ضحايا الجهل

Share

للجهل عندنا ضحايا يسيرون إلى القبور مواكب كل يوم ، بين سمعنا وبصرنا . وفى قلوب الآباء والامهات منهم ذكريات دامية ؛ وجروح لا يكاد يندمل أحدها حتى ينبثق مكانه جرح جديد ، والوطن الغالى مسكين يفقد المئآت من أطفاله بابخس الاثمان ؛ لم يموتوا محاربين فى ميدان الشرف فيتعزى عنهم . ولم يموتوا بزلزال مدمر مهلك لا دفع له ولا حيلة فيه فيندب حظه ويلوذ بالسكينة ، ويستسلم للاقدار ، ولكنه يرى نباته بعضه يموت قبل أن يطلع إلى الارض ، وبعضه لايكاد يطلع حتى يموت ، وبعضه إذا ما طلع وسلم من الموت الذريع تمشى على الارض شعبا عليلا هزيلا ، تمر به السنون ، والشعوب تتضاعف عددا ومالا وجاها ، وعظمة وسلطانا ، وهو راض بالعيش الدون ، لا تمتد عينه إلى أبعد من الجرعة تطفئ ظمأه ، واللقمة تسد جوعه .

مئآت من أطفالنا يموتون هذه الميتة الرخيصة ، كل عام ، حتى غدا أمرا مألوفا أن يولد للرجل من امتنا عشرة أولاد ، فلا يوفر له الموت منهم غير ولدين أو ولدا واحدا ، وربما لم يبق احد ، وهو مع ذلك لا يفكر فى سبب هذا الموت الذريع الذى يرميه كل آن بمصيبة مودية ، ولو فكر قليلا لعلم أن السبب هو الجهل باسلوب تربية الطفل ؛ هذا الاسلوب الذى بسطه العلماء حتى لم يعد يزيد على قواعد معدودة ؛ يستطيع حتى الرجل الامي أن يدركها ويعمل بها ، ويفيد لاولاده خيرا كثيرا منها . ولكن كما يقولون : لا يفيد علم بلا عمل .

وكيف نستطيع أن نطمع من الرجل بالايمان بهذه القواعد التى توافق الدين والعقل ، وتؤكدها النتائج المشهورة ، ونحن نعلم أن أم الاولاد في البيت قد امتلأ ذهنها عن تربية أطفالها بطرق سقيمة عقيمة ، وجمعتها من الزمن القديم من وسطها الذي يعتمد على سخافات العجائز ووصفات الدجالين ، ولا تفكر فى استشارة الطبيب إلا وقد أشرف الطفل على الهلاك .

كان عندى منذ أيام بعض الصحاب ( ١ ) من أهل المدينة فحدثنى عن صحة طفله بما سر خاطرى وشرح صدرى ، وقال انه خلال العام الاول لم يحتج إلى مراحعة الاطباء فى طفله إلا مرة واحدة وذلك عند بداءة التسنين ؛ وعلمت من حضرته أنه كان يطالع بالاهتمام المقالات التى كنت أنشرها فى (( أم القرى )) عن طريقة تربية الطفل ورضاعته وعلاجه فى البيت ، ولو أن كل الآباء أخذوا بخطته واقتدوا به لجنوا مثله خير الفوائد .

لا نريد أن نعود لمقالات (( أم القرى )) ولكنا نلخص للقراء من جديد دستور الصحة للطفل فى كلمات راجين من كل قارئ أن يحفظها ويؤمن بها ويحدث أصدقاءه ومعارفه باخلاص عنها ، ويجتهد في إقناعهم بان سلامة الطفل من الامراض القاتلة والامراض المضعفة متوقفة عليها . وانى أصوغها فى فقرات ليسهل استذكارها عند الحاجة اليها :

أولا : كل والدة تسقط حملها ( اسلاب ) مرتين فاكثر يجب أن تراجع الطبيب ، لان الاسلاب المتكرر يتسبب غالبا إما  عن علة فى الرحم ؛ وإما من الافرنجي ، وهو المعروف بالمبروك وعلاج الطبيب بعد الله هو الذى ينقذ الموقف ، ويضمن سلامة الحمل وولادة اطفال اصحاء .

ثانيا : الرجال الذين يتزوجون فى سن متأخر قلما ينجون من الاصابة بمرض تناسلى كالسيلان ( ردة ) والزهرى ( أفرنجى أو مبروك ) فعليهم مراجعة الطبيب فان فى علاجهم تطهير نطفهم من الداء فيجئ أولادهم أصحاء سالمين ، لان عدوى هذه العلل شديدة ؛ تنتقل من الزوج للزوجة ، وللطفل وهو ما يزال فى الرحم علقة .

ثالثا : يحسن ان تجرى الولادة باشراف ( داية ) قانونية ، فان الدايات الجاهلات يجنين بجهلهن اشنع الجنايات على الوالدات والاولاد معا . وقل ان تجد عندنا في الحجاز بيتا لم يصب فى زوجة أو اخت او طفل عزيز .

رابعا : أول اركان السلامة للطفل الرضيع ارضاعه من ثدى امه ، أو من مرضعة اذا كانت أمه مريضة ، أو كان ثديها جافا قليل اللبن . فان الله تعالى ببديع صنعه أودع فى لبن الام او المرضع خواص هاضمة مانعة من بعض الامراض ، لا يمكن وجودها فى لبن الحيوان .

خامسا : الركن الثانى لسلامة الطفل الرضيع هو ارضاعه وجباته فى نظام مقدر وعدد الوجبات ستة : فى الصباح المبكر ، وفى الضحي ، والظهر ، والعصر والمغرب ، والعشاء ، اى فى أوقات الصلوات الخمس مع زيادة وجبة الضحى اى حوالى الساعه الثالثة صباحا . وكل تساهل وتسامح فى هذا النظام جدير بان يتخم معدة الطفل ويمهد للقئ والاسهال واضطرابات الهضم التى قد تسرع بالصغير الى الهزال الشديد فالموت . ومن سلم من الموت من هؤلاء الاطفال المجنى عليهم استحال الى هيكل عظمى نصف كسيح ، ويظل حاملا لعلته حتى يقضى الله فيه أمره الفصل ؛ فاما الى موت مريح واما الى حياة سقيمة حزينة .

سادسا : الركن الثالث لسلامة الطفل من الامراض القاتلة حصر غذائه فى اللبن لمدة تسعة أشهر على الاقل ، فان معدته كما أثبت الاطباء وأيدته

التجربه لا تهضم خلال هذه المدة من عمره شيئا غير اللبن . واذا دخل معدته زبدة أو سمن او عسل أو زيت اللوز ، او مستحلب كذا وكذا كما يصنع كثير من الامهات فى الحجاز فان الطفل تتخم معدته ويبدأ يفلس شيئا من رضعته ثم يأخذ فى القئ بعد أيام ، ولا تزال اعراض سوء الهضم تتلاصق واحدة أثر اخرى حتى يبدأ الاسهال ويأخذ الصغير بالهزال ، ويسير رويدا رويدا الى الموت .

ولقد علمت مع الاسف ان إلعاق الطفل الرضيع العسل والسمن عادة منتشرة في الحجاز ، تعطي للطفل لتمنحه القوة والبدانة ، فتكون سببا سريعا فى تنغيص عيشه وعيش أبويه ثم هلا كه

سابعا : - الركن الرابع لسلامة الطفل من الامراض القتالة هو وقف رضاعة مرة واحدة لمدة ٢٤ ساعة عند ظهور القيئ أو الاسهال ، مع اعطائه شايا محلى جيدا كل ثلاث ساعات لتخفيف جوعه وتسكين ظمئه فلا تكاد مدة هذه الحمية تنقضى حتى تزول اعراض المرض ويعود الصغير الى صحته ومرحه ، وتنشط شهيته من جديد للرضاعة .

هذه الطريقة التى وصفناها لعلاج القيئ والاسهال فعالة جدا ناجحة كل النجاح حتى من غير حاجه لاستعمال أي دواء .

ثامنا : الركن الخامس ، وهو آخر دستور صحة الطفل ، هو استشارة الطبيب ، والعمل بنصائحه عند ما يطرأ على صحة الطفل أى مرض ، واهمال كل نصيحة تأتى من غير الطبيب .

ان الطفل يأتي الى الدنيا بمعدة ضعيفة جاهلة ، لم تتعود الهضم ، وقد جعل الله اللبن أى الحليب غذاءها الوحيد سواء أجاء هذا الحليب من أم الطفل وهو الانسب والاففق ، أو من حليب البقر . وكل من يحاول ان يدخل الى معدة الطفل الرضيع شيئا غير الحليب فانه آثم يجنى على هذا المخلوق الضعيف جناية قد تفضى الى الموت .

الاطفال عندنا ضحايا الجهل والظلام ، فهل نطمع من قومنا أن يبصروا نور العلم فيسيروا فى سبيله ويسددوا مسامعهم عن أقوال الدجالين والمشعوذين والجاهلين ؟ !

( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين )

اشترك في نشرتنا البريدية