخ ولادته . الا أن معظم المؤرخين يربطون ولادة الرسول ( ص ) بعام الفيل ، ذلك العام الذى لا نعرف تاريخه بالضبط ، وان كان سابقا يعتقد بأن عام ٥٧٠ م ، ذلك العام الذى يذكر المؤرخون العرب بأن أبرهة غزا الكعبة فيه ويطلقون عليه " عام الفيل " . ولما كان الاحتلال الفارسى لليمن حوالى سنة ٥٧٥ م ، وأنه حكم بعد أبرهة ابناه ، يكسوم الذى حكم سنتين ، ومسروق الذى حكم ثلاث سنوات (٣) ، وبهذا فان ابرهة توفي سنة ٥٧٠ م (٤) . ولكن من الصعب الجزم بأن ابرهة توفي في العام الذى قاد به حملته ضد مكة .

ولنعد الى حملة أبرهة على مكة لنحدد تاريخها . فعلى الرغم من أن بعض المؤرخين يجعلونها في العام الذى ولد فيه الرسول (ص) ، فانه لدينا روايات اسلامية ، سنناقشها فيما بعد ، تجعل عام الفيل قبل مولد الرسول (ص) بأعوام عديدة .

ولدينا الآن نقش ، يطلق عليه في علم النقوش ، ٥٠٦ Ry ، اكتشف على بعد تسعين ميلا الى الجنوب الشرقى من بيشة ، ومائة وخمسين ميلا شمال نجران (٥) . وقد نشر هذا النقش لأول مرة G. Ryckmans

مع ترجمة له بالفرنسية (٦) . ونشره بعد ذلك    W. Caskel   مع ترجمة له بالالمانية (٧) ، وترجمه الى الانكليزية S. Smith (٨) و  A.F.L. Beestoon (٩) . ويسجل هذا النقش حملتين لأبرهة : قاد ابرهة احداهما ضد قبائل معد في حلبان وقاد الحملة الثانية كل من أبى جبر ، وبشير بن حصن . وقد ذكر ابن حبيب السكري ( ت ٢٤٥ ه / ٨٥٩ م ) في كتاب المنمق" (١٠) الاستعدادات التى كان بعدها أبرهة لغزو مكة ونجد . كما ان الشاعر طرفة بن العبد كان في تلك الفترة في نجران فكتب الى عمرو بن هند :

من مبلغ عمرو بن هند رسالة

 فليت غرابا في السماء يناديكا

فريقان (منهم) كعبة الله زائر (*)

 وآخر ان لم يقطع البحر آتيكا

بنجران ما أمضى الملوك أمورهم

 فلا أسمعن ما أقمت بواديكا (١١)

والنقش يدون حوادث حملتين ، كما ذكرنا ، قاد احداهما أبرهة نفسه ضد قيائل معد في حلبان (١٢) ، التى لا تبعد كثيرا عن طريق السيارات المعبد الذى يربط مكة بالرياض (١٣) ، وعلى بعد ١٠٠ كم جنوب غرب ماسل (١٤) والتى لما تزل تحمل نفس الأسم (١٥) .

وتذكر المصادر العربية اشارات الى حملة أبرهة على حلبان . فالمخبل السعدى يذكر :

ضربوا لأبرهة الامور محلها

  حلبان فانطلقوا مع الاقوال

ومحرق والحارثان كلاهما

 شركاؤنا في الصهر والاموال (١٦)

وذكر المخبل

ويوم أبى يكسوم والناس حضر

 على حلبان اذ تقضى محاصله

فتحنا له باب الخضير وربه

  عزيز تمشي بالسيوف أراحله

أما الحملة الثانية فقد ارسلها أبرهة ضد بني عامر في وادى تربة (١٨) . وكانت هذه الحملة بقيادة ابي جبر على رأس كندة ، وبشير بن حصن على رأس سعد . وسعد المذكورة في النقش لا بد ان تكون سعد العشيرة . لأن ابن الكلبي يذكر أن حصين بن أبي بن مويلك من سعد العشيرة كان مع أبرهة يوم الفيل (١٩) .

والنقش يذكر عمرو بن المنذر الذى تدخل ودفع رهائن لأبرهة فاعترف له الاخير بالسيادة على معد ، وهذا يؤيد قول المخبل

السعدى ، المذكور اعلاه ، عندما يذكر أن محرقا كان معهما في حلبان . ومحرق هو عمرو بن هند كما يذكر ذلك ابن فتيبة في " كتاب العرب " (٢٠)

ولا نريد هنا ذكر تفاصيل حملة ابرهة على معد ومن شارك ابرهة من القبائل ، والذى يهمنا من هذه الحملة هو علاقتها بمكة ، أو بتعبير أدق تاريخ هذه الحملة وعلاقته بولادة الرسول (ص) .

كان  Conti Rossini  (٢١) يعتقد أن حملة الأحباش على مكة كانت زمن الملك الحبشى  Aphilas  ( افيلى ) الذى حكم في

فترة قبل   Ezana     ، أى قبل تنصر ملوك الحبشة في القرن الرابع الميلادى . ولكن كونتي دو نسيني قال بنظريته قبل أن يكتشف نقش ٥٠٦ Ry             .أما    J.Ryckmans ٦١. Ry ٥٠٦   (٢٢)

فانه يعتقد أن حوادث نقش ٥٠٦ Ry هn التى يقصد بها حملة الفيل لأن أبرهة لم يخرج من اليمن الا مرة واحدة حسب رواية بروكبلس ، وقد ذهب الى هذا الرأي كل من كاسكل (٢٣) والثيم وستيهل (٢٤) وكستر (٢٥) .

وعلى الرغم من أن حوادث نقش   Ry ٥٠٦        لا تذكر أية حملة ضد مكة مباشرة ، فانه لا يستبعد أن يكون أبرهة - وهو قريب من مكة ، في وادى تربة - قد أرسل فرقة من

جيشه ضد مكة ، ولكن هذه الحملة باءت بالفشل ، لذلك لم يدون أبرهة فشل هذه الحملة ، بل دون فقط انتصاراته على معد في حلبان وبني عامر في وادى تربة . وربما أرسل أبرهة حملته ضد مكة بعد أن دون نقش Ry ٥٠٦ ، ولذا فمن المحتمل جدا أن تكون حوادث ٌRY ٥٠٦ هى جزء من حملة أبرهة ضد مكة ، لأننا نعرف من بروكبس أن أبرهة وعد البيزنطيين بأن يحارب الفرس من جنوب العراق ، عندما جاءه سفير من القسطنطينية ، ويضيف بروكبس (٢٦) أن أبرهة خرج بالفعل من اليمن مرة واحدة ، وعاد بسرعة دون أن يحقق للبيزنطيين أية فائدة . ويفهم من بروكبس أن أبرهة قام بحملة واحدة فقط خارج اليمن ، ولا بد أن تكون هذه الحملة هي التى يطلق عليها أهل مكة " أصحاب الفيل " (٢٧) .

أما تاريخ حملة ابرهة المدونة في نقش RY ٥٠٦ فهو سنة ٦٦٢ سبئ ، فاذا علمنا ان بداية التقويم السبئ فى ١١٠ ق . م (٢٨) فيكون تاريخ هذه الحملة هو ٥٥٢ م .

ان سنة ٥٥٢ م من المحتمل أن تكون عام الفيل ، ويؤيد هذا الافتراض ان لدينا رواية عن الزهرى تذكر مولد الرسول (ص) بصورة غير مباشرة وتربطه بعام الفيل فرواية الزهرى : " حدثنا الزبير قال : وحدثنى عمرو بن أبى بكر المؤملى عن زكريا ابن أبي عيسى عن ابن شهاب ان قريشا كانت تعد قبل رسول الله (ص) من زمان الفيل . كانوا يعدون بين الفيل وبين الفجار أربعين سنة . وكانوا يعدون بين الفجار وبين وفاة هشام بن المغيرة ست سنين . وكانوا يعدون بين وفاة هشام وبين بنيان الكعبة تسع سنين . وكانوا يعدون بين

بنيان الكعبة وبين ان خرج الرسول الى المدينة خمس عشرة سنة ، منها خمس قبل أن ينزل عليه . ثم كان العد يعد (٢٩)

فرواية الزهرى أعلاه تثبت بداية التقويم الهجرى ( ٦٢٢ م ) ب ٧٠ سنة بعد عام الفيل . وعلى ذلك فمن رواية الزهري ندرك أن سنة ولادة الرسول (ص) ١٧-١٨ سنة بعد عام الفيل أى ان عام الفيل كان في سنة ٥٥٢ م ٠

ومن رواية الزهرى فان سنة ولادة الرسول ( ص ) هي ٥٦٩-٧٥٠ م ، وانه عاش ٦٢ سنة ( شمسية ) ، اذا علمنا ان الرسول (ص) توفي سنة ٦٣٢ م .

ومن المهم أن نذكر ان الروايات الاسلامية لا تتفق على سنة مولد أو عمر الرسول صلى الله عليه وسلم (٣٠) ، فمعظم الروايات العربية تذكر أن الرسول (ص) ولد في عام الفيل (٣١) ، ولكن ابن كثير يذكر رواية عن موسى بن عقبة ( ت ١٤١ ه / ٧٥٨ م ) ان الرسول ولد بعد الفيل بثلاثين سنة (٣٢)

وحسب رواية ابن الكلبي ( ت ٢٠٤ه - ٨١٩م ) فان مولد الرسول (ص) كان بعد ثلاثة وعشرين سنة من عام الفيل ، وحسب هذه الرواية يكون عام الفيل سنة ٥٤٧ م ، وهو تاريخ نقش   RY ٦٠٥   اذا أخذنا بعين الاعتبار أن بداية التقويم السبيء كان

سنة ١١٥ ق.م(٣٣) ، أما رواية المفسر مقاتل بن سليمان (٣٤)  (ت١٥٠ه-٧٦٧م)

فتذكر أن ولادة الرسول (ص) كانت بعد أربعين سنة من عام الفيل . ويروى ابن عباس روايتين : الاولى تذكر انه ولد (ص) بعد خمس عشرة سنة من عام الفيل (٣٥) والاخرى أنه ولد (ص) بعد عشر سنوات من عام الفيل (٣٦)

وعلى كل حال فمن الصعب جدا أن نقرر من الروايات العربية بالضبط سنة مولد الرسول (ص) وخاصة اننا لا نعرف بالضبط عمره عندما توفي . ويظهر أنه لم يولد الرسول (ص) في عام الفيل ، ومن المرجح أن رواية الزهري عن سنة ولادته هى الصحيحة ، ويؤيد ذلك تاريخ النقش .

اشترك في نشرتنا البريدية