طريق السعادة

Share

(( الحلقة الأولى ))

النفس البشرية عجيبة فى رغباتها وطموحها في آمالها .. بودها أن تستحوذ على كل خير وتشبع رغبتها من كل ما يسر وبذلك تطلق عنان آمالها لتسبح فى الهواء ولذا قد ترى المستحيل حقيقة تنسج بها خيوطا حريرية فتفاخر غيرها وتتطاول عليه ولكن فوق هذه النفس المسكينة قدرة عظيمة تتحكم فى كل آمالها وفى جميع رغباتها . فتضع لمطامعها حدودا لا تتعداها ولآمالها قيودا لا تتجاوزها . . تلك هى قدرة الله الذى أحسن كل شئ خلقه .. ذلك هو ما طغى على تفكير (( صابر )) رجل القرية الذى ربضت داره على طرف واد سحيق وعلى سفح جبل أشم وربضت قريته وادعة هادئة تستبشر بالنور اذا أتى ، وتطمئن الى الليل اذا خيم ، تغرد عصافيرها على غصون الاشجار مطمئنة بالهدوء والاستقرار والحياة الوادعة البعيدة عن الضجيج والصخب .. ترسل انغامها شجية قرب المغيب تضفى بها على القرية نوعا من الاحساس بالجمال والشعور بآيات الفن والابداع .. رجل

القرية (( صابر )) صاحب الدار الفسيحة التى علت سفح هذا الجبل علو الحاجب على العين ، تطل نوافذها على غابة كثيفة من أشجار النخيل التى امتازت بها قريته واشتهرت بجودة ثمارها وصفاء نسيمها ورقته .

لم تكن الدار متميزة عن غيرها من بيوت القرية الا بارتفاعها عما حولها مما أكسبها جمالا ومتعة عندما تكسوها تلك الأشعة الرقيقة التى تمنحها لونا عسجديا جميلا في صبيحة كل يوم وعند الغروب .

وبالقرب من باب هذه الدار وقف (( صابر )) يتأمل الجبل الأشم الذى مسحته يد الربيع. وقف يتأمل هذا المنظر البديع : أشجار محضرة ، ونسيم عليل ، وجبل عظيم ، وشمس مائلة نحو المغيب .. لقد اعتاد مثل هذا الوقوف لاعجابه بمنظر الطبيعة من حوله ، وأمام هذا المنظر الخلاب والطبيعة الباسمة تراكمت أحداث مزدحمة في فكر صاحبنا .. ذهبت به أفكاره في بحر لجي مترامى الاطراف واسع الجنبات من ماضيه البعيد ، ذلك الماضى الذى يحمل له في قرارة نفسه كل حب وكل اعتراف بالجميل ، وفي اغراقه في تفكير عميق لم يلبث ان وجد نفسه صبيا يرتع أمام والديه اللذين مات أعطفهما وأرقهما وأحناهما عليه منذ نيف وأربعين عاما . . وجد نفسه الصبى الذى لا مزاحم له في العائلة والذى لا يفارق اباه لحظة واحدة مما أكسبه ميزات قلما وجدت في مثل سنه في ذلك الوقت المبكر من عمره .

كانت سلسلة الذكريات ترد تباعا في مخيلة صابر يجد فيها لذة ومتعة وبعدا عما يكدر عليه صفوه من متاعب الحياة وعقباتها .. ومع رغبته في متابعة أحداث الصبا قفزت الى ذهنه عبارة استحوذت منه

علم كل فرصة نسنح في متابعة ما أراد .. عبارة طالما سمعها من والده الكهل في كل مناسبة ، عبارة يقول فيها : (( كأنى بك يا صابر وقد رزقت أولادا ينيرون هذه الدار وينشرون عليها رداء السعادة )) ..

ومع احتلال هذا القول بؤرة التفكير من نفس صابر ، ومع رغبته الملحة في الوقوف طويلا أمام هذه العبارة المحببة الى نفسه والقريبة جدا من قلبه حانت منه التفاتة بتحديق من غير قصد الى تلك القمة الشاهقة ليرى من بعد ومن على القمة الشماء شبحا قطع عليه سلسلة أفكاره واحتل مركز الصدارة من نفسه واحساسه وشعوره .

اشترك في نشرتنا البريدية