يسألني الأستاذ عبد القدوس الانصاري : ان اكتب له عن عبقرية الامير "فيصل" الادارية والسياسية ، ولقد اشفقت ان يكون حديثي عن هذه العبقرية ؛ من الحديث المعاد ، فقد كتبت عنها وكتبت ولكنها - فيما يتراءى لى - عبقرية خصبة رحبة متعددة الجوانب موفورة السمات ، وهي كعبقرية سياسية قد اتسعت واتسعت ، حتى تجاوزت حدود الأمة والأقليم ، وأصبحت عبقرية عالمية ! ومانهك في أنه ليس في هذا الحكم ادنى مبالغة ! فان كبار ساسة العالم قد حكموا به ، حينما تهربهم المزايا السياسية الفريدة التى يتمتع بها سموه ، وحينما استيقنوا بهذا . المثل الرائع الفذ الذي ضربه لهم سموه : ان الجامعات العلمية قد تعين الشخصية على التكامل والنضوج والبروز ، ولكنها لا نستطيع ولن تستطيع ان تنبت شخصية قوية فى نفس ليس لها الاستعداد الطبعي اللازم لهذا الانبات ، وان الشخصية القوية - وان احتاجت في تكاملها وتضجها وبروزها الى زاد من العلوم والمعارف - فانها قلما تعتمد على هذا الزاد إعتمادها على مواهبها الفطرية التى هى ركازها القوى الاول فيما يعرض لها من مشاكل ، وماتجه من معضلات وما تضطلع به من اعباء وما تترك خلفها من آثار تتعدى بنفعها وقدوتها وتوجيهها الامة والاقليم وحاضر الزمن الى الانسانية الشاملة والاجيال المحجبة وراء ستور الغيوب...!
وقد كان سموه - بشهادة ساسة الشرق والغرب - من ابرز الشخصيات التى حفلت بها المؤتمرات السياسية العالمية التى تمخضت عنها الحرب الكبرى
الثانية ، ومن اكثرها تألقا ولمعانا واقومها خلقا واتجاها وانبلها هدفا وغاية وأزخرها بالحيوية والنشاط والسعى الدائب المخلص لخير بلاده ، وبلاد العروبة والاسلام حيثما كان موقعها تحت الشمس ، وقد كد لي أحد رجال سموه المقربين الذين رافقوه في كافة رحلاته الاخيرة أنه كان يعمل ثمانية عشرة ساعة كل يوم بلا كلل ولاسآمة ، وانه كان يعاني صعوبة كبيرة فى مسابرة سموه على هذا النهج الرتيب الشاق . وامامنا الشاهد المائل ، فقد سافر سموه الى اوربا والى اميركا وهي بلاد تتوفر فيها المشاهد الفاتنة والمناظر الجديدة الاخاذة والهواء الطيب المنعش ، وكلها مما يرفد الصحة بروفد لا يستهان بها ويغذيها بمادة البهجة والامتاع ، ولكن سموه عاد غير متزود بصحة جثمانية طارئة ، اللهم الا الصحة التى كان عليها قبل ان يسافر ، والتي نسال الله الكريم ان يديمها على سموه موفورة متجددة قد يكون سموه استفاد صحياً ولكنه انفق ما استفاد في سبيل خير بلاده وامته وبنى ملته بلاشك ، فذلك العمل المجهد المتواصل كفيل بنفاد نشاط جماعة من الرجال ، لافرد واحد منهم فحسب . ورحم الله أبا الطيب حين يقول :
واذا كانت النفوس مكبارا تعبت في مرادها الاجسام
وسبحان ملهم النفوس والقول ما يعجز عن الهامه المأثور و المنقول ...
هذه صورة خاطفه لم تتوفرها الالوان والظلال والملامح ، لعبقرية الامير فيصل السياسية ، لأن الاستاذ صاحب " المنهل" حدد عدد الصفحات ، فلا مناص من النزول على حكمه ، ما دامت ظروفه الصحفية تقسره على هذا الحكم الجائر حتى يأذن الله باتساع الأفق الصحفى ، وبالتالى إتساع أفق البحوث والدراسات فى هذه البلاد المشمولة برعاية المليك العبقرى المجدد ( أطال الله حياته ) .
أما عبقرية سموه الادارية ، فانها عبقرية تقوم على مزايا نفسية فريدة ، قل ان تتوفر فى نفس بشرية واحدة ، الا ان تكون تلك النفس موهوبة ملحوظة من العناية السرمدية ، فقد ناب سموه عن جلالة والده فى الحجاز ، وهو فى ميعة الشباب ومقتبل العمر ، وتوفر له السلطان العريض والنفوذ الممتد ، فما أثرا أيما تأثير على نفس سموه الفتية . ! وما حملاها على الغرور
والاستبداد ، كما يحملان النفوس الضعيفة ، والشباب حكمه وتأثيره ، ولكن فى النفوس العادية ، اما النفوس التى جبلت من معدن خاص ! فانها ترتفع عن المستوى العادى وترفرف فى مستوى رفيع مرموق يتطلع إليه عامة الناس ولا يكادون يقتربون منه ، الا كما يقترب الفراش من النور ، يدانيه ومايلامسه وإلا إحترق.!! وكذلك هي طبيعة النور ، يضئ للناس ويهديهم السبيل فان داموا منه أكثر من ذلك فان الملامة عليهم وحدهم لا عليه... !!
وقد مضي على نيابة سمو الأمير " فيصل" عن أبيه العظيم في الحجاز ما يقارب ربع قرن ، فهل يستطيع فرد واحد أن يقول - وهو مخلص صادق فيما يقول أن فيصلا قد عاقه عن حق له ، أو ظلمه قيد شعرة . . ؟ ؟ ! ان فيصلا طالما جاهر فى مجالسه التى يغشاها عامة الشعب بانه يبرأ إلى الله من اية ظلامة تلحق فردا ، أو جماعة من اية هيئة رسمية أو فرد ذي سلطان ، ولا ترفع اليه ليحكم فيها بما انزل الله ، ويعيد الحق الى نصابه بما ينصف المظلوم وبردع الظالم ويذره عبرة . وأن فيصلا ليحاول مخلصاً تربية الشعب على اسمى المبادىء واقوم الصفات فيطلب اليه ان يتذرع دائماً بالشجاعة الخلقية ، وأن ينسلخ من الرياء المقيت الذي هوا أخبث وسيط بين الحكام والمحكومين ، وانه ليقول مجاهراً ومكرراً : هل من يبين لنا الاخطاء ، فما كنا معصومين هذه نفس(حاكم) فأين نفوس(المحكومين). ؟؟
ويمتاز فيصل - الى عدله الفائق وسياسته الادارية الحكيمة - بتحكم عجيب على أعصابه . حدثني مرة سعادة الدكتور بشير بك الرومى - مدير منطقة صحة العاصمة - والطبيب الخاص لعائلة سموه : انه حضر مرة مجلس سموه ورآه مفتر الثغر كعادته ، وبيده ( فنجان ) القهوة ، وان يده لترتعد من الغضب لأسباب لا محل لذكرها هنا ولكن تلك الحالة النفسية العنيفة لم تستطع إخراج سموه عن طوره ، فتحكم فيها بقوة خارقة ، حتى زالت وزال معها تأثيرها فيما قد يصدر من حكم . .!
وبعد ، فليست هذه... ايها القارئ الكريم - بالدراسة المحللة ، وانما هى سرد سريع ، وفذلكة عاجلة يدعو اليها ضيق النطاق وضغط الظروف والا فان عبقرية " فيصل " السياسية والادارية تحتاج الى البحوث الواسعة والدراسات المستفيضة التى لا يتسع لها نطاق كنطاق مجلتنا الناشئة .
أدام الله سموه ذخراً في ظل جلالة العاهل الكبير ، واجرى على ايدى هذه الاسرة الملكية العتيدة خير العروبة ومجد الاسلام .

