عبقرية الملك أبن سعود

Share

فى اللغة العربية وفي كل لغات العالم أيضاً كلمات رمز تحتوى صوراً واشكالا ومعاني ثرة لا ينضب ينبوعها القياض ، منها : الحب الجمال ، الشعر ، الادب ، الفلسفة ، الفن ، الحق ، الخير الفضيلة ، العبقرية ، وغير ذلك .

ولعل التعسف الذي يركب متنه العلماء متى اراد واحل رموز هذه الكلمات واختلافهم فى التفسير والشرح والمذهب ، والتعليل - دليل على عظمتها واستغلاقها كانها قصور سحرية تعجب وترهب وتفسح للخيال المجال فيتصورها مليئة بالأعاجيب زاخرة بالتهاويل فاذا فكت طلاسمها تلا شى ذلك السحر العبقري الذي كان يشده العقل ويترك الذهن سابحا في خيال طريف ما ينتهي من رحلة الا ليبدأ فى رحلات ممتعة رجاء ان يدرك بعض عظمتها وكنهها .

فتعريف تلك الكلمات الرمزية بعديد من الكلمات ، باطل الأباطيل إذا إدعى مدع انه وصل الى الحقيقة الثابتة والمرمى البعيد ، ومن يحاول ذلك فأنما حاول امرا فوق طاقته وجهده لان العقل الذي يريدفك طلاسمها يتعثر فى خطاه على سبيل انتثر فيه الشوك فما يستطيع ان يمشى او يقف ، فأهون الأمرين شرهما واقساهما .

ما النهى ؟ ما العقل ؟ انه زيادة طارئة كما يقول عما نويل كانت

اننا في مثل هذا المعرض نهتف مع الاستاذ الفلالي : " فخل العقل معتقلا "

يحمل بالعقل ان يعترف بقصوره فلا يهتك بمخالبه الاستار الشفافة ذوات الالوان المختلفة الجميلة الساحرة ، وليرض بقسمته من هذا الجلال والروعة فذلك خير له من الانطلاق في متاهات لا يسعه ان يحور الى المنطقة التى بدأ منها رحلته بعد ان ضل السبيل ! فلا الصوى مشهودة تنير له الطريق ، ولا الزجعي مكفولة له ، وان وسعه الرجوع فأنما يرجع في حال من اللغوب والأين

وأنا لا استطيع ان اعرف العبقرية ولا احب ان احصر معناها فى جملة   أو ألف جملة واكثر من ذلك ، فهي كالشمس أنأى ما تكون بجرمها وادني ما تكون بنورها الوهاج ، فلنقنع منها بهذا الضياء وماله من فضل على الحياة والاحياء ، ولنترك جرمها حتى تنزل الينا فندركها او نعرج اليها فتتجرد لنا عن الأوهام المضفاة عليها وتبذولنا على حقيقتها المفطاورة عليها ... وليس معنى لهذا لنا أن نحب دراسة الشمس فلكياً ، وانما الذي لا يحبه هو التشدق بأن العلماء قد وصلوا إلى حقيقة الشمس وعرفوا مجاهيلها ومسايرها وكل ما خفي منها ، عنا نعرفة لا نصبو إلى ما وراءها

ولهذا فلا نرتد أن نسأل : ما العبقرية ؟ وما كنهها ؟ ولكن نشير اليها كما يشير أحدنا الى القمر ويستمتع بنوره القضى وما يضفى على الدنيا من نور وسحر وجمال .

وتقصد من هذه المقدمة ان نقول : إن العبقرية لفظ سحرى خلاب مستغلق الكنه لا سبيل الى تفسيره والوصول الى حقيقته بالتعريف الضيق المحدود وفهمة على هذا الاساس أنه هو التعريف العام الشامل لان العبقرية كالحياة فى رحابتها وعمقها وسموتها ، بل اعظم من هذه الحياة الدارجة ، لان العبقرية حياة رفيعة سامية ، فهي فى القمة ولا قدرة لبا ان يحيط بما فيها من حقائق واسرار ونحن فى السفح القصى وانما ندرك بعض خصائصها وصفاتها ممن اسعدهم الحظ فكانوا عباقرة أفذاذا

ان هذا الفريق من خلق الله يمتاز بالشذوذ فى حياته وآرائه ومذاهبه أو يبدو للناس أنه شاذ ، لانه يقطن ذروة الحياة حيث تنزوى له الدنيا . ممن فيها وما فيها فيضعها فى كفه كالدرهم بين أنامل الصيرفي ينتقده وتتكشف له المساتير المخبوءة ويلقي عليها نظرته العابرة فاذا هو قد أدركها ادرا كاقويا ، ويسير الأغوار النمائية التى يحجم عنها غيره ويسترسل الى ما يبعد عن الاذهان فيجعله بين الحدود ظاهر المعالم فتصفقق له الا كف حتى تدمى وتضج له الحناجر حتى تبح لأنه استطاع أن يرينا ما ليس في استطاعتنا ان نراه الابدليل نستعين به

هنالك نقف مشدوهين حياري من هذا النضج الذي لا يظفر به الافراد معدودون من أبناء الحياة تتكشف لهم عن كنوزها وذخائرها فيأخذون منها وينفحوننا بها راضين مطمئنين أريجيين فنهتف لهذا الصنيع هتافاً عاليناً لانه فوق مستوى غالب الناس ...

مثل هذه الوثبة محفوفة بالمكاره والشرور ، ودون هذه الاعماق ما يذود عنها ، ودون جهاده لتغيير العادات والنظم السائدة والتعاريف الشائعة أفكار وآراء وقلوب وقوى عمي مستبسلة لان الجديد يسخر ويلذع ويتهكم وتحول ولا قدرة للنفوس على احتمال السخرية ولا صبر لها على من يركبها بالدعاية المريرة والتهكم اللاذع فتثور بالعبقرى لانه لمس موروثاتها وعاداتها وأخلاقها بالتمزيق والتجريح ، وقلب كيانها علوا وسفلا ، ولها بعض الحق في ذلك لانها رميت بشئ جديد لاعهد لها به من قبل .

لا عهد لها بهذا التدفق لا تقف في وجهه السدود والجواجز ويتخطاها إلى ما وراءها فى شموخ وكبرياء ليهبط دنيا تزخر بالمعاني فيأخذ منها ويجود بها على الأحياء بخير ما تهب الدنيا لا يخاف فاقة ولا افتقارا . ولا خسارة لان فى نفسه عالماحيا بموج بالوفرة والنشاط والحيوية والقوة ، عالما ممتلئا " بالمصانع " عالما تكاد لا تنفد بنابيعه لان ما يهب العبقري ليس الافيضا يزيد على كفايته وحاجته ، ولكنه يكفى كثيرا .

اخذ ما لدى الناس من ذكاء وقوة ووفرة واختزبها لنفسه ثم . زد إليهم ما أخذ منهم أضعافا مضاعفة ، أخذ منهم معادن رخيصة وإحالها " معادن " نفيسة بما اضاف اليها من مواد ليست ميسورة الا لعبقرى نضج تكوينه

التدفق ، والتجديد ، والابداع ، والطفوح طبيعة العبقرى وخلاقه ، ولا يظفر بهذه الخصائص احد غيره ، فهو على هذا مصاب بتضخم في العقل ، ووفرة فى الاحساس ، وطفح في الذكاء وإرباء فى الفكر ، وجبروت في الذهن ولد غيره ما لا يفيض عن الكفاية إن لم يقل عنها ، والزيادة الطاغية فى العقل والاحساس والذكاء والفكر والذهن اخلال بالتوافق والتوازن

وكذلك قد ارتقى الملك " ابن سعود " الى الذرة العليا حيث اطل على الدنيا من علوائه فاحتفلت به الأيام تلو الأيام وسيحتفل به العصور بعد العصور ، واخذ يساير الحياة والانسانية ويمشى معهما فأن سارتا صعدالم يك من المتخلفين ، وان تقهقرتا ألفيته فى الرعيل الأول من المتقدمين .

وهذا ولاشك عندنا مرده الى نفسه المستوفزة الموهوبة الممتازة بالوفرة والتدفق والتجديد والحيوية ، فهو فى كل مراحل حياته لم يكن الا قوى الحس صادق الشعور اريحى النفس غنى الرجاء ، كل طلابه المثل الأعلى ، يطلب ويرجو ويعمل لعله يبلغ مأمله .

ولاشك أيضاً ان ابن سعود قد بلغ مرتبة عليا من مراتب التفكير والفهم ، فهو قبل كل شئ لم يدرس كغيره من الناس - ولا نقول العباقرة - دراسة منظمة ، لان العبقري دائم الوثاب ، كثير التنقل ، دائب الحركة ، ناقم بل الجمود والتمهل ، فلم يستطع ان يكمل دراسته في " الكتاتيب " وعلى يد " المشايخ " وان يساير الطلبة العاديين في التلقي والتحصيل لان له قلباً كبيراً وعقلاً ضخماً لايروى التياحهما قطرات يسكبها المدرسون ، وهجرهم الى عالم  الحرية والانطلاق يقرأ مايشاء وينتقى ما يعجبه وتتلمذعلى الحياة نفسها فهى " المعلم الاكبر " ويدرك بالنظرة العابرة الخاطفة ما يدركه غيره بالدراسة والعكوف والكدح الناصب ، لان للعبقرى (ابن سعود) ادرا كاقويا يلتهم المدركات الحسية وغير الحسية ادرا كا سريعا ، واولئك (المساكين)ليسوا الاعاديين لا يسعهم ان يرا كضوا هذا العداء المجلى اويلحقوا غباره فكيف التوفيق بينه وبينهم ؟

وفي هذا دلالة على أن العبقرية لا تبعد عن الغريزة والبصيرة والبديهة فكما ان المرء حينما يرفع يده باللقمة لا تضل السبيل الى فمه - خضوعا لسلطان الغريزة - ولو كان فى ظلام حالك فكذلك العبقري لا يحتاج لفهم المعارف الانسانية إلى تحصيل كتحصيل غيره لأن له عقلاً وقلباً منهومين يلتهمان الأشياء بسرعة وغير العبقري يولد للتعلم ، للاخذ ، للتلقى ، اما العبقري فهو مولود للتعليم ، للعطاء ، للأداء .

فما حاجة ابن سعود الى الدراسة التى تكدح الاذهان في استيعابها وفهمها وهو الموهوب ذهناً حياً واعياً ، وفكراً قوياً ناضاً ؟ وما حاجته الى الاستعارة والأخذ وهو الممتاز بالثراء والحيوية والعطاء . يجلس - مثلاً - الاديب الى ابن سعود فيحار في أمره ، اهو على مقربة من ملك عظيم أم يحادث اديباً مطبوعا ؟ واما في علوم الدين فقد بلغ فيها مبلغاً يغبط عليه من الكبار من العلماء ، واما في السياسة والاجتماع ومعرفة الجماهير واتجاهاتها فهو جدخبير لا يفوته من كل ذلك الركز والمحبوء منه !

ولعبقرية ابن سعود شقان ! شق نما بالتلقي والتحصيل والمرانة وهذا من طبيعته التدقيق والتنظيم والتجربة والاجادة ، واما الشق الثاني فهو القوة القياضة المتسربة فى الملكات والشعور ، ومن طبيعته الابتكار والانشاء

ففن الحكم قد اجاده بالمرانة كما اجاد الخطط العسكرية وأساليب القتال بالخبرة والتجربة ؛ واعانته فى كل ذلك مواهبه المبتكرة ، وسار فى تحضير مملكته ببطء لئلا يفاجئ المحافظين بالجديد الغريب ، غير انه اجاد فى ذلك إجادة عظمي ، واما عبقريته المبتكرة فهي التى عملت عملها فى ربط (المعلومات) وجعلت منها (كليات) وهى التى اعانته على فهم اساليب السياسة وتلونها وخداع الساسة وا كاذيب الماكرين وقراءة أفكارهم ونفوسهم واهتدى الى معرفة الصواب والحق والفضيلة بالذوق والوجدان .

ان عبقرية ابن سعود تشبه انبثاق النور فى الليلة الداجية ، فهى مشهودة كما يشاهد النور الوهاج !

فقد انكر عليه بعض المحافظين استماعه الراديو واستعانته باللاسلكي والتلفون ، لانهم ظنوا ان بها شياطين تنقل الحديث ، فسألهم : هل الشيطان يطيق كلام الله ؟ فأجابوا : بالنفي قال : اسمعوا . . فاذا الراديو يذاع منه القرآن الكريم بصوت عذب رخيم تعد حروفه ، وأمراً حداتباعه بأن يسمع   المعترضين فى التلفون بعض أي الذكر الحكيم قدهشوا ، وايقنوا أن

لاشيطان ولاسحر ، ولكن ذلك سر العلم و (محصول)الدأب علي الإستنباط ونتاج القرائح العبقرية . ومن ذلك ان امرأة تقدمت اليه وهي آخذة بتلابيب رجل مذعور بتطلع يحيط بهما صبية فقال لها ابن سعود : ارسلية ، فارسلته وسألها عن امرها وأمره - فقالت :

- ان هذا الرجل كان يجني التمر فوق نخلة سامقة ، وكان زوجي - أبو هؤلاء الصبية - نائماً تحتها ، وسقط عليه من علو النخلة وقتله ، وأطلب القصاص . فأجابها ابن سعود في رفق ان لاقصاص عليه ؛ ولكنها أصرت ، ولم تنثن أمام حجة الشرع وقالت غاضبة :

ياطويل العمر ، أتترك رجلا يقتل زوجى ويرملنى وييتم أطفالي بدون قصاص ؟ أين عدلك !؟

فرأى ابن سعود ان لا مناص من استعمال المنطق والحجة اللذين يفيان بغرضه ويقنعان هذه المرأة الجهول فقال لها :

- أقتليه بمثل ماقتل زوجك ! تصعدين النخلة ويستلقى هو تحتها وتسقطين عليه فيموت ميتة زوجك ! هذا العدل ؟ فبهتت المرأة واقتنعت . . وقد منحها ابن سعود دية زوجها فانصرفت شاكرة داعية(١)

وليست أساليب القتال التى حذقها ابن سعود تحدرت اليه كلها عن طريق التلقين من أبيه او من تجاربه ، بل هناك (إلهام) أو ما يشبه الالهام ، فقد غزا الرياض للمرة الثانية واحتلها وصمم على البقاء بها ، وعزم على أن لا يغادرها مهما صنع ابن الرشيد غير أنه فكر فى قوة خصمه ، فأعلن للملأ انه اختصم مع أبيه عبد الرحمن وغادر الرياض الى جهة (غير معلومة)متظاهراً بالنقمة والسخط فوصل النبأ إلى أبن الرشيد فأسرع بجيشه يريد الرياض ليستغل الخصومة بين الوالد وابنه ويضربهما مفترقين فليبدأ بالأب ثم ليتفرغ للابن الذي غادره غاضبا فالرياض ضعيفة لا تطيق قوته وبأسه ، ونزل(بنيان) على مسيرة بضع ساعات ليرتب أموره ، ففاجأه ابن سعود من خلفه وضربه ضربة أبعدته عن عاصمة

نجد أياما بل أبعدته عنها الى آخر حياته فلم يستطع دخولها لاحرباً ولا سلماً بعد أن قتل عامله عجلان .

قهو لم يكن عازما على هذه الخطة ولكنها انيثقت فى ذهنه فأطاع الخافز الحفى وعمل ذلك وكتب له النصر ؛ وليس النصر - هنا بالمضادفة بل المهم الفكرة ثم تولاها بدرس الخطط وتخليلها ثم أخذ فى تنفيذها لما عرف أنها خطة ناجحة، فجعل فى المدينة مع أبيه بعض قواته للدفاع وخرج عنها ببقيتها يوهم  ابن الرشيد ويرصده حتى تسنت لابن سعود غلبته وقهره .

ولا يظن أحد أننا نعنى بتقسيم العبقرية شقين أن كلا منهما يعمل عمله مستقلا عن الآخر بل هما يعملان معاً فواعيته مختزن المعلومات والتجاريب وتمده عند الحاجة بها ، فيخترع الخطط وينفذ ما يريد ، لانه يعزم على العمل أولاً - بعد استحداث الخطط وبحثها ونقدها - ثم يتوكل على الله .

وقد يعمل العبارقة عملا أو يقولون قولا ويسألون : كيف عملت ؟ وكيف قلت هذا ؟ يجيبون بان هذا (حديث قلب) أو (إلهام) أو(حافز) خفي وليس هذا الا عندما يعوزهم المنطق والتدليل حينما يبحثون ويدرسون فيصلون الى القمة ولا يجدون الدليل الذي يقنعهم فيقولون هذا (إلهام) .

فحديث القلب هنا هو (الالهام) أو (الحافز الخفي). وابن سعود عبقرى فطالما يعمل العمل العظيم فاذا سئل قال مغتبطاً : " هذا من فضل ربي " .

وايمانه بالله إيماناً قوياً واعتقاده في نصره حملاه على الصراحة والشحاعة والعمل ؛ فما حاجته الى الكذب والجبن والخنوع وهو ذلك الذى يتولاه الله بفضله وتحرسه عنايته ورعايته .

وما نقول فى رجل لا يملك الا مايقيته ، فى رجل مطارد من جيوش الأعداء تتبع آثاره فى كل مكان ثم يبسط سلطانه على أقاليم واسعة فى سنوات معدودات ؟ وما نقول فى رجل لم يتعلم الا للعاشرة من عمره ثم شارك أسرته النفي والتغريب والتشرد حتى إذا استقر به المقام لم يتجه الى الدراسة والتحصيل لانه لم يكن له

وقت ينفقه فيهما بل ما كانت نفسه لتسيغ هذا البطء والجمود ، ثم نراه بدهش كبار المفكرين والساسة العظماء والأمراء والملوك بعلمه الواسع الناضج وإطلاعه العظيم ؟ ماذا يقال في رجل هذا شأنه غير انه ( عبقرى) يعرف بالبداهة سبل الاقناع والقول وصوغ الحجة ودفع التهمة في لباقة وذكاء .

وقد امتاز ابن سعود بالنضج الباكر ، فيز الصبية فى بنيانه الوثيق وكان يبدو دائماً فى سن أكبر بكثير مما هو فيه ، فهو كبيرهم فى اللعب ، وهو أسبقهم في المدرسة ، بل كان يبدو أ كبر عقلاً وأوسع إدرا كاً من طلبة العلم الذين نالوا قسطاً وافراً من العلوم ، وكان منطقه خلاباً وحجته قوية يقهر بها أعظم الرجال ، وكان الى جانب حياته كثير الاجتراء على من يخطئ ، قوي الوطأة على مخالفية فى الرأى .

وأي إنسان فى العاشرة من عمره يطيق الحرب والنزال ، ولكن ابن سعود أطاقهما ، وتقاذفته الفيافى والصحاري ولفحته ذكاء وحرمه الزمن الغادر من النعيم والترف فنشأ من صغره نشأة الرجل الكبير يمارس الخشونة وأعمال المشقة والكدح وحمل السلاح فى حين أن أترابه مازالوا يلهون فى مدارج الطفولة والصبا .

بل غزا فى أعقاب الثامنة عشرة من عمره حكومة نجد القوية ، ثم خرج من عاصمتها المضمحلة ليعود اليها فى العشرين ويجعلها عاصمة السعوديين ويرد اليها عزتها السليبة وقوتها المحطومة .

بل كان الى جانب منطقه القوي بارعا فى الدعاية حتى اقنع معه فى الغزوة الأولى . عظماء القبائل وأغراهم حديثه بأن يكونوا معه وهم كارهوه ، فعقلهم معه وقلبهم ليس معه حتى استمالهم قليلا قليلا فكانوا أنصاره قلباً وعقلاً ، ولما احتل الرياض للمرة الثانية واراد اقتفاء آثار عدوه أراد ان يستميل قوما فكان يخلو بكل منهم ويكلمه فيسبيه منطقه فلا يستطيع كتمان اعجابه بابن سعود فيقول له : " أبلشتني!! " أي حيرتني وامتلكتني ، وهي كلمة تقال للتعظيم والاعجاب بقوة الرجل الذي يستطيع أن يلعب بالعقول .

والفتى الذي يستطيع أن يجالس مباركا الصباح ، وعبد الرحمن بن فيصل

ابن سعود أعظم المفكرين من رجال القبائل ويظهر عليهم بعقله لهو جبار ذهن " لهو عبقري موهوب .

وقلنا أن العبقري مصاب بتضخم في العقل ، وما سبق دليل عليه ، وقلنا أنه شاذ ، وشذوذه آت عن تمرده على التقاليد والعادات التى أفسدتها البيئة والشعوذة والبدع والجهل ، والناس لا يطيقون من يريد تغيير عاداتهم ، والعبقرى يريد ذلك لانه يرجو لهم حياة أقرب الى الكمال ، وأولئك معذورون لان تغيير العادة فجيعة لانطاق ، فليس البكاء على عزيز مفقود - مثلا إلا لأنه (غير عادة)  فلا يرى بعد أن كانت العيون تبصره ، ولا يسمع حديثه بعد أن كان يصغى اليه وغير ذلك .

لهذا يتهم العبقري بالشذوذ وما هو بشاذ عند من يفهمونه حق الفهم  ولكنه مجدد ، والتجديد لا يطيقه الا الاقوياء وليس الناس بالنسبة الى العباقرة بأقوياء .

وإذا إحتاج الباحثون الى دليل لاثبات عبقريات العباقرة فليس ابن سعود بمحتاج اليه لان كل صفاته ولان ترجمة حياته كلها شواهد بينة على هذه العبقرية التى إن خطأ الناس العبقريات فهم لن يخطئوا (عبقرية) ابن سعود بحال من الاحوال

وبعد فالرجل الذي يجمع أكبر ما يجمع فى أمة من الصفات الفاضلة فيفهم الناس أنه " أكبر " ابناء جنسه لأنه " أكبر " رجل في طبائع أمته - لهو بلاشك " عبقرى " وإلالما إستطاع أن يكون " النموذج " العالى الصالح العظيم المكبر لأمة لها فضائلها وحسناتها وتاريخها وقوميتها ومآثرها الخالدة وماضيها المجيد

ابن سعود - ملك المملكة العربية السعودية - فى كل أحواله عبقرى ، وسمة العبقرية لن نخطئها فيه عين مهما بعدت عنه لأنها أشد ما تكون وضوحا وبروزآ في هذا العبقرى الفريد .

اشترك في نشرتنا البريدية