عروة بن الزبير

Share

ليس غريبا ان يقترح على الاستاذ الصديق صاحب مجلة " المنهل " الغراء أن اكتب لعدد المنهل الممتاز مقالا عن عروة بن الزبير ، فهو شخصية من تلك الشخصيات الاسلامية الجدبرة بالدرس والتحليل ، الخليقة بان تكون قدوة لشبابنا فى الرجولة والفضيلة ، ومثالا يحتذونه في العلم والأدب ، ولكن الغريب في نظري تقييد الكتابة في هذا الموضوع باربع صفحات من صحائف المنهل المعتاد . على أن للاستاذ الأنصارى عذره فى هذا التحديد بالنسبة لهذا الجزء من المنهل فهو بريد ان يجعل منه تحفة لقرائه تضم الوانا زاهية من المعرف الخالصة والأدب الرفيع ، وطرفا رائعة من تراث السلف وسير أبطالنا النابهين دون ان يمل قراءه او يثقل عليهم بالدراسات الطويلة والأبحاث المستفيضة وهأنذا نزولا على رغبته وإرادته أقدم للقراء الكرام صورة مجملة بقدر ما يسمح به المقام لهذه الشخصية الجليلة :

ينتمى عروة الى الزبير بن العوام حواري الرسول صلوات الله عليه ، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ، واخواه عبد الله ومصعب الزبيريان البطلان الشهيران ، فهو إذا سليل أسرة عريقة في المجد والعبقرية فلا بدع اذا تجلت فيه خلال من تلك المجادة والالمعية ولا غرابة في أن يصبح صاحب هذا النسب وتلك البيئة علما من أعلام المعرفة ومثلا من امثلة الشرف والسؤدد وسيدا من سادات التابعين ، وأحد فقهاء المدينة المعدودين ، ممن كان يرجع اليهم اصحاب رسول الله ويسألونهم . وحسبه فضلا على العلم وتراثه أن يكون من الذين وضعوا اللبنات الأولى في تدوين العلوم الاسلامية ، فقد قال عنه الواقدى : " كان فقيها عالما حافظا ثبتا حجة عالما بالسير ، وهو أول من صنف في المغازي " وقال ابنه هشام : " أحرق أبي يوم الحرة كتب فقه كانت له قال : فكان يقول بعد ذلك : لأن تكون عندي أحب إلى من أن يكون لى مثل اهلى ومالي وقد كان الى جانب علمه ذلك من أروى الناس للشعر وقد رويت له مقطوعات من الشعر الرقيق سنذكر بعضها فى سياقه من هذا الحديث .

ومن ابرز الأحداث في سيرة عروة مصيبته بقطع رجله وفقد ولده وتلقيه ذلك بصبر ورباطة جأش يندر مثلهما مما جعل اسم عروة علما من أعلام الشجاعة والرجولة الحق ، ومثلا عاليا في الصبر والاذعان للقضاء فلقد حدثتنا كتب التاريخ أن عروة بن الزبير خرج من المدينة الى دمشق ليجتمع بالوليد ابن عبد الملك فوقعت الاكلة في رجله فى واد قرب المدينة فذهب فى وجهه ولم يثنه ذلك عن عزمه ، فما وصل إلى دمشق الا وقد اكلت نصف ساقه فلما دخل على الوليد جمع له الأطباء العارفين بذلك ، فاجمعوا على انه ان لم يقطعها ا أكلت رجله كلها وربما رقت الى جسده فأكلته ، فطابت نفس عروة بقطعها فقالوا له : الا نسقيك مرقدا حتى يذهب عقلك فلا تحس بألم النشر ؟ فقال : لا ، والله ما كنت أظن أن أحدا يشرب شرابا أو يأكل شيئا يذهب عقله ولكن ان كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة فإنى لا أحس بذلك ولا اشعر به ، فنشروا رجله وهو قائم يصلى فما تضور ولا اختلج ، فلما انصرف

مع الصلاة عزاه الوليد في رجله فقال : اللهم لك الحمد . كان لى أطراف أربعة فأخذت واحدا فلأن كنت قد أخذت فقد أبقيت ، وان كنت قد ابتليت فطالما عافيت . وكان عروة قد صحب معه فى سفره هذا بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد وكان احبهم إليه ، فدخل اصطبل الوليه فرفسته فرس فمات فأتوه فعزوه فيه ، فقال : الحمد لله ، كانوا سبعة فاخذت منهم واحدا وأبقيت ستة ، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت ، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت . وقدم فى تلك السنة قوم من بني عبس فيهم رجل ضرير فسأله الوليد عن عينيه فقال : يا امير المؤمنين : بت ليلة فى بطن واد ولا أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي ، فطرقنا سيل فذهب بما كان لي من أهل وولد ومال غير بعير وصبى مولود . وكان البعير صعبا فند ( شرد ) فوضعت الصبي واتبعت البعير فلم أجاوز إلا قليلا حتى سمعت صيحة ابنى ورأسه فى قم الذئب وهو يأكله فلحقت البعير لأحبسه فنفحنى برجله على وجهى فخطمه وذهب بعيني فاصبحت لا مال لى ولا أهل ولا ولد ولا بصر . فقال الوليد : انطلقوا به الى عروة ليعلم أن فى الناس من هو أعظم منه بلاء ، فكان له فيه عزاء أي عزاء . وكان من أحسن من عزاه ابراهيم بن محمد بن طلحة فقال له . " والله ما بك حاجة الى المشي ولا ارب فى السعى ، وقد تقدمك عضو من اعضائك وابن من أبنائك الى الجنة ، والكل تبع للبعض ان شاء الله تعالى وقد ابقى الله لنا منك ما كنا اليه فقراء وعنه غير أغنياء من علمك ورأيك ، متعك الله وايانا به ؛ والله ولى ثوابك والضمين بحسابك . فلما قضى عروة حاجته من دمشق رجع الى المدينة فما سمعه أحد ذكره رجله ولا ولده ، حتى اذا دخل وادى القرى وبلغ المكان الذي أصابته الاكلة فيه قال : " لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه ويعزونه فى ولده ورجله ، فبلغه أن بعض الناس قال : انما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه ، فانشد عروة ابيات معن بن أوس :

لعمرك ما أهويت كفى لريبة                     ولا حملتني نحو فاحشة رجلي

ولا قادني سمعي ولا بصري لها                    ولا دلني رأي عليها ولا عقلي

ولست بماش ما حييت لمنكر                    من الأمر ما يمشى إلى مثله مثلى

ولا مؤثر نفسي على ذى قرابة                  وأوثر ضيفي ما أقام على أهلى

وأعلم أني لم تصبني مصيبة                      من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلى

هذه صورة مصغرة لبعض نواحي حياة عروة وهي على صغرها تعطينا صورة رائعة لكبر النفس وقوة الارادة وجلال اليقين وهناك نواح أخرى من حياته تتجلى فيها البشاشة ونضرة النعيم وتفيض بألوان من خلال النبل والمكارم نود أن لا نحرم القراء من الالمام بها ، فلقد أتيح لعروة حظ من الثراء والنعمة غير يسير وكان ميالا لاظهار هذه النعمة ، محبا للعمارة والزراعة ينفق فيهما بسخاء وطيب نفس ولم يكن كمعظم أثرياء هذا الزمان يضن على الفقراء والمحتاجين ، بل كان من المحسنين الذين فى أموالهم حق للسائل والمحروم والأمثلة على ذلك كثر فى حياته نكتفى بذكر مثالين منها فانهما على ايجازهما يدلان أبلغ دلالة على ما تحلت به هذه النفس الكبيرة من كرم واريحية تهتز لهما النفوس الكريمة نشوة وطربا ويستثيران في القلوب النبيلة أسمى عواطف البر والاحسان . أما المثال الأول فقد روت كتب الأدب والتاريخ أن عروة هذا كان يلم حائطه ( بستانه ) فى أيام الرطب فيدخل الناس فيأكلون ويحتملون دون أن يجشمهم ذل الطلب والاستئذان أو يجرعهم غصص الصد والحرمان وحسبك بهذا كرما وأريحية . وأما المثال الآخر فقد كان لعروة قصر في العقيق أنفق عليه من حر ماله ما يضن بمثله الموسرون حتى فاق غيره من القصور فخامة وبهاء وأصبح مرموقا بعين الغبطة والاعجاب حتى من الخلفاء والأمراء فاذا عروة يتصدق بهذا القصر المنيف وبما كان له من أرض وآثار على المسلمين فيضرب بذلك المثل الأعلى للمثرين فى السخاء والأريحية ، فما أحوج المسلمين فى حاضرهم إلى أمثال عروة من أجواد السلف ليساعدوا على مطالب الاصلاح ويساهموا فى اقامة صروح العزة القومية لأمتهم ووطنهم .

وعلى ذكر قصر عروة يحسن بنا ان نمرج قليلا على بعض ما سجله الشعر في وصف هذا القصر وما اتصل به من آبار ، ولنبدأ بقول عروة نفسه فهو أحق الناس بوصفه وقديما قيل : صاحب الدار ادري بالذي فيها . قال عروة :

بنيناه فاحسنا بناه                     بحمد الله فى خير العقيق

تراهم ينظرون اليه شزرا               يلوح لهم على وضح الطريق .

فساء الكاشحين وكان غيظا           لأعداني وسر به صديق

يراه كل مرتفق وسار                  ومعتمر الى البيت العتيق

وفيه يقول بعض الشعراء :

حبذا القصر ذو الظلال وذو البئر         ببطن العقيق ذات السقاة

ماء مزن لم يبغ عروة فيها                   غير تقوى الاله في المفظعات

بمكان من العقيق أنيس                     بارد الظل طيب الغدوات

أما بئر عروة فقد سارت بذكرها الركبان وضربت بعذوبة مانها الأمثال قال الزبير بن بكار : رأيت الخارج من المدينة إلى مكة وغيرها ممن يمر بالعقيق يخففون من الماء حتى يتزودوه من بئر عروة ، واذا قدموا منها بماء يقدمون به على أهلهم يشربونه فى منازل لهم عند مقدمهم قال ورأيت أبي يأمر به فيغلي ( أى يعقم كما نقضى به قواعد الصحة ) ثم يجعل في القوارير ثم يهد به الى امير المؤمنين هارون فى الرقة . وفي بئر عروة يقول السرى بن عبد الرحمن الانصاري .

كفنوني ان مت في درع أروى         واستقوا لى من بئر

سخنة فى الشتاء باردة في الصيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف سراج في الليلة الظلماء

نكتفي بهذا القدر من الحديث عن عروة وآثاره خوفا من الاطالة والخروج على شرط الأربع الصفحات . ولعله من المناسب ان يختم هذا المقال بكلمة عن تاريخ ولادة عروة ووفاته وكلمة اخرى عن حبه للعلم وطموحه اليه منذ صباه . اختلف في السنة التى ولد فيها عروة والسنة التى توفى فيها ، وقد رجح ابن كثير فى تاريخه انه ولد فى سنة ثلاث وعشرين وتوفى سنة أربع وتسعين ( من الهجرة ) وكانت وفاته فى قرية قرب المدينة يقال لها " فرع " ذات نخيل ومياه .

وقد روى ابن خلكان عن العتبي : ان المسجد الحرام جمع بين عبد الملك ابن مروان وعبدالله بن الزبير وأخويه مصعب وعروة المذكور ايام تآلفهم بعهد معاوية بن ابي سفيان . فقال بعضهم هلم فلنثمنه : فقال عبد الله بن الزبير أمنيتي أن املك الحرمين وأنال الخلافة ، وقال مصعب : امنيتي ان املك العراقين واجمع بين عقيلتى قريش ، سكينة بنت الحسين ، وعائشة بنت طلحة وقال عبد الملك بن مروان : أمنيتي أن أملك الأرض كلها واخلف معاوية فقال عروة : لست في شئ بما انتم فيه ، أمنيتي الزهد في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة ، وان اكون ممن يروى عنه هذا العلم . قال : فصرف الدهر من صرفه إلى أن بلغ كل واحد منهم الى ما امله . وكان عبد الملك لذلك يقول : من سره أن ينظر الى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير .

وهكذا سمت بعروة همته الى العلم فكان علما من اعلامه وسمت هم زملائه الى الملك والسيادة فبلغوا من ذلك الغاية . ورحم الله المتنبي اذ يقول :

واذا كانت النفوس كبارا        تعبت فى مرادها الأجسام

اشترك في نشرتنا البريدية