لا يزال كتاب العرب في الاقطار الشقيقة يتجاهلون أغلب ما يمت الى هذه البلاد التى هي مهد العروبة من الناحية الثقافية .
وآخر شئ من هذا القبيل بحث قرأته لكاتب مصرى فى مجلة " صوت الشرق " تحدث فيه عن فكرة يعتبرها كاتب " الاوعية والغلال " احدى الدسائس التى تغلغلت من الاستعمار الى أفكار العرب . فأخذت لدى هؤلاء بحظ وافر من الدعوة والتطبيل والتزميز وهذه الفكرة هي احياء العامية وتدعيمها في كل مكان حتى تضوءل اللغة العربية الفصحى فيتبل التفكير العربى الاسلام وينال الاستعمار اذ ذاك ثغرات واسعة لاقتحام العرين لا قدر الله .
وكاتب المقال يدعو الى توحيداللهجات فى لهجة واحدة مفضلة واقترح تسميتها " عربنتو " على وزن "اسبرنتو " . . يا لله للسخافة وفجاجة التفكير والخبط فى كل واد خبط عشواء في ليلة ظلماء . . ما لنا يا حضرة الاستاذ وللعربنتو ؟ ولهذه السخافة المجوجة البائدة . ان لدينا اقوى واجمل وارشق وأشمل من " عربنتوك " هذه الا وهي اللغة العربية التى هي القاسم المشترك الاعظم بالنسبة لسائر العرب والمسلمين فلا حاجة لنا الى
عربنتو ولا عجمنتو ولا سخفنتو ولا دستسننتو . . بحسبنا العربية الفصحى عن كل هذه الترهات والأحابيل . . وقد دعا الكاتب الى العناية بهذا الموضوع حتى تتوحد اللهجات العامية فى " عربنتو "
واحدة . . واقول لحضرته ان السعى في تكوين العربنتو هذه معناه التنظيم الدراسة والتطبيق الدقيق حتى تعم العربنتو جميع طبقات العرب وهذا امر يقتضي تدريس الاطفال والشباب للعربنتو والزام مختلف الطبقات بالتحدث والتخاطب بالعربنتو ومعنى هذا تقريرها رسميا وشعبيا
ومعنى ذلك دعمها فى شتى الاركان وبكل لسان . وهذا هراء . . وقلب للأوضاع ووأد للغة العربية الفصيحة واستجابة قوية لدعاة هدمها من المستشرقين والمستعمرين ونكسة بالأمة العربية الى وراء نكسة هدامة .
والواجب المحتوم اذن ان تلقي هذه الاصوات المنكرة فى سلال المهملات كما القيت زميلاتها فى مستهل هذا القرن ومن قبله ومن بعده وقد كتب الله للغة العربية الصحيحة ان تنهض برغم تضافر امثال هؤلاء الباحثين المزيفين ضدها . مع اذناب الاستعمار . فكيف يكون لمثل هذا السخف المريض الواهن المهل صدى في صحافتنا او مكانة
فى تفكيرنا او ركز فى اسماعنا الآن ؟
وكاتب المقال السخيف واقولها بحق وتحقيق يضع بيانا للهجات العامية السائدة في بعض الكلمات وفي اخر البيان يضع الكلمة المقترح تعميمها . . وأتى باللهجات المصرية والعراقية والسورية واللبنانية والفلسطينية ونسي حضرته لهجة هذه البلاد العامية فمثلا وضع كلمة " دى الوقت " بمعنى الآن التى تستعمل في عامية مصر و " هسه "
فى المعنى بالعراق و هلا وهلين " في سوريا ولبنان أو " هلكيت وهلق " و " أسه " في فلسطين واقترح استعمال " دى الوقت " واعرض عن اللهجة الحجازية والنجدية وهي " دحين " و " ذا الحين " وانتم أيها القراء الكرام تدركون لا محالة ان هاتين اللهجتين اجمل نبرة واخف وزنا وافصح لفظا من كل تلك اللهجات العامية السالفة فى المعنى نفسه . . فلماذا لا يدعو الى استعمال " ذا الحين " وهي ليس عليها غبار . . هي فصيحة صحيحة واضحة مليحة ؟ . .
ان اهمال الاصل الاصيل دفعة واحدة والتشبت بالذيول والفروع في كل امر دليل على العجز والحمول او الغرض الوبيل . او النكران غير الجميل للجميل . .
تطور !
راقني ذات يوم ان شاهدت
عشرات من بدو حرب الذين يعرف الناس ماضيهم . . شاهدت هؤلاء يعملون . . يعملون مجمعين مجتمعين فى عمل فنى عمرانى . كوحدة قائمة بذاتها لكل منهم نصيبه الفني المستقل به من العمل . . فهو بعمله بدقة وبميزان مسايرا للآلة
الميكانيكية التى يقف بجانبها كاحدى قطعها . . وكل منهم منهمك في عمله راض به ملتذ به وكل منهم ينشد أناشيده البدوية في حماسة رائعة ومديرو العمل لا عمل لهم سوى المراقبة من بعيد لهؤلاء البداة الفنيين الاذكياء من الشباب المفتولى العضلات الواعين لدقائق المشروع . . . وقد
راقبت المراقبين لادرك ما إذا قدموا اية ملاحظة او لاحظوا اى قصور على العمال البدو من آل حرب . . فما رأيت أى توجيه او قصور حصل حتى انتهى الوقت المحدد وانتهى العمل على احسن ما يرام . .
حقا . . ان هذا تطور في عقلية البادية . . لقد عمت الخيرات وعم الامن فتحضروا وتصنعوا فما بقوا عالة على الناس . . بل اصبحوا بفضل التوجيه الحكومي اداة عامة نافعة ينفعون انفسهم وينفعون مواطنيهم وبذلك صاروا يكسبون لقمة العيش بفكرهم وايديهم رزقا حلالا لا عوج فيه ولا امت . . فلك يا الله حمدا لا مزيد عليه . .

