طبيعة الاستغلال

Share

أنا افكر فأنا موجود كما يقول ديكارت ، وأنا أستغل . . فأناحي بما ارجح ، وما أريد أن أضع قاعدة فلسفية بذلك ، ولكنها عبارة جرت في رأسى ، فقلت : انها بداية طيبة ، وما يضيرني بعد أن أقول ، إن الحياة في مظهرها الانساني مرحلة استغلال طويلة تستمر متلاحقة الخطوات فى آلاف الصور والأشكال ولكن الاستغلال فيما يبدو من لفظه ومعناه - عمل عقلي قوامه الممايزة بين الأفضل والمفضول ، والخير والشر - مثلا ، فما أريد مطلب التحديد بهذه الألفاظ - وإلا فان الحيوان ، أى حيوان كان ، يستمد وجوده من ضرورات كثيرة . . إنه يأكل ليعيش . أفليس ذلك استغلالا ؟ والطفل فى خطواته الأولى كذلك . وجود مستمد من نفس هاته الضرورات . . انه يتغذى ، ويسطفر ، ويلعب ، ويملأ الدنيا ضجيجيا أليس ذلك استغلالا ؟ والجماد والنبات أتراهما غير مستغلين إنما يستغل النبات ضوء الشمس وحرارتها وأنفاس الجو الذي يعيش فيه ، وعناصر كثيرة أخرى . . ليثمر ، وينمو ويزدهر ، ويؤتى حصاده . ولكن ذلك - وما اليه - لا يعدو أن يكون استغلالا طبيعيا قام ويقوم به الوجود ، لا الحياة في خطمها العظيم ، وليس يعنيني تقرير أى فرق كان بين الوجود والحياة تقريرا فلسفيا ، أو علميا فكل مايلوح لى الآن هو أن الحياة مختصرة فى تخيل وجود أرقي ويشرق نخيل كهذا فى رأس الطفل منذ يدرك المفارقة بين لعبة ولعبة وبين حصان خشبي ، وآخر فمن هنا يبدأ الاستغلال كعمل عقلي قوامه الممايزة بين شيئين يتخيل الأفضل منهما فى حوزته ويسعى جهده لذلك . أى لو أرق فى عالم طفولته الصغير . وتستمر الحياة فى النفس الإنسانية صراعا بين واقعها الأصم ، وواقعها المتخيل ، وتنموا الأحلام ، وتتعدد المطالب ، وتتضخم

الرغبات ، ويسعى الأنسان جهده ليظفر ببعض ما يريد . . إن لم يتح له كل ما يريد فى الأغلب الأعم ، وهو بين مسعاه وطراده وفشله ونجاحه ، وضعفه وقوته ، ومرضه وابلاله . . مسخر للاستغلال ، أو لعل هذا مسخر له ، فما يبدوان غير متلازمين حتى الرمق الأخير على أن الحياة في تاريخها الاجتماعي إن هي الإ ربية استغلال طويل تنمرت سلطته ، حتى تهيأ لها اليوم أن تسخر الذرة ، وتستغلها في مجال الحرب والسلم ايضا ، ولو لم يدع خالق الحياة في بنيها ذلك العامل المطرد أفتراها كانت ستعدو حدود الضروات الأولى ؟

ضرورة اتقاء المطر والسيول - مثلا كانت تسوق الرجل القديم لكهوف الجبال عندما تقهقه الغيوم ، فلو بقيت الضرورة في نفسه شعورا را كدا لا يحفزه الاستغلال والتطلع إلى حياة أرقى لما استتب للرجل العصري ان يشيد داره على طراز آخر . وقس على ذلك ضرورات الغذاء ؛ وضرورات الجنس ، وضرورات كثيرة كانت مبسطة ، وجعل الاحياء يستغلونها على مر الزمن ، فنتشقق عنها ضرورات كثيرة تقوم في جيلها مقام المطلب الكمالي حتى إذا جاء آخر تقبلها على اعتبار أنها ضرورات حتمية . . واستمر فأضاف اليها أخرى . . وهكذا ...

ولكن كلمة الاستغلال تصحبها فى الذهن صورة مفزعة لعمل لئيم كما هم صاحبه ان يسعد ، ولو شقي الاخرون : ما اقساه : . انه يستغل _ ما وسعه - كل شئ خادمه الضعيف ، وابنه الصغير ، وحيوانه المهزول كل هؤلاء يستغلهم لتهنأ له الحياة . . وتلك الشخصية اللامعة . . انها تستغل - ما وسعها الاستغلال - لتظل لامعة ، أو اشد لمعانا . . وذلك التاجر . . لقد وهب نفسه للاستغلال وامتصاص الفقير ، ليشيد أقبيته من ذهب . . وعشرات الأمثلة تضرب له فى صورته المفزعة فلا نكاد نجد ما يكافؤه فى مجال النقائص والسيئات

ولكن الاستغلال قوة مسخرة للطاقة الحيوية الموجودة في نفس الأنسان وكثير هم الأحياء الذين لا تكاد تخرج بهم حيويتهم عن دائرة معينة ليس من هم أحدهم ان يتعداها ، فمثل هؤلاء انما يستغلون فى حدود هذه الدائرة . وهكذا تتفاوت المقدرة فينا على الاستغلال ما دمنا متفاوتين فى حيويتنا الكاملة فى نفوسنا

فسبة الاستغلال انما تأتي من الضعيف للأقوى ، كما تكون سبة الأعزل لشاكى - ولو أتيح لأحدنا ان يكون ذلك المستغل المعير بسبته الدائمة ، لارتاح فى نفسه لكل ما كان ينكره ويأباه ، ولكننا نتغافل عن اللمحة الصحيحة التى تضع ايدينا على مواطن الضعة والكمال ، فنضع للأشياء اعتبارات لوجردناها منها لهانت وهان احساسنا بها ، ولم نعد متناحرين .

وإن اكثرنا ليتخيل الصداقة وما اليها . وباطار وحيا تندمج فيه نفسان أو نفوس كثيرة ، ولو فطنا لان مثل هذا الرباط الروحى انما هو مسخر للاستغلال ايضا ، لهانت الفجيعة فى نفس كل منا عندما يلوح الاستغلال المستور فى صورة مادية واضحة . إنه كان من قبل معنويا - كما تعودنا أن نقول - يتلصص هنا وهناك في التذاذ كل منا بلقيا الاخر ، وفي تجاوبنا الصامت المستمر حتى اذا لاح فى رمز من رموزه المادية ، فقدراعنا انهيار حلم جميل ما كان ينهار لو كنا اكثر فهما ، وأقوى على مواجهة الحقائق مجردة من أى اعتبار وصحيح أن كمية كبيرة من الناس تستغل جهدها وحيوتها فى مجال ننعته بالشر ، وهذا استغلال لا نتردد فى مذمته ، وتهويل صفة الرذيلة فيه . غير أنه - فى ضوء منطق التجريد قد يكون مترتبا على تمادي الاخرين في استغلالهم الطيب المحمود ، وتنوع أساليبهم فيه . . حتى ضاق المجال بأولئك فكانوا مضرب المثل للاستغلال السئ لانهم ارادوا ان يعيشوا كيفما اتفق .

اشترك في نشرتنا البريدية